الإسلام > القرآن > سور > سورة 94 الشرح > الآية ٣ من سورة الشرح
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 18 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣ من سورة الشرح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها.
( الذي أنقض ظهرك ) الإنقاض : الصوت .
وقال غير واحد من السلف في قوله : ( الذي أنقض ظهرك ) أي : أثقلك حمله .
( الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) قال: أثقل ظهرك.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) : كانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم &; 24-494 &; ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) قال: كانت للنبي: ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ) يعني: الشرك الذي كان فيه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ) قال: شرح له صدرَه، وغفر له ذنبَه الذي كان قبل أن يُنَبأ، فوضعه.
وفي قوله: ( الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) قال: أثقله وجهده، كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيل، حتى يصير نِقضا بعد أن كان سمينا( وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ) قال: ذنبك الذي أنقض ظهرَك، أثقل ظهرك، ووضعناه عنك، وخفَّفنا عنك ما أثقل ظهرَك.
أي أثقله وأوهنه .قال : وإنما وصفت ذنوب , الأنبياء بهذا الثقل , مع كونها مغفورة , لشدة اهتمامهم بها , وندمهم منها , وتحسرهم عليها .
{ الَّذِي أَنْقَضَ } أي: أثقل { ظَهْرَكَ } كما قال تعالى: { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } .
"الذي أنقض ظهرك"، أثقل ظهرك فأوهنه حتى سمع له نقيض، أي صوت.
(الذي أنقض) أثقل (ظهرك) وهذا كقوله تعالى: "" ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك "".
ألم نوسع -أيها النبي- لك صدرك لشرائع الدين، والدعوة إلى الله، والاتصاف بمكارم الأخلاق، وحططنا عنك بذلك حِمْلك الذي أثقل ظهرك، وجعلناك -بما أنعمنا عليك من المكارم- في منزلة رفيعة عالية؟
و ( أَنقَضَ ظَهْرَكَ ) أى : أثقله وأوهنه وأتعبه ، حتى سمع له نقيض ، وهو الصوت الخفى الذى يسمع من الرَّحْل الكائن فوق ظهر البعير ، إذا كان هذا الرحل ثقيلا ، ولا يكاد البعير يحمله إلا بمشقة وعسر .والمعنى : لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك ، وأزلنا عنك ما أثقل ظهرك من أعباء الرسالة ، وعصمناك من الذنوب والآثام ، وطهرناك من الأدناس ، فصرت - بفضلنا وإحساننا - جديرا بحمل هذه الرسالة ، بتبليغها على أكمل وجه وأتمه .فالمراد بوضع وزره عنه صلى الله عليه وسلم مغفرة ذنوبه ، وإلى هذا المعنى أشار الإِمام ابن كثير بقوله : قوله - تعالى - : ( وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ) بمعنى ( لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) وقال غير واحد من السلف فى قوله : ( الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ) أى : أثقلك حمله .
.ويرى كثير من المفسرين أن المراد بوضع وزره عنه صلى الله عليه وسلم : إزالة العقبات التى وضعها المشركون فى طريق دعوته ، وإعانته على تبليغ الرسالة على أكمل وجه ، ورفع الحيرة التى كانت تعتريه قبل النبوة .قال بعض العلماء : وقد ذكر جمهرة المفسرين أن المراد بالوزر فى هذه الآية : الذنب ، ثم راحوا يتأولون الكلام ، ويتمحلون الأعذار ، ويختلفون فى جواز ارتكاب الأنبياء للمعاصى ، وكل هذا كلام ، ولا داعى إليه ، ولا يلزم حمل الآية عليه .والمراد - والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم - بالوزر : الحيرة التى اعترته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ، حين فكر فيما عليه قومه من عبادة الأوثان .
وأيقن بثاقب فكره أن للكون خالقا هو الجدير بالعبادة ، ثم تحير فى الطريق الذى يسلكه لعبادة هذا الخالق ، وما زال كذلك حتى أوحى الله إليه بالرسالة فزالت حيرته .
ولما دعا قومه إلى عبادة الله ، وقابلوا دعوته بالإِعراض .
.
ثقل ذلك عليه ، وغاظه من قومه أن يكذبوه .
.
وكان ذلك حملا ثقيلا .
.
شق عليه القيام به .فليس الوزر الذى كان ينقض ظهره ، ذنبا من الذنوب .
.
ولكنه كان هما نفسيا يفوق ألمه ، ألم ذلك الثقل الحسى .
.
