تفسير الآية ٦ من سورة الشرح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 94 الشرح > الآية ٦ من سورة الشرح

إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًۭا ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 47 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٦ من سورة الشرح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها.

تفسير الآية ٦ من سورة الشرح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر ، ثم أكد هذا الخبر .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا حميد بن حماد بن خوار أبو الجهم ، حدثنا عائذ بن شريح قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله جحر ، فقال : " لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه " ، فأنزل الله عز وجل : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) .

ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن معمر ، عن حميد بن حماد به ، ولفظه : " لو جاء العسر حتى يدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يخرجه " ثم قال : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) ثم قال البزار : لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح .

قلت : وقد قال فيه أبو حاتم الرازي : في حديثه ضعف ، ولكن رواه شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن رجل ، عن عبد الله بن مسعود موقوفا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا أبو قطن ، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال : كانوا يقولون : لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فرحا وهو يضحك ، وهو يقول : " لن يغلب عسر يسرين ، لن يغلب عسر يسرين ، فإن مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا " .

وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد ، عن الحسن مرسلا .

وقال سعيد ، عن قتادة : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية فقال : " لن يغلب عسر يسرين " .

ومعنى هذا : أن العسر معرف في الحالين ، فهو مفرد ، واليسر منكر فتعدد ; ولهذا قال : " لن يغلب عسر يسرين " ، يعني قوله : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد .

وقال الحسن بن سفيان : حدثنا يزيد بن صالح ، حدثنا خارجة ، عن عباد بن كثير ، عن أبي الزناد ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نزل المعونة من السماء على قدر المؤونة ، ونزل الصبر على قدر المصيبة " .

ومما يروى عن الشافعي رضي الله عنه ، أنه قال : صبرا جميلا ما أقرب الفرجا من راقب الله في الأمور نجا من صدق الله لم ينله أذى ومن رجاه يكون حيث رجا وقال ابن دريد : أنشدني أبو حاتم السجستاني : إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به الصدر الرحيب وأوطأت المكاره واطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج القريب وقال آخر : ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها.

ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية لما نـزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ".

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نـزلت هذه الآية ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ".

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ".

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ".

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) قال: يتبع اليسرُ العُسَر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن مع العسر يسرا[ ص: 95 ] أي إن مع الضيقة والشدة يسرا ، أي سعة وغنى .

ثم كرر فقال : إن مع العسر يسرا ، فقال قوم : هذا التكرير تأكيد للكلام كما يقال : ارم ارم ، اعجل اعجل قال الله تعالى : كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون .

ونظيره في تكرار الجواب : بلى بلى ، لا لا .

وذلك للإطناب والمبالغة قاله الفراء .

ومنه قول الشاعر [ الخنساء ] :هممت بنفسي بعض الهموم فأولى لنفسي أولى لهاوقال قوم : إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه ، فهو هو .

وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره .

وهما اثنان ، ليكون أقوى للأمل ، وأبعث على الصبر قاله ثعلب .

وقال ابن عباس : يقول الله تعالى خلقت عسرا واحدا ، وخلقت يسرين ، ولن يغلب عسر يسرين .

وجاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه السورة : أنه قال : " لن يغلب عسر يسرين " .وقال ابن مسعود : والذي نفسي بيده ، لو كان العسر في حجر ، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ولن يغلب عسر يسرين .

وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم ، وما يتخوف منهم فكتب إليه عمر - رضي الله عنه - : أما بعد ، فإنهم مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة ، يجعل الله بعده فرجا ، وإنه لن يغلب عسر يسرين ، وإن الله تعالى يقول في كتابه : يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون .

وقال قوم منهم الجرجاني : هذا قول مدخول ; لأنه يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل : إن مع الفارس سيفا ، إن مع الفارس سيفا ، أن يكون الفارس واحدا ، والسيف اثنين .

والصحيح أن يقال : إن الله بعث نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - مقلا مخفا ، فعيره المشركون بفقره ، حتى قالوا له : نجمع لك مالا فاغتم وظن أنهم كذبوه لفقره فعزاه الله ، وعدد نعمه عليه ، ووعده الغنى بقوله : فإن مع العسر يسرا أي لا يحزنك ما عيروك به من الفقر فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلا أي في الدنيا .

فأنجز له ما وعده فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن ، ووسع ذات يده ، حتى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل ، ويهب الهبات السنية ، ويعد لأهله قوت سنة .

فهذا الفضل كله من أمر الدنيا وإن كان خاصا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى .

ثم ابتدأ فضلا آخرا من الآخرة وفيه تأسية وتعزية له - صلى الله عليه وسلم - فقال مبتدئا : إن مع العسر يسرا فهو شيء آخر .

والدليل على ابتدائه ، تعريه من فاء أو واو أو غيرها من حروف النسق التي تدل على العطف .

فهذا وعد عام لجميع المؤمنين ، لا يخرج أحد منه أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة .

وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة .والذي [ ص: 96 ] في الخبر : " لن يغلب عسر يسرين " يعني العسر الواحد لن يغلبهما ، وإنما يغلب أحدهما إن غلب ، وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة ، ولن يغلبه شيء .

أو يقال : إن مع العسر وهو إخراج أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة يسرا ، وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل ، مع عز وشرف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر، فأخرجه كما قال تعالى: { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا \" .وتعريف \" العسر \" في الآيتين، يدل على أنه واحد، وتنكير \" اليسر \" يدل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين.وفي تعريفه بالألف واللام، الدالة على الاستغراق والعموم يدل على أن كل عسر -وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ- فإنه في آخره التيسير ملازم له

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"إن مع العسر يسراً" أي مع الشدة التي أنت فيها من جهاد المشركين يسراً ورخاءً بأن يظهرك عليه حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به، " إن مع العسر يسرا " كرره لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء .

وقال الحسن لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أبشروا ، قد جاءكم اليسر ، لن يغلب عسر يسرين " .

قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل ، إنه لن يغلب عسر يسرين .

قال المفسرون : ومعنى قوله : " لن يغلب عسر يسرين " أن الله تعالى كرر العسر بلفظ المعرفة واليسر بلفظ النكرة ، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسما معرفا ، ثم أعادته كان الثاني هو الأول ، وإذا ذكرت نكرة ثم أعادته مثله صار اثنين ، وإذا أعادته معرفة فالثاني هو الأول ، كقولك : إذا كسبت ، درهما أنفقت درهما ، فالثاني غير الأول ، وإذا قلت : إذا كسبت درهما فأنفق الدرهم ، فالثاني هو الأول ، فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف ، فكان عسرا واحدا ، واليسر مكرر بلفظ [ التنكير ] ، فكانا يسرين ، فكأنه قال : فإن مع العسر يسرا ، إن مع ذلك العسر يسرا آخر .

وقال أبو علي [ الحسن ] بن يحيى بن نصر الجرجاني صاحب " النظم " تكلم الناس في قوله : " لن يغلب عسر يسرين " ، فلم يحصل منه غير قولهم : إن العسر معرفة واليسر نكرة ، فوجب أن يكون عسر واحد ويسران ، وهذا قول مدخول ، إذا قال الرجل : إن مع الفارس سيفا [ إن مع الفارس سيفا ] ، فهذا لا يوجب أن يكون الفارس واحدا والسيف اثنين ، فمجاز قوله : " لن يغلب عسر يسرين " أن الله بعث نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو مقل مخف ، فكانت قريش تعيره بذلك ، حتى قالوا : إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة ، فاغتم النبي لذلك ، فظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره ، فعدد الله نعمه عليه في هذه السورة ، ووعده الغنى ، ليسليه بذلك عما خامره من الغم ، فقال : " فإن مع العسر يسرا " ، مجازه : لا يحزنك ما يقولون فإن مع العسر يسرا في الدنيا عاجلا ثم أنجزه ما وعده ، وفتح عليه القرى العربية ووسع عليه ذات يده ، حتى كان يعطي المئين من الإبل ، ويهب الهبات السنية ، ثم ابتدأ فضلا آخر من أمر الآخرة ، فقال : إن مع العسر يسرا ، والدليل على ابتدائه : تعريه من الفاء والواو ، وهذا وعد لجميع المؤمنين ، ومجازه : إن مع العسر يسرا ، أي : إن مع العسر في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة ، فربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا وهو ما ذكره في الآية الأولى ويسر الآخرة وهو ما ذكره في الآية الثانية ، فقوله - عليه السلام - : " لن يغلب عسر يسرين " أي : لن يغلب عسر ، الدنيا اليسر الذي وعده للمؤمنين في الدنيا واليسر الذي وعدهم في الآخرة ، وإنما يغلب أحدهما ، هو يسر الدنيا ، وأما يسر الآخرة فدائم غير زائل ، أي لا يجمعهما في الغلبة ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : " شهرا عيد لا ينقصان " أي لا يجتمعان في النقصان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن مع العسر يسراً» والنبي صلى الله عليه وسلم قاسى من الكفار شدة ثم حصل له اليسر بنصره عليهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلا يثنك أذى أعدائك عن نشر الرسالة؛ فإن مع الضيق فرجًا، إن مع الضيق فرجًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فإن قلت " إن مع " للصحبة ، فما معى اصطحاب اليسر للعسر؟

قلت : أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذى كانوا فيه بزمان قريب ، فقرب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر ، زيادة فى التسلية ، وتقوية القلوب .فإن قلت : فما المراد باليسرين؟

قلت : يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح فى أيام النبى صلى الله عليه وسلم ، وما تيسر لهم فى أيام الخلفاء .

.

وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة .فإن قلت : فما معنى هذا التنكير؟

قلت التفخيم ، كأنه قال : إن مع العسر يسرا عظيما وأى يسر .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن المشركين كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، ويقولون: إن كان غرضك من هذا الذي تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالاً حتى تكون كأيسر أهل مكة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سبق إلى وهمه أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيرًا عندهم، فعدد الله تعالى عليه مننه في هذه السورة، وقال: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ  ﴾ أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل عن قلبه ما حصل فيه من التأذي بسبب أنهم عيروه بالفقر، والدليل عليه دخول الفاء في قوله: ﴿ فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ﴾ كأنه تعالى قال لا يحزنك ما يقول وما أنت فيه من القلة، فإنه يحصل في الدنيا يسر كامل.

المسألة الثانية: قال ابن عباس: يقول الله تعالى: خلقت عسراً واحداً بين يسرين، فلن يغلب عسر يسرين، وروى مقاتل عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لن يغلب عسر يسرين» وقرأ هذه الآية، وفي تقرير هذا المعنى وجهان الأول: قال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام، وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئاً واحداً.

وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير، فكان أحدهما غير الآخر، وزيف الجرجاني هذا وقال: إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفاً، إن مع الفارس سيفاً، يلزم أن يكون هناك فارس واحد ومعه سيفان، ومعلوم أن ذلك غير لازم من وضع العربية الوجه الثاني: أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى، كما كرر قوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ  ﴾ ويكون الغرض تقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب، كما يكرر المفرد في قولك: جاءني زيد زيد، والمراد من اليسرين: يسر الدنيا وهو ما تيسر من استفتاح البلاد، ويسر الآخرة وهو ثواب الجنة، لقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين  ﴾ وهما حسن الظفر وحسن الثواب، فالمراد من قوله: لن يغلب عسر يسرين هذا، وذلك لأن عمر الدنيا بالنسبة إلى يسر الدنيا، ويسر الآخرة كالمغمور القليل، وهاهنا سؤالان.

الأول: ما معنى التنكير في اليسر؟

جوابه: التفخيم، كأنه قيل: إن مع اليسر يسراً، إن مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر.

السؤال الثاني: اليسر لا يكون مع العسر، لأنهما ضدان فلا يجتمعان الجواب: لما كان وقوع اليسر بعد العسر بزمان قليل، كان مقطوعاً به فجعل كالمقارن له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: كيف تعلق قوله: ﴿ فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ﴾ بما قبله؟

قلت: كان المشركون يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفقر والضيقة، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال: ﴿ فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً (5) ﴾ كأنه قال: خوّلناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسراً.

فإن قلت: ﴿ إِنَّ مَعَ ﴾ للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟

قلت: أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرّب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر، زيادة في التسلية وتقوية القلوب.