فلما هداه الله - تعالى - إلى إنقاذ أمته من أوهامها الفاسدة .
.
كان ذلك بمثابة رفع الحمل الثقيل ، الذى كان ينوء بحمله .
لا جرم كانت هذه الآية واردة على سبيل التمثيل ، واقرأ إن شئت قوله - تعالى - :( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ .
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ الساجدين .
واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين ) ويبدو لنا أن هذا القول الثانى ، هو الأقرب إلى الصواب .
لأن الكلام هنا ليس عن الذنوب التى ارتكبها النبى صلى الله عليه وسلم قبل البعثة - كما يرى بعض المفسرين - وإنما الكلام هنا عن النعم التى أنعم بها - سبحانه - عليه والتى من مظاهرها توفيقه للقيام بأعباء الرسالة ، وبإقناع كثير من الناس بأنه على الحق ، واستجابتهم له صلى الله عليه وسلم .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال المبرد: هذا محمول على معنى ألم نشرح لا على لفظه، لأنك لا تقول ألم وضعنا ولكن معنى ألم نشرح قد شرحنا، فحمل الثاني على معنى الأول لا على ظاهر اللفظ، لأنه لو كان معطوفاً على ظاهره لوجب أن يقال: ونضع عنك وزرك.
المسألة الثانية: معنى الوزر ثقل الذنب، وقد مر تفسيره عند قوله: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ ﴾ وهو كقوله تعالى: ﴿ لّيَغْفِرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ .
وأما قوله: ﴿ أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ فقال علماء اللغة: الأصل فيه أن الظهر إذا أثقل الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي، وهو صوت المحامل والرحال والأضلاع، أو البعير إذا أثقله الحمل فهو مثل لما كان يثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوزاره.
المسألة الرابعة: احتج بهذه الآية من أثبت المعصية للأنبياء عليهم السلام والجواب: عنه من وجهين: الأول: أن الذين يجوزون الصغائر على الأنبياء عليهم السلام حملوا هذه الآية عليها، لا يقال: إن قوله: ﴿ الذى أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ يدل على كونه عظيماً.
فكيف يليق ذلك بالصغائر، لأنا نقول: إنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه منه وتحسره مع ندمه عليه، وأما إنما وصفه بذلك لأن تأثيره فيما يزول به من الثواب عظيم، فيجوز لذلك ما ذكره الله تعالى.
هذا تقرير الكلام على قول المعتزلة وفيه إشكال، وهو أن العفو عن الصغيرة واجب على الله تعالى عند القاضي، والله تعالى ذكر هذه الآية في معرض الامتنان، ومن المعلوم أن الامتنان بفعل الواجب غير جائز الوجه الثاني: أن يحمل ذلك على غير الذنب، وفيه وجوه: أحدها: قال قتادة: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب سلفت منه في الجاهلية قبل النبوة، وقد أثقلته فغفرها له.
وثانيها: أن المراد منه تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها وحفظ موجباتها والمحافظة على حقوقها، فسهل الله تعالى ذلك عليه، وحط عنه ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت له.
وثالثها: الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل.
وكان لا يقدر على منعهم إلى أن قواه الله، وقال له: ﴿ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم ﴾ .
ورابعها: أنها ذنوب أمته صارت كالوزر عليه، ماذا يصنع في حقهم إلى أن قال: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ﴾ فأمنه من العذاب في العاجل، ووعد له الشفاعة في الآجل.
وخامسها: معناه عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك، لو كان ذلك الذنب حاصلاً، فسمى العصمة وضعاً مجازاً، فمن ذلك ما روي أنه حضر وليمة فيها دف ومزامير قبل البعثة ليسمع، فضرب الله على أذنه فلم يوقظه إلا حر الشمس من الغد.
وسادسها: الوزر ما أصابه من الهيبة والفزع في أول ملاقاة جبريل عليه السلام، حين أخذته الرعدة، وكاد يرمي نفسه من الجبل، ثم تقوى حتى ألفه وصار بحالة كاد يرمي بنفسه من الجبل لشدة اشتياقه.
وسابعها: الوزر ما كان يلحقه من الأذى والشتم حتى كاد ينقض ظهره وتأخذه الرعدة، ثم قواه الله تعالى حتى صار بحيث كانوا يدمون وجهه، و(هو) يقول: اللهم اهد قومي.