فإن قلت: ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعاً: أنه خرج صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول: «لن يغلب عسر يسرين» قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوّه الرجاء، وأن موعد الله لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ وأبلغه، والقول في أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ﴾ [الطور: 11] لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب، وكما تكرر المفرد في قولك: جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدّة بأنّ العسر مردوف بيسر لا محالة، والثانية عدة مستأنفة بأنّ العسر متبوع بيسر، فهما يسران على تقدير الاستئناف، وإنما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو؛ لأنّ حكمه حكم زيد في قولك: إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً.

وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه لك كل أحد فهو هو أيضاً.

وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرّر فقد تناول بعضاً غير البعض الأوّل بغير إشكال.

فإن قلت: فما المراد باليسرين؟

قلت: يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء، وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة، كقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين ﴾ [التوبة: 52] وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب.

فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟

قلت: التفخيم، كأنه قيل: إن مع العسر يسراً عظيماً وأيّ يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة.

فإن قلت: فإذا ثبت في قراءته غير مكرر، فلم قال: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟

قلت: كأنه قصد باليسرين: ما في قوله: ﴿ يُسْراً ﴾ من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدارين، وذلك يسران في الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها، وأيُّ رَفْعٍ مِثْلَ أنْ قَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ تَعالى في كَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ وجَعَلَ طاعَتَهُ طاعَتَهُ، وصَلّى عَلَيْهِ في مَلائِكَتِهِ وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ وخاطَبَهُ بِالألْقابِ، وإنَّما زادَ لَكَ لِيَكُونَ إبْهامًا قَبْلَ إيضاحٍ فَيُفِيدَ المُبالَغَةَ.

﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ ﴾ كَضِيقِ الصَّدْرِ والوِزْرِ المُنْقِضِ لِلظَّهْرِ وضَلالِ القَوْمِ وإيذائِهِمْ.

﴿ يُسْرًا ﴾ كالشَّرْحِ والوَضْعِ والتَّوْفِيقِ لِلِاهْتِداءِ والطّاعَةِ فَلا تَيْأسْ مِن رُوحِ اللَّهِ إذا عَراكَ ما يَغُمُّكَ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ والمَعْنى بِما في «إنَّ مَعَ» مِنَ المُصاحَبَةِ المُبالَغَةُ في مُعاقَبَةِ اليُسْرِ لِلْعُسْرِ، واتِّصالُهُ بِهِ اتِّصالَ المُتَقارِبَيْنِ.

﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ أوِ اسْتِئْنافُ وعْدِهِ بِأنَّ العُسْرِ مَتْبُوعٌ بِيُسْرٍ آخَرَ كَثَوابِ الآخِرَةِ كَقَوْلِكَ: إنَّ لِلصّائِمِ فَرْحَةً، إنَّ لِلصّائِمِ فَرْحَةً أيْ فَرْحَةً عِنْدَ الإفْطارِ وفَرْحَةً عِنْدَ لِقاءِ الرَّبِّ.

وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» فَإنَّ العُسْرَ مُعَرَّفٌ فَلا يَتَعَدَّدُ سَواءٌ كانَ لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ، واليُسْرُ مُنَكَّرٌ فَيَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالثّانِي فَرْدٌ يُغايِرُ ما أُرِيدَ بِالأوَّلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)

{فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً} أي إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاسات بلاء المشركين يسراً بإظهاري إياك عليهم حتى تغلبهم وقيل كان المشركون يعيرون رسول الله والمؤمنين بالفقر حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً كأنه قال خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا وجئ بلفظ مع لغاية مقاربة اليسر العسر زيادة في التسلية ولتقوية القلوب وإنما قال عليه السلام عند نزولها لن يغلب عسر يسرين لأن العسر أعيد معرفاً فكان واحداً لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى واليسر أعيد نكرة والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى فصار المعنى إن مع العسر يسرين قال أبو معاذ يقال إن مع الأمير غلاماً إن مع الأمير غلاماً فالأمير واحد ومعه غلامان وإذا قال إن مع أمير غلاماً وإن مع الأمير الغلام فالأمير واحد والغلام واحد وإذا قيل أن مع غلاماً وإن مع أمير غلاماً فهما أميران وغلامان كذا في شرح التأويلات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِتَقْرِيرِ مَعْناها في النُّفُوسِ وتَمْكِينِها في القُلُوبِ كَما هو شَأْنُ التَّكْرِيرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وعْدًا مُسْتَأْنَفًا وألْ والتَّنْوِينُ عَلى ما سَبَقَ بَيْدَ أنَّ المُرادَ بِاليُسْرِ هُنا ما تَيَسَّرَ لَهم في أيّامِ الخُلَفاءِ أوْ يُسْرُ الآخِرَةِ، واحْتِمالُ الِاسْتِئْنافِ هو الرّاجِحُ لِما عُلِمَ مِن فَضْلِ التَّأْسِيسِ عَلى التَّأْكِيدِ كَيْفَ وكَلامُ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى أبْلَغِ الِاحْتِمالَيْنِ وأوْفاهُما، والمَقامُ كَما تَقَدَّمَ مَقامُ التَّسْلِيَةِ والتَّنْفِيسِ والِاسْتِئْنافُ نَحْوِيٌّ، وتَجَرُّدُهُ عَنِ الواوِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، ولا يُحْتاجَ إلى بَيانِ نُكْتَةٍ لِأنَّهُ الأصْلُ، وقالَ عِصامُ الدِّينِ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ نُكْتَةُ الفَصْلِ كَوْنَهُ في صُورَةِ التَّكْرِيرِ فاحْفَظْهُ، فَإنَّهُ مِنَ البَدائِعِ وتُعُقِّبَ بِنَحْوِ ما ذَكَرْنا وكانَ الظّاهِرُ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ المُرادِ بِاليُسْرِ تَعْرِيفُهُ إلّا أنَّهُ أُوثِرَ التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ.

وقَدْ يُقالُ: إنَّ فائِدَتَهُ الظُّهُورُ في التَّأْسِيسِ لِأنَّ النَّكِرَةَ المُعادَةَ ظاهِرُها التَّغايُرُ والإشْعارُ بِالفَرْقِ بَيْنَ العُسْرِ واليُسْرِ، ويَظْهَرُ مِمّا ذُكِرَ وجْهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَرِحًا مَسْرُورًا وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا»».

وأفادَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ الكَلامَ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ وعِدَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَيْسِيرِ كُلِّ عَسِيرٍ.

فالفاءُ قِيلَ: سَبَبِيَّةٌ، ودَخَلَتْ عَلى السَّبَبِ وإنْ تَعارَفَ دُخُولُها عَلى المُسَبَّبِ لِتُسَبِّبِ ذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ فَإنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما يَسْتَدْعِي ذِكْرَ الآخَرِ، وألْ في العُسْرِ لِلِاسْتِغْراقِ فَيَدْخُلُ فِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ.

والتَّنْوِينُ في ( يُسْرًا ) عَلى ما سَبَقَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا لَكَ كَذا وكَذا؛ لِأنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ كَضِيقِ الصَّدْرِ والوِزْرِ المُنْقِضِ لِلظَّهْرِ والخُمُولِ يُسْرًا عَظِيمًا كالشَّرْحِ والوَضْعِ ورَفْعِ الذِّكْرِ فَلا تَيْأسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى إذا عَراكَ ما يَغُمُّكَ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ وهو مِن قَبِيلِ تَفْرِيعِ الحُكْمِ عَلى الدَّلِيلِ في صُورَةِ الِاسْتِدْلالِ بِالجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ؛ وذَلِكَ كَما تَقُولُ: أما تَرى إلى الإنْسانِ والفَرَسَ والغَنَمَ كُلَّها تُحَرِّكُ الفَكَّ الأسْفَلَ عِنْدَ المَضْغِ، فاعْلَمْ بِذَلِكَ أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَفْعَلُ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.

وفِي الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ الِاحْتِمالانِ السّابِقانِ والِاسْتِئْنافُ أيْضًا هو الرّاجِحُ لِما تَقَدَّمَ.

وعَلى اتِّحادِ العُسْرِ وتَعَدُّدِ اليُسْرِ يَكُونُ الحاصِلُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِذَيْنِكَ اليُسْرَيْنِ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ ويُسْرٌ أُخْرَوِيٌّ.

وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى وتَأْكِيدٌ لَها، فاليُسْرُ فِيها عَيْنُ اليُسْرِ في الأُولى كَما أنَّ العُسْرَ كَذَلِكَ، والكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: إنَّ مَعَ الفارِسِ رُمْحًا، إنَّ مَعَ الفارِسِ رُمْحًا.

وهو ظاهِرٌ في وحْدَةِ الفارِسِ والرُّمْحِ.

««ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»».

لَيْسَ نَصًّا في الحَمْلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ إذْ يَصِحُّ عَلى التَّأْكِيدِ أيْضًا بِأنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ التَّنْوِينِ في ( يُسْرًا ) لِلتَّفْخِيمِ فَحُمِلَ لِقُوَّةِ الرَّجاءِ عَلى يُسْرِ الدّارَيْنِ وذَلِكَ يُسْرانِ في الحَقِيقَةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مَعَ أنَّهُ جاءَ عَنْهُ أيْضًا: ««لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»» وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ الخَبَرُ عَلى أنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُسْرِ ذِكْرَ اليُسْرِ مَرَّتَيْنِ وتَكْرِيرَهُ في مَقامِ الوَعْدِ وهو كَما تَرى.

والمَشْهُورُ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ أنَّهُ شِبْهُ التَّقارُبِ بِالتَّقارُنِ فاسْتُعِيرَ لَفْظُ «مَعَ» لِمَعْنى بَعْدَ؛ وذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في مُعاقَبَةِ اليُسْرِ العُسْرَ واتِّصالِهِ بِهِ.

واسْتُشْكِلَ أمْرُ الِاسْتِغْراقِ بِأنَّ مِنَ العُسْرِ ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ كالفَقْرِ والمَرَضِ الدّائِمَيْنِ إلى المَوْتِ ولا أراكَ تَرْضى القَوْلَ بِأنَّ المَوْتَ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ وإنَّ مِنَ العُسْرِ ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ أُخْرَوِيٌّ أيْضًا كَعُسْرِ الكافِرِ، والجَوابُ بِأنَّ الحُكْمَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّسْلِيَةِ والتَّنْفِيسِ ويُشْعِرُ بِهِ ما رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كَتَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وما يَتَخَوَّفُ مِنهم فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّهُ مَهْما يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ شِدَّةٌ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهُ فَرَجًا، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ.

لا يَحْسِمُ الإشْكالَ؛ إذْ يَبْقى مَعَهُ أنَّ مِن عُسْرِ المُؤْمِنِ ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ دُنْيَوِيٌّ كَما هو ظاهِرٌ، بَلْ مِنهُ ما لا يَعْقُبُهُ يُسْرٌ أُخْرَوِيٌّ أيْضًا؛ وذَلِكَ كَعُسْرِ المُؤْمِنِ الجازِعِ فَإنَّهُ لا يُثابُ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ.

والظّاهِرُ مِنَ اليُسْرِ الأُخْرَوِيِّ هو الثَّوابُ فِيها عَلى ذَلِكَ العُسْرِ، وإرادَةُ المُؤْمِنِ الصّابِرِ يَبْقى مَعَها أنَّ مِن عُسْرِهِ أيْضًا ما لا يَعْقُبُهُ اليُسْرُ الدُّنْيَوِيُّ، وأجابَ بَعْضٌ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِأنَّ الِاسْتِغْراقَ عُرْفِيٌّ، ويَكْفِي فِيهِ أنَّ العُسْرَ في الغالِبِ يَعْقُبُهُ يُسْرٌ.

وعَلى وجْهِ التَّأْسِيسِ بِهَذا مَعَ كَوْنِ الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ الصّابِرِ وآخَرَ بِأنَّ الحُكْمَ مَشْرُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى وإنْ لَمْ تُذْكَرْ.

قِيلَ: ويُشْعِرُ بِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَشَّرَ بِهَذِهِ الآيَةِ أصْحابَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى يُسْرَيْنِ»».

ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأفاضِلِ أنَّهُ يَجُوزُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ (مَعَ) عَلى ظاهِرِها والتَّنْوِينُ في ( يُسْرًا ) لِلنَّوْعِيَّةِ ولا إشْكالَ في الِاسْتِغْراقِ؛ إذْ لا يَخْلُو المَرْءُ في حالِ العُسْرِ عَنْ نَوْعٍ مِنَ اليُسْرِ، وأقَلُّهُ دَفْعُ ما هو أعْظَمُ مِمّا أصابَهُ عَنْهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْضًا ويَكُونُ اليُسْرُ العَظِيمُ المُقارِنُ لِلْعُسْرِ هو دَفْعُ ذَلِكَ الأعْظَمِ وما مِن عُسْرٍ إلّا وعِنْدَ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِنهُ وأعْظَمُ، وأنَّهُ لا يَأْبى ذَلِكَ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، إمّا لِأنَّ المَعْنى لَنْ يَغْلِبَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُسْرِ ذِكْرَ اليُسْرِ مَرَّتَيْنِ في مَقامِ التَّسْلِيَةِ، أوْ لِأنَّ الآيَةَ أفادَتْ أنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا وقَدْ عُلِمَ أنَّ بَعْدَهُ آخَرُ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ الغالِبَةُ أوْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ إنْ كانَ نُزُولُهُ مُتَقَدِّمًا.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَعِيَّةَ عَلى حَقِيقَتِها عِنْدَ الخاصَّةِ عَلى مَعْنى أنَّ كُلَّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الشَّيْخِ عُمَرَ بْنِ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ: وتَعْذِيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم عَلَيَّ بِما يَقْضِي الهَوى لَكم عَدْلُ وقَوْلُ الآخَرِ: بر جانم از تو هر جه رسد جاي منت است ∗∗∗ ر ناوك جفاست و ر خنجر ستم وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ عُسْرًا لِأنَّهُ في نَفْسِهِ وعِنْدَ العامَّةِ كَذَلِكَ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أصابَهُ مِنَ المُحِبِّينَ المُسْتَعْذِبِينَ لَهُ، والكُلُّ كَما تَرى، ثُمَّ إنَّهُ يُبْعِدُ إرادَةَ المَعِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ ما أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا وحِيالَهُ جُحْرٌ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَوْ جاءَ العُسْرُ فَدَخَلَ هَذا الجُحْرَ لَجاءَ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ».

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ إلَخْ».

ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ: وتَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ .

وإرادَةُ العَهْدِ أسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ، وكَأنَّ مَنِ اخْتارَهُ اخْتارَهُ لِذَلِكَ مَعَ الِاسْتِئْناسِ لَهُ بِسَبَبِ النُّزُولِ، لَكِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ ومَقاماتُها الخَطابِيَّةُ الِاسْتِغْراقُ.

فَإذا قِيلَ بِهِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِ مَن أصابَهُ العُسْرُ واثِقًا بِاللَّهِ تَعالى حَسَنَ الرَّجاءِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ مُنْقَطِعًا إلَيْهِ سُبْحانَهُ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القُيُودِ فَتَدَبَّرْ.

واللَّهُ تَعالى المُيَسِّرُ لِكُلِّ ما يَتَعَسَّرُ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وأبُو جَعْفَرٍ وعِيسى: «العُسُرِ» و«يُسُرًا» في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ السِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثمان آيات مكيّة قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ هو معطوف على قوله أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى [الضحى: 6] وذلك أن النبيّ  ، قال: «سَألْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً، وَوَدَدْتُ أَنِّي لَمْ أَسْألْهَا قَطُّ، فَقُلْتُ: اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً.

فَقَالَ الله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى قُلْتُ: بَلَى قال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (7) [الضحى: 7] قُلْتُ: بَلَى قال: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (8) [الضحى: 8] قُلْتُ: بَلَى.

قال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» الآية.

وروي عن بعض المتقدمين أنه قال: سورة التوبة والأنفال، بمنزلة سورة واحدة، وسورة ألم نشرح لك والضحى بمنزلة سورة واحدة، وسورة لإيلاف قريش وألم تر كيف فعل ربك، بمنزلة سورة واحدة.

قال أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ يعني: ألم نوسع قلبك بالتوحيد والإيمان، وهذا قول مقاتل.

وقال الكلبي: أتاه جبريل فشرح صدره، حتى أبدى قلبه، ثم جاء بدلو من ماء زمزم، فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطشت من ذهب قد ملئ علماً وإيماناً، فوضعه فيه.

ويقال الانشراح للعلم، حتى علم أنه رسول الله  ، وكان مؤمناً من وقت الميثاق، فشق صدره على جهة المثل، فيعبر به عنه.

ويقال أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ يعني: ألم نلين قلبك بقبول الوحي، وحب الخيرات.

ويقال: معناه، ألم نطهر لك قلبك، حتى لا يؤذيك الوسواس، كسائر الناس.

ويقال: معناه أَلَمْ نَشْرَحْ يعني: نوسع لك قلبك بالعلم، كقوله وعلمك مما لم تكن تعلم.

ثم قال: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ يعني: غفرنا لك ذنبك، كقوله لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ويقال: غفرنا لك ذنبك، وذلتك بترك الاستثناء ويقال: معنى وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ يعني: عصمناك من الذنوب الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ لو لم يعصمك الله، لأثقل ظهرك، ويقال: معناه أخرجنا من قلبك الأخلاق السيئة، وطبائع السوء الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ يعني: التي لو لم ننزعها عن قلبك، لأثقل عليك حمل النبوة والرسالة.

ثم قال عز وجل: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ يعني: في التأذين والخطب، حتى لا أذكر إلا وذكرت معي، يعني: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أنَّ محمداً رسول الله  ، في كل يوم خمس مرات، في الأذان والإقامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر يدل عليه الاستفهام التقريري هنا، أي إذا علمت هذا وتقرر، تعلَمُ أن اليسر مصاحب للعسر، وإذ كان اليسر نقيض العسر كانت مصاحبةُ اليسر للعسر مقتضيةً نقضَ تأثير العسر ومبطلة لعمله، فهو كناية رمزية عن إدراك العناية الإلهية به فيما سبق، وتعريض بالوعد باستمرار ذلك في كل أحواله.

وسياق الكلام وعد للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن يُيَسر اللَّهُ له المصاعب كلَّما عرضت له، فاليسر لا يتخلف عن اللحاق بتلك المصاعب، وذلك من خصائص كلمة ﴿ مع ﴾ الدالة على المصاحبة.