وثامنها: لئن كان نزول السورة بعد موت أبي طالب وخديجة، فلقد كان فراقهما عليه وزراً عظيماً، فوضع عنه الوزر برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياة فارتفع له الذكر، فلذلك قال: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ .
وتاسعها: أن المراد من الوزر والثقل الحيرة التي كانت له قبل البعثة، وذلك أنه بكمال عقله لما نظر إلى عظيم نعم الله تعالى عليه، حيث أخرجه من العدم إلى الوجود وأعطاه الحياة والعقل وأنواع النعم، ثقل عليه نعم الله وكاد ينقض ظهره من الحياء، لأنه عليه السلام كان يرى أن نعم الله عليه لا تنقطع، وما كان يعرف أنه كيف كان يطيع ربه، فلما جاءته النبوة والتكليف وعرف أنه كيف ينبغي له أن يطيع ربه، فحينئذ قل حياؤه وسهلت عليه تلك الأحوال، فإن اللئيم لا يستحي من زيادة النعم بدون مقابلتها بالخدمة، والإنسان الكريم النفس إذا كثر الإنعام عليه وهو لا يقابلها بنوع من أنواع الخدمة، فإنه يثقل ذلك عليه جداً، بحيث يميته الحياء، فإذا كلفه المنعم بنوع خدمة سهل ذلك عليه وطاب قلبه.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ ألَمْ نَشْرَحْ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَمانِي آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ألَمْ نُفْسِحْهُ حَتّى وسِعَ مُناجاةَ الحَقِّ ودَعْوَةَ الخَلْقِ فَكانَ غائِبًا حاضِرًا، أوْ ألَمْ نُفْسِحْهُ بِما أوْدَعْنا فِيهِ مِنَ الحِكَمِ وأزَلْنا عَنْهُ ضِيقَ الجَهْلِ، أوْ بِما يَسَّرْنا لَكَ تَلَقِّيَ الوَحْيِ بَعْدَ ما كانَ يَشُقُّ عَلَيْكَ، وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى رَسُولَ اللَّهِ في صِباهُ أوْ يَوْمَ المِيثاقِ، فاسْتَخْرَجَ قَلْبَهُ فَغَسَلَهُ ثُمَّ مَلَأهُ إيمانًا وعِلْمًا».» وَلَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى نَحْوِ ما سَبَقَ ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ إنْكارُ نَفْيِ الِانْشِراحِ مُبالَغَةً في إثْباتِهِ ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ.
﴿ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ عِبْأكَ الثَّقِيلَ.
﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى النَّقِيضِ وهو صَوْتُ الرَّحْلِ عِنْدَ الِانْتِقاضِ مِن ثِقَلِ الحَمْلِ وهو ما ثَقُلَ عَلَيْهِ مِن فُرُطاتِهِ قَبْلَ البَعْثَةِ، أوْ جَهْلِهِ بِالحُكْمِ والأحْكامِ أوْ حَيْرَتِهِ، أوْ تَلَقِّي الوَحْيِ أوْ ما كانَ يُرى مِن ضَلالِ قَوْمِهِ مِنَ العَجْزِ عَنْ إرْشادِهِمْ، أوْ مِن إصْرارِهِمْ وتَعَدِّيهِمْ في إيذائِهِ حِينَ دَعاهم إلى الإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
{الذى أَنقَضَ ظَهْرَكَ} أثقله حتى سمع نقيضه وهو صوت الانتقاض
﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ أيْ: حَمَلَهُ عَلى النَّقِيضِ وهو صَوْتُ الِانْتِقاضِ والِانْفِكاكِ أعْنِي الصَّرِيرَ ولا يَخْتَصُّ بِصَوْتِ المَحامِلِ والرِّجالِ، بَلْ يُضافُ إلى المَفاصِلِ فَيُقالُ: نَقِيضُ المَفاصِلِ ويُرادُ صَوْتُها فَنَقِيضُ الظَّهْرِ ما يُسْمَعُ مِن مَفاصِلِهِ مِنَ الصَّوْتِ لِثِقَلِ الحِمْلِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسَ: وأنْقُضُ ظَهْرِي ما تَطَوَّيْتُ مِنهُمُ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنا وإسْنادُ الإنْقاضِ لِلْحِمْلِ إسْنادٌ لِلسَّبَبِ الحامِلِ مَجازًا، والمُرادُ بِالحِمْلِ المُنْقِضِ هُنا ما صَدَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ البَعْثَةِ مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَذَكُّرُهُ لِكَوْنِهِ في نَظَرِهِ العالِي دُونَ ما هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدُ، أوْ غَفْلَتُهُ عَنِ الشَّرائِعِ ونَحْوِها مِمّا لا يُدْرَكُ إلّا بِالوَحْيِ مَعَ تَطَلُّبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ أوْ حَيْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَعْضِ الأُمُورِ كَأداءِ حَقِّ الرِّسالَةِ أوِ الوَحْيِ وتَلَقِّيهِ؛ فَقَدْ كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ابْتِداءِ أمْرِهِ جِدًّا، أوْ ما كانَ يَرى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ضَلالِ قَوْمِهِ مَعَ العَجْزِ عَنْ إرْشادِهِمْ لِعَدَمِ طاعَتِهِمْ لَهُ وإذْعانِهِمْ لِلْحَقِّ، أوْ ما كانَ يَرى مِن تَعَدِّيهِمْ في إيذائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ هَمِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن وفاةِ أبِي طالِبٍ وخَدِيجَةَ بِناءً عَلى نُزُولِ السُّورَةِ بَعْدَ وفاتِهِما، ويُرادُ بِوَضْعِهِ عَلى الأوَّلِ مَغْفِرَتُهُ، وعَلى الثّانِي إزالَتُهُ غَفْلَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ بِتَعْلِيمِهِ إيّاهُ بِالوَحْيِ ونَحْوِهِ، وعَلى الثّالِثِ إزالَةُ ما يُؤَدِّي لِلْحَيْرَةِ، وعَلى الرّابِعِ تَيْسِيرُهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَدَرُّبِهِ واعْتِيادِهِ لَهُ، وعَلى الخامِسِ تَوْفِيقُ بَعْضِهِمْ لِلْإسْلامِ كَحَمْزَةَ وعُمَرَ وغَيْرِهِما، وعَلى السّادِسِ تَقْوِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى التَّحَمُّلِ، وعَلى السّابِعِ إزالَةُ ذَلِكَ بِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ حَتّى لَقِيَهُ كُلُّ مَلَكٍ وحَيّاهُ، وفَوْزُهُ بِمُشاهَدَةِ مَحْبُوبِهِ الأعْظَمِ ومَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، والوَضْعُ تَرْشِيحٌ لَها ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لَنا في العِصْمَةِ كَما لا يَخْفى.
واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ وضْعِ الوِزْرِ كِنايَةً عَنْ عِصْمَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الذُّنُوبِ وتَطْهِيرِهِ مِنَ الأدْناسِ.
عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَضْعِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في انْتِفاءِ ذَلِكَ كَما يَقُولُ القائِلُ: رَفَعْتُ عَنْكَ مَشَقَّةَ الزِّيارَةِ.
لِمَن لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ زِيارَةٌ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ في انْتِفاءِ الزِّيارَةِ مِنهُ لَهُ، والتَّمْثِيلُ عَلَيْهِ بِحالِهِ عَلى ما قِيلَ.
وقِيلَ: المُرادُ وِزْرُ أُمَّتِكَ وإنَّما أُضِيفَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِاهْتِمامِهِ بِشَأْنِهِ وتَفَكُّرِهِ في أمْرِهِ، والمُرادُ بِوَضْعِهِ رَفْعُ غائِلَتِهِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العاجِلِ ما دامَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ وما دامُوا يَسْتَغْفِرُونَ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا الوَجْهِ.
وقَرَأ أنَسٌ: «وحَطَطْنا» و: «حَلَلْنا» مَكانَ: ( وضَعْنا ) .
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «وحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ».
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ قال المفسرون: أثقل ظهرك.
وهو قول ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال علماء اللغة: الأصل فيه أن الظهر إذا أثقله الحِمل سُمع له نقيض أي: صوت خفيٌّ، كما ينقض الرجل بحماره إذا ساقه، فأخبر الله (أنه غفر لنبيه - -أوزاره التي كانت تراكمت على ظهره حتى أثقلته، وإنها لو كانت أحمالًا حملت على ظهره لسُمع لها نقيض (٦) قال أبو إسحاق: ﴿ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ هو: أثقله حتى سمع له نقيض، أي صوت (٧) وهذا مثل، يعني أنه ممثل مما يثقل حتى يسمع نقيض الظهر.
ويقال أيضًا: أُنقض الظهر أي صَار إلى هذه الحالة، قال الشاعر: وحُزن تُنْقِضُ الأضلاع منه .....