وكلمة ﴿ مع ﴾ هنا مستعملة في غير حقيقة معناها لأن العسر واليسر نقيضان فمقارنتهما معاً مستحيلة، فتعين أن المعيّة مستعارة لقرب حصول اليسر عقب حلول العسر أو ظهور بوادره، بقرينة استحالة المعنى الحقيقي للمعية.

وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿ سيجعل اللَّه بعد عسر يسراً ﴾ في سورة الطلاق (7).

فهذه الآية في عسر خاص يعرض للنبيء، وآية سورة الطلاق عامة، وللبعْدية فيها مراتب متفاوتة.

فالتعريف في العسر } تعريف العهد، أي العسر الذي عَهِدْتَه وعلمتَه وهو من قبيل ما يسميه نحاة الكوفة بأن (ال) فيه عوض عن المضاف إليه نحو قوله تعالى: ﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ [النازعات: 41] أي فإن مع عُسرك يسراً، فتكون السورة كلها مقصورة على بيان كرامة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه تعالى.

وعد الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن الله جعل الأمور العسرة عليه يسرة له وهو ما سبق وعده له بقوله: ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ [الأعلى: 8].

وحرف ﴿ إنْ ﴾ للاهتمام بالخبر.

وإنما لم يستغن بها عن الفاء كما يقول الشيخ عبد القاهر: (إنَّ) تغني غَناء فاء التسبب، لأن الفاء هنا أريد بها الفصيحة مع التسبب فلو اقتصر عَلى حرف (إنّ) لفات معنى الفصيحة.

وتنكير ﴿ يسراً ﴾ للتعظيم، أي مع العسر العارض لك تيسيراً عظيماً يغلب العسر ويجوز أن يكون هذا وعداً للنبيء صلى الله عليه وسلم ولأمته لأن ما يعرض له من عسر إنما يعرض له في شؤون دعوته للدين ولصالح المسلمين.

وروى ابن جرير عن يونس ومعمر عن الحَسَن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبشروا أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين " فاقتضى أن الآية غير خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم بل تعمّه وأمته.

وفي «الموطإ» «أن أبا عبيدة بن الجراح كتب إلى عمر بن الخطاب يَذْكُر له جموعاً من الروم وما يُتخوف منهم فكتب إليه عمر: «أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجاً وإنه لن يغلب عسر يسرين».

وروى ابن أبي حاتم والبزار في «مُسنده» عن عائذِ بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حَجَر، فقال: لو جاء العسر فدخل هذا الحَجَر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيُخرجه فأنزل الله عز وجل: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ .

قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح قال ابن كثير: وقد قال أبو حاتم الرازي: في حديث عائذ بن شريح ضعف.

وروى ابن جرير مثله عن ابن مسعود موقوفاً، ويجوز أن تكون جملة: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ [الشرح: 4] وجملة: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ [الشرح: 7] تنبيهاً على أن الله لطيف بعباده فقدر أن لا يخلو عسر من مخالطة يسر وأنه لولا ذلك لهلك الناس قال تعالى ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ [النحل: 61].

وروي عن ابن عباس: يقول الله تعالى خلقت عسراً واحداً وخلقت يسرين ولن يغلب عسر يسرين ا ه.

والعسر: المشقة في تحصيل المرغوب والعمللِ المقصود.

واليسر ضده وهو: سهولة تحصيل المرغوب وعدم التعب فيه.

وجملة: ﴿ إن مع العسر يسراً ﴾ مؤكدة لجملة: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ وفائدة هذا التأكيد تحقيق اطراد هذا الوعد وتعميمه لأنه خبر عجيب.

ومن المفسرين من جعل اليسر في الجملة الأولى يسر الدنيا وفي الجملة الثانية يسر الآخرة وأسلوب الكلام العربي لا يساعد عليه لأنه متمحض لكون الثانية تأكيداً.

هذا وقول النبي صلى الله عليه وسلم «لن يغلب عسر يسرين» قد ارتبط لفظه ومعناه بهذه الآية.

وصُرح في بعض رواياته بأنه قرأ هذه الآية حينئذ وتضافر المفسّرون على انتزاع ذلك منها فوجب التعرض لذلك، وشاع بين أهل العلم أن ذلك مستفاد من تعريف كلمة العسر وإعادتها معرفة ومن تنكير كملة «يسر» وإعادتها منكَّرة، وقالوا: إن اللفظ النكرة إذا أعيد نكرة فالثاني غير الأول وإذا أعيد اللفظ معرفة فالثاني عين الأول كقوله تعالى: ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول ﴾ [المزمل: 15، 16].

وبناء كلامهم على قاعدة إعادة النكرة معرفة خطأ لأن تلك القاعدة في إعادة النكرة معرفة لا في إعادة المعرفة معرفة وهي خاصة بالتعريف بلام العهد دون لام الجنس، وهي أيضاً في إعادة اللفظ في جملة أخرى والذي في الآية ليس بإعادة لفظ في كلام ثان بل هي تكرير للجملة الأولى، فلا ينبغي الالتفات إلى هذا المأخذ، وقد أبطله من قبل أبو علي الحسين الجرجاني في كتاب «النظم» كما في «معالم التنزيل».

وأبطله صاحب «الكشاف» أيضاً، وجعل ابن هشام في «مغني اللبيب» تلك القاعدة خطأ.

والذي يظهر في تقرير معنى قوله: «لن يغلب عسر يسرين» أن جملة: ﴿ إن مع العسر يسراً ﴾ تأكيد لجملة ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ .

ومن المقرر أن المقصود من تأكيد الجملة في مثله هو تأكيد الحكم الذي تضمنه الخبر.

ولا شك أن الحكم المستفاد من هذه الجملة هو ثبوت التحاق اليسر بالعسر عند حصوله، فكان التأكيد مفيداً ترجيح أثر اليسر على أثر العسر، وذلك الترجيح عبر عنه بصيغة التثنية في قوله: «يسرين»، فالتثنية هنا كناية رمزية عن التغلب والرجحان فإن التثنية قد يكنى بها عن التكرير المراد منه التكثير كما في قوله تعالى: ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير ﴾ [الملك: 4] أي ارجع البصر كثيراً لأن البصر لا ينقلب حسيراً من رَجعتين.

ومن ذلك قول العرب: لَبَّيْك، وسَعْدَيك، ودَوَاليك» والتكرير يستلزم قوة الشيء المكرر فكانت القوة لازِمَ لازِممِ التثنية وإذا تعددت اللوازم كانت الكناية رمزية.

وليس ذلك مستفاداً من تعريف ﴿ العسر ﴾ باللام ولا من تنكير «اليسر» وإعادته منكراً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر (بعد) (١) ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يقول الله تعالى: (خلقت عسرًا واحداً، وخلقت يسرين، فلن (٢) (٣) (٤) (٥) وقال مقاتل: قال النبي -  -: "عند ذلك لن يغلب إن شاء الله عسر واحد يسرين" (٦) (٧)  - قال: "لن يغلب عسر يسرين"، وقرأ الآيتين (٨) ويروى (٩) (١٠) وكتب عمر بن الخطاب.

-  -إلى أبى عبيدة، وهو محصور أنه مهما تنزل بامرىءٍ شدة (١١) (١٢) فهذا قول (١٣)  -والصحابة، والمفسرين.

على أن العسر واحد، واليُسْرَ اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران، ويسران، إلا أن المراد عسر واحد؛ لأنه مذكرر بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير مرتين، فكان كل واحد منهما غير الآخر.

أخبرنا ابن الفارسي، عن حمد بن محمد البُستي، قال: ذكر لنا أبو عمر، عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء قال: العرب إذا ذَكَرَتّ نَكِرَة، ثم أعادتها بنكرة مثلها صارتا اثنين، كقولك: إذا كسبت درهمًا فأنفق درهمًا، والثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا فانفق الدرهم، فالثاني هو الأول (١٤) ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع اليسر مع الألف واللام، ثم ثنى [ذكره] (١٥) (١٦) وتكلم صاحب النظم في هذه السورة، وأنكر هذا التعليل الذي ذكره الفراء، والزجاج، وقال: (هذا قول مدخول، [لا] (١٧)  -، وهو مقل، فكانت قريش تعيره بذلك حتي قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغني (١٨) (١٩)  - ذلك، فظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه منته في هذه السورة، ووعد الغنى، وأنزل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ (٢٠)  - كان في كثير من مذاهبه على مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا ولا وثنًا- (٢١) (٢٢) ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ ، والدليل على ذلك دخول الفاء في قوله: ﴿ فَإِنَّ ﴾ (٢٣) (٢٤) ثم ابتدأ فصل آخر فقال: ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ والدليل على ابتدائه (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقوله -  -: "لن يغلب عسر يسرين" أي يسر الدنيا والآخرة (٢٩) (٣٠) (٣١) وهو أن اليسرين: أحدهما في الدنيا، والثاني في الآخرة، إما هذا، وإما ذاك، وربما اجتمعتا، ويدل على صحة هذا مَا ذكر محمد بن إسماعيل البخاري (٣٢) ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ  ﴾ و"لن يغلب عسر يسرين" (٣٣) (٣٤) وذهب بعضهم (٣٥) (٣٦) ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ  ﴾ ، ونحوه مما تكرر في القرآن (٣٧) (٣٨) (٣٩) ولما وعده اليسر في الدنيا والآخرة، أمره بالجهد في العبادة، فقال: (١) ساقط من: (ع).

(٢) في (ع): (فأين).

(٣) ورد قوله مختصرًا، ومن غير ذكر عطاء في: "بحر العلوم" 3/ 490، "التفسير الكبير" 32/ 6، و"زاد المسير" 8/ 272.

(٤) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من طريقه عن أبي صالح عن ابن عباس في "معاني القرآن" 3/ 375.

(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٦) "تفسير مقاتل" 244 أ، "التفسير الكبير" 32/ 6.

(٧) في (أ): (ذكروا).

(٨) رواه الحاكم في "المستدرك" 2/ 528: كتاب التفسير: باب سورة ألم نشرح، وقال عنه: إسناده مرسل، ووافقه الذهبي.

وقال ابن حجر: أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن الحسن به مرسلاً، ومن طريقه أخرجه الحاكم، والبيهقي في الشعب، ورواه الطبري من طريق أبي ثور، عن معمر.

وله طريق أخرى أخرجها ابن مردويه من رواية عطية عن جابر موصولاً، وإسناده ضعيف.

الكافي الشاف: 4/ 186.

وانظر: "شعب الإيمان" 7/ 206 ح 10013، كما ورد في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 380، و"جامع البيان" 30/ 236، و"بحر العلوم" 3/ 490، و"الكشف والبيان" 13/ 114 ب، و"فتح الباري" 8/ 712، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 473، و"معالم التنزيل" 4/ 502، و"الكشاف" 4/ 223، و"القرطبي" 20/ 107، و"لباب التأويل" 4/ 389، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 561 - 562، و"الدر المنثور" 8/ 551.

(٩) في (أ): (روى).

(١٠) ورد معنى قوله في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 381، "جامع البيان" 30/ 236، "بحر العلوم" 3/ 490، "الكشف والبيان" ج 13: 114/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 502، و"زاد المسير" 8/ 272، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 107، و"النكت والعيون" 6/ 298، و"لباب التأويل" 4/ 389، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 561.

وقال السيوطي: ورواه الطبراني، وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود.

انظر: "الدر المنثور" 8/ 550 - 551 وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الصبر، والبيهقي في شعب الإيمان.

وقال ابن حجر: وأخرج سعيد بن منصور، وعبد الرزاق من حديث ابن مسعود == قال: قال رسول الله -  - وذكر الحديث، ثم قال: إسناده ضعيف.

وقال أيضًا: وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد من طريق قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله -  - بشر أصحابه بهذه الآية فقال: "لن يغلب عسر يسرين إن شاء الله".

"فتح الباري" 8/ 713.

كما رواه الطبراني 10/ 85 ح: 9977، وفيه إبراهيم النخعي، وهو ضعيف "مجمع الزوائد" 7/ 139: كتاب التفسير: تفسير ألم نشرح.

(١١) في (ع): (شديد).

(١٢) أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 357: كتاب الجهاد: باب: 1 موقوفاً على عمر، والحاكم في "المستدرك" 2/ 528: كتاب التفسير: تفسير سورة ألم نشرح.

وقال: وقد صحت الرواية عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب: لن يغلب عسر يسرين، ووافقه الذهبي.