مُقيم في الجَوانح لن يزولا (٨) ويقال (٩) (١٠) يقال (١١) أنقاضُ الفَراريجِ (١٢) قال قتادة في هذه الآية: كانت للنبي - - ذنوب قد أثقلته فغفرها (١٣) (١٤) هذا الذي ذكرنا في الآيتين على قول من يقول: كانت له ذنوب سلفت منه في الجاهلية قبل النبوة (١٥) وذهب قوم إلى أن المراد بهذا: الصغائر، والخطأ، والسهو، وإنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام (١٦) - بوقوعه منه، وتحسره مع ندمه عليه (١٧) وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، وحفظ موجباتها، والمحافظة على حقوقها، سهل الله ذلك عليه، (وحط عليه) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (١) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢) "تفسير مجاهد" ص 736.
(٣) ورد معنى قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 380، "جامع البيان" 30/ 234.
(٤) "تفسير مقاتل" 244 أ.
(٥) ساقط من: (أ).
(٦) نقله عن "تهذيب اللغة" 8/ 344: (نقض) بتصرف يسير.
وانظر: (نقض) في "لسان العرب" 7/ 244، و"تاج العروس" 5/ 94.
(٧) لم أجد قوله في المعاني، وقد ورد في: "الوسيط" 4/ 516.
(٨) ورد البيت غير منسوب في "تهذيب اللغة" 8/ 345 (نقض)، و"لسان العرب" 7/ 244 (نقض)، و"تاج العروس" 5/ 94 (نقض).
(٩) وهذا القول قاله الليث كما في "تهذيب اللغة" 8/ 345 (نقض)، وقد نقله عنه، وانظر أيضًا "لسان العرب"، و"تاج العروس"، مرجعان سابقان.
(١٠) المحجمة: ما يحجم به، وهي القارورة.
"لسان العرب" 2/ 117 (حجم).
(١١) قال به أبو زيد وقد نقله عن "تهذيب اللغة".
مرجع السابق.
(١٢) البيت كاملاً: كَأَنَّ أصْوتَ مِن إيغا لِهِنَّ بِنا ....
أوخِر الْمَيْس أنقاض الفَراريجِ وقد ورد في "ديوانه" 2/ 996 وانظر مراجع اللغة السابقة.
معناه: الإيغال: المضي والإبعاد، الميس: الرَّحل.
والمعنى: يريد أن رحالهم جديدة، وقد طال سيرهم، فبعض الرحل يحك بعضًا، فيحصل مثل أصوات الفراريج من اضطراب الرحال، ولشدة السير.
"ديوانه" 3/ 996.
(١٣) في (أ): (يغفرها).
(١٤) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 380، "جامع البيان" 30/ 234، "النكت والعيون" 6/ 297، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 105.
(١٥) سبق القول في مثل هذه المسألة عند تفسير قوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ .
(١٦) في (أ): (اهتمام).
(١٧) ومن القائلين بذلك الحسين بن الفضل، انظر قوله في "الكشف والبيان" 13/ 113 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 106 وهذا القول ضمن القائلين بعصمة الأنبياء بعد البعثة من الكفر والكبائر، وفي كل ما يتعلق بالتبليغ، أما صغائر الذنوب، والسهو، والنسيان، فتصدر منهم كما دل على ذلك ظاهر القرآن، والسنة؛ غير أنهم لا يُقُّرون على الخطأ، وإذا وقع منهم ذنوب فإنهم يتوبون، ويكونون أحسن حالاً بعد التوبة، وهذا هو قول جمهور أهل السنة والجماعة.
"منهاج السنة" لابن تيمية 1/ 470 - 472، "مجموع الفتاوى" 10/ 309 - 313.
وانظر: "منهج السفاريني في أصول الدين" 2/ 364.
وقال ابن تيمية: (فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر، هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى أنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الأمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير، والحديث والفقهاء؛ بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول).
"مجموع الفتاوى" 4/ 319، وانظر "منهج السفاريني" 2/ 364.
(١٨) ساقط من: (أ).
(١٩) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٢) وممن قال بذلك أيضًا: عبد العزيز بن يحيى، وأبو عبيدة، ومحمد بن المكرم، انظر: "الكشف والبيان" 13/ 113 ب، "معالم التنزيل" 4/ 502، "لسان العرب" 7/ 244 (نقض).
<div class="verse-tafsir"
الذي أتعبك حتَّى كاد أن يكسر ظهرك.
<div class="verse-tafsir" id="91.PVmJo"