وقال ابن حجر في "الكافي" 4/ 186: وفي الباب عن عمر (ذكره مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه، وذكر الأثر، ثم قال: ومن طريقه رواه الحاكم، وهذا أصح طرقه، كما قال في "فتح الباري" 8/ 713، وأما الموقوف، فأخرجه مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر أنه كتب إلى أبي عبيدة -الأثر-، ثم قال: وقال الحاكم: صح ذلك عن عمر، وعلي، وهو في الموطأ عن عمر؛ لكن من طريق منقطع، وأخرجه عبد بن حميد، عن ابن مسعود بإسناد جيد، وأخرجه الفراء بإسناد ضعيف عن ابن عباس.

كما ورد الأثر في: "المحرر الوجيز" 5/ 497 بمعناه، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 107، "الدر المنثور" 8/ 550 ونسبه إلى ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: بعئنا رسول الله -  - ونحن ثلاثمائة أو يزيدون؛ علينا أبو عبيدة بن الجراح ...

ونزلت: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فأرسل نبي الله إلى بعضنا فدعاه، فقال: (أبشروا فإن الله قد أوحى إلى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ولن يغلب عسر يسرين).

(١٣) في (أ): (يقول).

(١٤) لم أجد قوله في المعاني، وإنما ورد معنى قوله في: "التفسير الكبير" 32/ 6، "زاد المسير" 8/ 272، كما ورد من غير عزو في: "معالم التنزيل" 4/ 502 - 503، وعزاه الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 114 ب، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 389 إلى المفسرين.

(١٥) ذكر: في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في الأصل لصحته.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 341.

(١٧) لأنه: في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في "الكشف والبيان" 13/ 114 ب لصحته.

(١٨) في (أ): (الغناء).

(١٩) كرث: كَرَثه النَعم، يَكِرثه، وأكْرَثَه: أي اشتد عليه، وبلغ منه المشقة.

"النهاية في غريب الحديث والأثر" 4/ 161.

(٢٠) في (أ): (لك)، وهو ضمير زائد على بنية الكلام.

(٢١) ما بين شرطتي الاعتراض من قول الإمام الواحدي.

(٢٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٣) وذلك لأن الفاء لا تدخل أبداً إلا في عطف أو جواب.

انظر: "الكشف والبيان" 13/ 115 أ.

(٢٤) غير مقروءة في النسختين.

(٢٥) في (أ): (ابتلائه).

(٢٦) في (أ): (تعرية بواو).

(٢٧) ما بين القوسين ساقط من: (ع).

(٢٨) ما بين القوسين من قول الجرجاني، انظر: "الكشف والبيان" 13/ 114 ب، 115 أ، نقله الإمام الواحدي عن "الكشف" بتصرف، وانظر أيضًا بنحوه في "زاد المسير" 8/ 272، و"التفسير الكبير" 32/ 6، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 108، و"لباب التأويل" 4/ 389.

(٢٩) سبق تخريجه.

(٣٠) في (أ): (أنها).

(٣١) وهذا المعنى ورد بمعناه عن الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 115 أ، وانظر.

و"معالم التنزيل" 4/ 503، و"زاد المسير" 8/ 273.

(٣٢) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بذدزبة البخاري؛ صاحب "الصحيح"، رحل في طلب الحديث إلى سائر محدثي الأمصار، توفي أبو عبد الله ليلة السبت ليلة الفطر سنة 256 هـ وقبر في خرتنك.

انظر: "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى: 1/ 271: ت: 387، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي 2/ 2، و"تهذيب الكمال" 24/ 430: ت: 5059.

(٣٣) "الجامع الصحيح" 3/ 326، كتاب التفسير: باب: 94 بيسير من التصرف، "تفسير سفيان بن عيينة" 347.

(٣٤) في (أ): (أن).

(٣٥) كابن قتيبة في: "تأويل مشكل القرآن" 236.

(٣٦) في (أ): (ظاهر).

(٣٧) نحو قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ سورة القيامة: 34 - 35.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ سورة الانفطار: 17 - 18 مستفاد من "تأويل مشكل القرآن" ص 236.

(٣٨) البيت لعبيد بن الأبرص.

(٣٩) ورد البيت في "ديوانه" ص 142، ط.

دار صادر، "تأويل مشكل القرآن" ص 236.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ هذا لصدره توقيف معناه إثبات شرح صدره صلى الله عليه وسلم وتعديد ما ذكر بعده من النعم، وشرح صدره صلى الله عليه وسلم هو اتساعه لتحصيل العلم، وتنويره بالحكمة، والمعرفة، وقيل هو شق جبريل لصدره في صغره، أو في وقت الإسراء حين أخرج قلبه وغسله ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: قول الجمهور أن الوزر الذنوب.

ووضعها هو غفرانها هو كقوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح: 2] وهذا على قول من جوّز صغائر الذنوب على الأنبياء، أو على ذنوبه كانت قبل النبوّة، الثاني: أن الوزر هو أثقال النبوة وتكاليفها، ووضعها على هذا هو إعانته عليها، وتمهيد عذره بعد ما بلغ الرسالة، الثالث: أن الوزر هو تحيره قبل النبوة، إذ كان يرى أن قومه على اضلال، ولم يأته من الله أمر واضح فوضعه على هذا هو بالنبوّة والهدى للشريعة ﴿ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ عبارة عن ثقل الوزر المذكور وشدته عليه، قال الحارث المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفرة لهم لهمّهم بها وتحسرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله، وهي خفيفة عند الله، وهذا كما جاء في الأثر: «إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه تطير كالذبابة فوق أنفه» واشتقاق أنقض ظهرك من نقض البنيان وغيره، أو من النقيض وهو الصوت فكأنه يسمع لظهره نقيض كنقيض ما يحمل عليه شيء ثقيل.

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ أي نوّهنا باسمك وجعلناه شهيراً في المشارق والمغارب، وقيل: معناه اقتران ذكره بذكر الله في الأذان والخطبة والتشهد.

وفي مواضع من القرآن، وقد روي في هذا حديث أن الله قال له؛ إذا ذكرت ذكرت معي.

فإن قيل: لم قال لك ذكرك ولك صدرك مع أن المعنى مستقل دون ذلك؟

فالجواب أن قوله: لك يدل على الاعتناء به والاهتمام بأمره.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن مع الشدة والضيق سهولة واتساعًا، إذا علمت ذلك فلا يهولنك أذى قومك، ولا يصدنك عن الدعوة إلى الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.8qPjQ"

مزيد من التفاسير لسورة الشرح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله