الآية ٥ من سورة الشرح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 94 الشرح > الآية ٥ من سورة الشرح

فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة الشرح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٥ من سورة الشرح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر ، ثم أكد هذا الخبر .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا حميد بن حماد بن خوار أبو الجهم ، حدثنا عائذ بن شريح قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله جحر ، فقال : " لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه " ، فأنزل الله عز وجل : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) .

ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن معمر ، عن حميد بن حماد به ، ولفظه : " لو جاء العسر حتى يدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يخرجه " ثم قال : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) ثم قال البزار : لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح .

قلت : وقد قال فيه أبو حاتم الرازي : في حديثه ضعف ، ولكن رواه شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن رجل ، عن عبد الله بن مسعود موقوفا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا أبو قطن ، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال : كانوا يقولون : لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فرحا وهو يضحك ، وهو يقول : " لن يغلب عسر يسرين ، لن يغلب عسر يسرين ، فإن مع العسر يسرا ، إن مع العسر يسرا " .

وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد ، عن الحسن مرسلا .

وقال سعيد ، عن قتادة : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه بهذه الآية فقال : " لن يغلب عسر يسرين " .

ومعنى هذا : أن العسر معرف في الحالين ، فهو مفرد ، واليسر منكر فتعدد ; ولهذا قال : " لن يغلب عسر يسرين " ، يعني قوله : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد .

وقال الحسن بن سفيان : حدثنا يزيد بن صالح ، حدثنا خارجة ، عن عباد بن كثير ، عن أبي الزناد ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نزل المعونة من السماء على قدر المؤونة ، ونزل الصبر على قدر المصيبة " .

ومما يروى عن الشافعي رضي الله عنه ، أنه قال : صبرا جميلا ما أقرب الفرجا من راقب الله في الأمور نجا من صدق الله لم ينله أذى ومن رجاه يكون حيث رجا وقال ابن دريد : أنشدني أبو حاتم السجستاني : إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به الصدر الرحيب وأوطأت المكاره واطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج القريب وقال آخر : ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإنّ مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد هؤلاء المشركين، ومن أوّله ما أنت بسبيله رجاء وفرجا بأن يُظْفِرَكَ بهم، حتى ينقادوا للحقّ الذي جئتهم به طوعا وكَرها.

ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية لما نـزلت، بَشَّر بها أصحابه وقال: " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ".

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت يونس، قال: قال الحسن: لما نـزلت هذه الآية ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبْشِرُوا أتاكُمُ اليُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ".

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن، مثله، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فَرِحا وهو يضحك، وهو يقول: " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ".

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) ذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشَّر أصحابه بهذه الآية، فقال: " لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ".

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن معاوية بن قرة أبي إياس، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود، قال: لو دخل العسر في جُحْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن الله يقول: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) .

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن رجل، عن عبد الله، بنحوه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم: قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) قال: يتبع اليسرُ العُسَر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإن مع العسر يسرا[ ص: 95 ] أي إن مع الضيقة والشدة يسرا ، أي سعة وغنى .

ثم كرر فقال : إن مع العسر يسرا ، فقال قوم : هذا التكرير تأكيد للكلام كما يقال : ارم ارم ، اعجل اعجل قال الله تعالى : كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون .

ونظيره في تكرار الجواب : بلى بلى ، لا لا .

وذلك للإطناب والمبالغة قاله الفراء .

ومنه قول الشاعر [ الخنساء ] :هممت بنفسي بعض الهموم فأولى لنفسي أولى لهاوقال قوم : إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه ، فهو هو .

وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره .

وهما اثنان ، ليكون أقوى للأمل ، وأبعث على الصبر قاله ثعلب .

وقال ابن عباس : يقول الله تعالى خلقت عسرا واحدا ، وخلقت يسرين ، ولن يغلب عسر يسرين .

وجاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه السورة : أنه قال : " لن يغلب عسر يسرين " .وقال ابن مسعود : والذي نفسي بيده ، لو كان العسر في حجر ، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ولن يغلب عسر يسرين .

وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم ، وما يتخوف منهم فكتب إليه عمر - رضي الله عنه - : أما بعد ، فإنهم مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة ، يجعل الله بعده فرجا ، وإنه لن يغلب عسر يسرين ، وإن الله تعالى يقول في كتابه : يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون .

وقال قوم منهم الجرجاني : هذا قول مدخول ; لأنه يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل : إن مع الفارس سيفا ، إن مع الفارس سيفا ، أن يكون الفارس واحدا ، والسيف اثنين .

والصحيح أن يقال : إن الله بعث نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - مقلا مخفا ، فعيره المشركون بفقره ، حتى قالوا له : نجمع لك مالا فاغتم وظن أنهم كذبوه لفقره فعزاه الله ، وعدد نعمه عليه ، ووعده الغنى بقوله : فإن مع العسر يسرا أي لا يحزنك ما عيروك به من الفقر فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلا أي في الدنيا .

فأنجز له ما وعده فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن ، ووسع ذات يده ، حتى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل ، ويهب الهبات السنية ، ويعد لأهله قوت سنة .

فهذا الفضل كله من أمر الدنيا وإن كان خاصا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى .

ثم ابتدأ فضلا آخرا من الآخرة وفيه تأسية وتعزية له - صلى الله عليه وسلم - فقال مبتدئا : إن مع العسر يسرا فهو شيء آخر .

والدليل على ابتدائه ، تعريه من فاء أو واو أو غيرها من حروف النسق التي تدل على العطف .

فهذا وعد عام لجميع المؤمنين ، لا يخرج أحد منه أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة .

وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة .والذي [ ص: 96 ] في الخبر : " لن يغلب عسر يسرين " يعني العسر الواحد لن يغلبهما ، وإنما يغلب أحدهما إن غلب ، وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة ، ولن يغلبه شيء .

أو يقال : إن مع العسر وهو إخراج أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة يسرا ، وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل ، مع عز وشرف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر، فأخرجه كما قال تعالى: { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا \" .وتعريف \" العسر \" في الآيتين، يدل على أنه واحد، وتنكير \" اليسر \" يدل على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين.وفي تعريفه بالألف واللام، الدالة على الاستغراق والعموم يدل على أن كل عسر -وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ- فإنه في آخره التيسير ملازم له.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فقال الله عز وجل: "فإن مع العسر يسراً".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن مع العسر» الشدة «يسرا» سهولة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلا يثنك أذى أعدائك عن نشر الرسالة؛ فإن مع الضيق فرجًا، إن مع الضيق فرجًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه النعم الجليلة ، ما يدخل السرور على قلبه صلى الله عليه وسلم وما يبعث الأمل فى نفسه وفى نفوس أصحابه ، بأن بين لهم سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ( فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ) .والفاء للإِفصاح ، ومع بمعنى بَعْد ، وأل فى العسر لاستغراق أنواع العسر المعروفة للمخاطبين .

من فقر ، وضعف ، وقلة فى الوسائل التى تؤدى إلى إدراك المطلوب .

والجملة الثانية مؤكدة ومقررة للجملة الأولى .

والتنكير فى قوله ( يسرا ) للتفخيم .والمعنى : إذا تقرر عندك ما أخبرنا به ، من شرح الصدر ، ووضع الوزر .

ورفع الذكر .

.

فاعلم أنه ما من عسر إلا ويعقبه يسر ، وما من شدة إلا ويأتى بعدها الفرج ، وما من غم أو هم ، إلا وينكشف ، وتحل محله المسرة .

.

وما دام الأمر كذلك ، فتذرع أنت وأصحابك بالصبر ، واعتصموا بالتوكل على الله ، فإن العاقبة لكم .ففى هاتين الآيتين ما فيهما من تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ولأتباعه ، ومن وعد صادق بأن كل صعب يلين ، وكل شديد يهون ، وكل عسير يتيسر .

متى صبر الإِنسان الصبر الجميل ، وتسلح بالعزيمة القوية ، وبالإِيمان العميق بقضاء الله - تعالى - وقدره .وأكد - سبحانه - هاتين الآيتين ، لأن هذه القضية قد تكون موضع شك ، خصوصا بالنسبة لمن تكاثرت عليهم الهموم وألوان المتاعب ، فأراد الله - سبحانه - أن يؤكد للناس فى كل زمان ومكان ، أن اليسر يعقب العسر لا محالة ، والفرج يأتى بعد الضيق ، فعلى المؤمن أن يقابل المصائب بصبر جميل ، وبأمل كبير فى تيسير الله وفرجه ونصره .وقال - سبحانه - ( مَعَ العسر يُسْراً ) ولم يقل بعد العسر يسرا ، للإِشعار بأن هذا اليسر ، ليس بعد العسر بزمن طويل ، وإنما هو سيأتى فى أعقابه بدون مهلة طويلة ، متى وطن الإِنسان نفسه على الصبر والأمل فى فرج الله - تعالى - .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين بعض الآثار ، منها ما رواه ابن أبى حاتم ، عن عائد بن شريح قال : سمعت أنس بن مالك يقول : " كان النبى صلى الله عليه وسلم جالسا وحياله حجر فقال : " لو جاء العسر فدخل فهذا الحجر ، لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه " " .وعن الحسن قال : كانوا يقولون : لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين .وعن قتادة : ذكر لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه فقال : " لن يغلب عسر يسرين " ومعنى هذا أن العسر مُعَرَّف فى الحالين ، فهو مفرد ، واليسر مُنَكَّر فمتعدد ، ولهذا قال : " لن يغلب عسر يسرين " فالعسر الأول عين الثانى ، واليسر تعدد .

.وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف تعلق قوله : ( فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ) ، كأنه قال : خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله ، فإن مع العسر الذى أنتم فيه يسرا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن المشركين كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، ويقولون: إن كان غرضك من هذا الذي تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالاً حتى تكون كأيسر أهل مكة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سبق إلى وهمه أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيرًا عندهم، فعدد الله تعالى عليه مننه في هذه السورة، وقال: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ  ﴾ أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل عن قلبه ما حصل فيه من التأذي بسبب أنهم عيروه بالفقر، والدليل عليه دخول الفاء في قوله: ﴿ فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ﴾ كأنه تعالى قال لا يحزنك ما يقول وما أنت فيه من القلة، فإنه يحصل في الدنيا يسر كامل.

المسألة الثانية: قال ابن عباس: يقول الله تعالى: خلقت عسراً واحداً بين يسرين، فلن يغلب عسر يسرين، وروى مقاتل عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لن يغلب عسر يسرين» وقرأ هذه الآية، وفي تقرير هذا المعنى وجهان الأول: قال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام، وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئاً واحداً.

وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير، فكان أحدهما غير الآخر، وزيف الجرجاني هذا وقال: إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفاً، إن مع الفارس سيفاً، يلزم أن يكون هناك فارس واحد ومعه سيفان، ومعلوم أن ذلك غير لازم من وضع العربية الوجه الثاني: أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى، كما كرر قوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ  ﴾ ويكون الغرض تقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب، كما يكرر المفرد في قولك: جاءني زيد زيد، والمراد من اليسرين: يسر الدنيا وهو ما تيسر من استفتاح البلاد، ويسر الآخرة وهو ثواب الجنة، لقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين  ﴾ وهما حسن الظفر وحسن الثواب، فالمراد من قوله: لن يغلب عسر يسرين هذا، وذلك لأن عمر الدنيا بالنسبة إلى يسر الدنيا، ويسر الآخرة كالمغمور القليل، وهاهنا سؤالان.

الأول: ما معنى التنكير في اليسر؟

جوابه: التفخيم، كأنه قيل: إن مع اليسر يسراً، إن مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر.

السؤال الثاني: اليسر لا يكون مع العسر، لأنهما ضدان فلا يجتمعان الجواب: لما كان وقوع اليسر بعد العسر بزمان قليل، كان مقطوعاً به فجعل كالمقارن له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: كيف تعلق قوله: ﴿ فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ﴾ بما قبله؟

قلت: كان المشركون يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفقر والضيقة، حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال: ﴿ فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً (5) ﴾ كأنه قال: خوّلناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسراً.

فإن قلت: ﴿ إِنَّ مَعَ ﴾ للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟

قلت: أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرّب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر، زيادة في التسلية وتقوية القلوب.

فإن قلت: ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعاً: أنه خرج صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول: «لن يغلب عسر يسرين» قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوّه الرجاء، وأن موعد الله لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ وأبلغه، والقول في أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ ﴾ [الطور: 11] لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب، وكما تكرر المفرد في قولك: جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدّة بأنّ العسر مردوف بيسر لا محالة، والثانية عدة مستأنفة بأنّ العسر متبوع بيسر، فهما يسران على تقدير الاستئناف، وإنما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو؛ لأنّ حكمه حكم زيد في قولك: إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً.

وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه لك كل أحد فهو هو أيضاً.

وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرّر فقد تناول بعضاً غير البعض الأوّل بغير إشكال.

فإن قلت: فما المراد باليسرين؟

قلت: يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء، وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة، كقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين ﴾ [التوبة: 52] وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب.

فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟

قلت: التفخيم، كأنه قيل: إن مع العسر يسراً عظيماً وأيّ يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة.

فإن قلت: فإذا ثبت في قراءته غير مكرر، فلم قال: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟

قلت: كأنه قصد باليسرين: ما في قوله: ﴿ يُسْراً ﴾ من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدارين، وذلك يسران في الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ بِالنُّبُوَّةِ وغَيْرِها، وأيُّ رَفْعٍ مِثْلَ أنْ قَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ تَعالى في كَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ وجَعَلَ طاعَتَهُ طاعَتَهُ، وصَلّى عَلَيْهِ في مَلائِكَتِهِ وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ وخاطَبَهُ بِالألْقابِ، وإنَّما زادَ لَكَ لِيَكُونَ إبْهامًا قَبْلَ إيضاحٍ فَيُفِيدَ المُبالَغَةَ.

﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ ﴾ كَضِيقِ الصَّدْرِ والوِزْرِ المُنْقِضِ لِلظَّهْرِ وضَلالِ القَوْمِ وإيذائِهِمْ.

﴿ يُسْرًا ﴾ كالشَّرْحِ والوَضْعِ والتَّوْفِيقِ لِلِاهْتِداءِ والطّاعَةِ فَلا تَيْأسْ مِن رُوحِ اللَّهِ إذا عَراكَ ما يَغُمُّكَ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ والمَعْنى بِما في «إنَّ مَعَ» مِنَ المُصاحَبَةِ المُبالَغَةُ في مُعاقَبَةِ اليُسْرِ لِلْعُسْرِ، واتِّصالُهُ بِهِ اتِّصالَ المُتَقارِبَيْنِ.

﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ أوِ اسْتِئْنافُ وعْدِهِ بِأنَّ العُسْرِ مَتْبُوعٌ بِيُسْرٍ آخَرَ كَثَوابِ الآخِرَةِ كَقَوْلِكَ: إنَّ لِلصّائِمِ فَرْحَةً، إنَّ لِلصّائِمِ فَرْحَةً أيْ فَرْحَةً عِنْدَ الإفْطارِ وفَرْحَةً عِنْدَ لِقاءِ الرَّبِّ.

وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» فَإنَّ العُسْرَ مُعَرَّفٌ فَلا يَتَعَدَّدُ سَواءٌ كانَ لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ، واليُسْرُ مُنَكَّرٌ فَيَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالثّانِي فَرْدٌ يُغايِرُ ما أُرِيدَ بِالأوَّلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)

{فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً} أي إن مع الشدة التي أنت فيها من مقاسات بلاء المشركين يسراً بإظهاري إياك عليهم حتى تغلبهم وقيل كان المشركون يعيرون رسول الله والمؤمنين بالفقر حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً كأنه قال خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا وجئ بلفظ مع لغاية مقاربة اليسر العسر زيادة في التسلية ولتقوية القلوب وإنما قال عليه السلام عند نزولها لن يغلب عسر يسرين لأن العسر أعيد معرفاً فكان واحداً لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى واليسر أعيد نكرة والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى فصار المعنى إن مع العسر يسرين قال أبو معاذ يقال إن مع الأمير غلاماً إن مع الأمير غلاماً فالأمير واحد ومعه غلامان وإذا قال إن مع أمير غلاماً وإن مع الأمير الغلام فالأمير واحد والغلام واحد وإذا قيل أن مع غلاماً وإن مع أمير غلاماً فهما أميران وغلامان كذا في شرح التأويلات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ عَلى ما في الكَشّافِ فَصِيحَةٌ.

والكَلامُ وعْدٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَسُوقٌ لِلتَّسْلِيَةِ والتَّنْفِيسِ.

قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يُعَيِّرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ بِالفَقْرِ والضِّيقَةِ حَتّى سَبَقَ إلى ذِهْنِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم رَغِبُوا عَنِ الإسْلامِ لِافْتِقارِ أهْلِهِ واحْتِقارِهِمْ، فَذَكَّرَهُ سُبْحانَهُ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ ثُمَّ قالَ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: خَوَّلْناكَ ما خَوَّلْناكَ فَلا تَيْأسْ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ يُسْرًا وهو ظاهِرٌ في أنَّ (ألْ) في العُسْرِ لِلْعَهْدِ، وأمّا التَّنْوِينُ في «يُسْرًا» فَلِلتَّفْخِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا عَظِيمًا وأيَّ يُسْرٍ، والمُرادُ بِهِ ما تَيَسَّرَ لَهم مِنَ الفُتُوحِ في أيّامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ يُسْرُ الدُّنْيا مُطْلَقًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً يعني: مع الشدة سعة، يعني: بعد الشدة سعة في الدنيا.

ويقال: بعد شدة الدنيا سعة في الآخرة، يعني: إذا احتمل المشقة في الدنيا، ينال الجنة في الآخرة.

ثم قال عز وجل: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً على وجه التأكيد.

وروي عن ابن عباس، أنه قال: لا يغلب العُسْرُ يُسْرَينْ.

وروى مبارك بن فضالة، عن الحسن أنه قال: كانوا يقولون: لا يغلب عسرٌ واحد يُسْرَين، فقال ابن مسعود-  : لو كان العسر في حُجر، جاء اليسر حتى يدخل عليه، لأنه قال تعالى إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ويقال: إن مع العسر وهو إخراج أهل مكة النبيّ  يُسْراً، وهو دخوله يوم فتح مكة، مع عشرة آلاف رجل في عز وشرف.

ثم قال عز وجل: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ يعني: إذا فرغت من الجهاد، فاجتهد في العبادة وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ يعني: اطلب المسألة إليه.

قال قتادة: فإذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء.

هكذا قال الضحاك، وقال مجاهد، فَإِذا فَرَغْتَ من اشتغال نفسك فَانْصَبْ يعني: فَصَلِّ ويقال فَإِذا فَرَغْتَ من الفرائض فانصب في الفضائل، فيقال فَإِذا فَرَغْتَ من الصلاة، فانصب نفسك للدعاء والمسألة، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ يعني: إلى الله فارغب في الدعاء، برفع حوائجك إليه، والله أعلم وأحكم بالصواب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الِانْشِراحِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ الشَّرْحُ: الفَتْحُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ.

واللَّهُ تَعالى فَتَحَ صَدْرَ نَبِيِّهِ لِلْهُدى والمَعْرِفَةِ بِإذْهابِ الشَّواغِلِ الَّتِي تُصْدِرُ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ.

ومَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ: التَّقْرِيرُ، أيْ: قَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ أيْ: حَطَطْنا عَنْكَ إثْمَكَ الَّذِي سَلَفَ في الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهُ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ الوِزْرِ: ما حَمَلَهُ الإنْسانُ عَلى ظَهْرِهِ، فَشُبِّهَ بِالحِمْلِ فَجُعِلَ مَكانَهُ.

ومَعْنى ﴿ أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ نَقِيضُهُ، أيْ: صَوْتُهُ.

وهَذا مَثَلٌ، يَعْنِي: أنَّهُ لَوْ كانَ حِمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ الظَّهْرِ مِنهُ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِهَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي يُثْقِلُ القِيامُ بِها الظَّهْرَ، فَسَهَّلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ حَتّى تَيَسَّرَ عَلَيْهِ الأمْرُ.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ سَألَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إذا ذُكِرْتُ [ذُكِرْتَ] مَعِي.» قالَ قَتادَةُ: فَلَيْسَ خَطِيبٌ، ولا مُتَشَهِّدٌ، ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

والثّالِثُ: رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ في الآخِرَةِ كَما رَفَعْناهُ في الدُّنْيا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ.

والخامِسُ: بِأخْذِ المِيثاقِ لَكَ عَلى الأنْبِياءِ، وإلْزامِهِمُ الإيمانَ بِكَ، والإقْرارِ بِفَضْلِكَ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ضَمَّ سِينَ " العُسْرِ "، وسِينَ " اليُسْرِ " أبُو جَعْفَرٍ و " العُسْرُ " مَذْكُورٌ في الآيَتَيْنِ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ.

و " اليُسْرُ " مَذْكُورٌ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ، واليُسْرَ اثْنانِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في هَذِهِ [الآيَةِ]: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ.

قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ إذا ذَكَرَتْ نَكِرَةً ثُمَّ أعادَتْها بِنَكِرَةٍ صارَتِ اثْنَتَيْنِ، كَقَوْلِكَ: إذا كَسَبْتَ دِرْهَمًا فَأنْفِقْ دِرْهَمًا، فالثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ، وإذا أعادَتْها مَعْرِفَةً، فَهي كَقَوْلِكَ: إذا كَسَبْتَ دِرْهَمًا فَأنْفِقِ الدِّرْهَمَ، فالثّانِي هو الأوَّلُ.

ونَحْوَ هَذا قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ بِالألِفِ واللّامِ، ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ يَحْيى الجُرْجانِيُّ -وَيُقالُ لَهُ: صاحِبُ النَّظْمِ-: مَعْنى الكَلامِ: لا يُحْزِنْكَ ما يُعَيِّرُكَ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الفَقْرِ ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ \[عاجِلًا في الدُّنْيا، فَأنْجَزَهُ بِما وعَدَهُ، بِما فَتَحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَصْلًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ \] والدَّلِيلُ عَلى ابْتِدائِهِ تَعَرِّيهِ مِنَ الفاءِ والواوِ، وهو وعْدٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أنَّ مَعَ عُسْرِ المُؤْمِنِينَ يُسْرًا في الآخِرَةِ، فَمَعْنى قَوْلِهِمْ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرُ الدُّنْيا اليُسْرَ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، فاليُسْرَ الَّذِي وعَدَهم في الآخِرَةِ، إنَّما يَغْلِبُ أحَدُهُما، وهو يُسْرُ الدُّنْيا.

فَأمّا يُسْرُ الآخِرَةِ، فَدائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، كَقَوْلِهِ [  ]: " «شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ» "، أيْ: لا يَجْتَمِعانِ في النَّقْصِ.

وحُكِيَ عَنِ العَتَبِيِّ قالَ: كُنْتُ ذاتَ لَيْلَةٍ في البادِيَةِ بِحالَةٍ مِنَ الغَمِّ، فَأُلْقِيَ في رُوعِي بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ، فَقُلْتُ: أرى المَوْتَ لِمَن أصْبَ حَ مَغْمُومًا لَهُ أرْوَحْ فَلَمّا جَنَّ اللَّيْلُ سَمِعْتُ هاتِفًا يَهْتِفُ: ألا يا أيُّها المَرْءُ الَّـ ∗∗∗ ـذِي الهَمُّ بِهِ بَرَّحْ وقَدْ أنْشَدَ بَيْتًا لَمْ ∗∗∗ يَزَلْ في فِكْرِهِ يَسْنَحْ إذا اشْتَدَّ بِكَ العُسْرُ ∗∗∗ فَفَكِّرْ في " ألَمْ نَشْرَحْ ∗∗∗ " فَعُسْرٌ بَيْنَ يُسْرَيْنِ ∗∗∗ إذا أبْصَرْتَهُ فافْرَحْ فَحَفِظْتُ الأبْياتَ وفَرَّجَ اللَّهُ غَمِّي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ ﴾ أيْ: فادْأبْ في العَمَلِ، وهو مِنَ النَّصَبِ، والنَّصَبُ: التَّعَبُ، الدُّؤُوبُ في العَمَلِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: فَإذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عَمَلِ آخِرَتِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ التَّشَهُّدِ فادْعُ لِدُنْياكَ وآخِرَتِكَ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ.

والخامِسُ: إذا صَحَّ بَدَنُكَ فاجْعَلْ صِحَّتَكَ نَصْبًا في العِبادَةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ ﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ﴿ وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ ﴾ ﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ﴿ فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ ﴾ ﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ  نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ: مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.

وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ  وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ  ﴾ ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ  صَوَّبَ جَمِيعَها.

وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.

وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟

يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ  أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.

ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ.

وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر يدل عليه الاستفهام التقريري هنا، أي إذا علمت هذا وتقرر، تعلَمُ أن اليسر مصاحب للعسر، وإذ كان اليسر نقيض العسر كانت مصاحبةُ اليسر للعسر مقتضيةً نقضَ تأثير العسر ومبطلة لعمله، فهو كناية رمزية عن إدراك العناية الإلهية به فيما سبق، وتعريض بالوعد باستمرار ذلك في كل أحواله.

وسياق الكلام وعد للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن يُيَسر اللَّهُ له المصاعب كلَّما عرضت له، فاليسر لا يتخلف عن اللحاق بتلك المصاعب، وذلك من خصائص كلمة ﴿ مع ﴾ الدالة على المصاحبة.

وكلمة ﴿ مع ﴾ هنا مستعملة في غير حقيقة معناها لأن العسر واليسر نقيضان فمقارنتهما معاً مستحيلة، فتعين أن المعيّة مستعارة لقرب حصول اليسر عقب حلول العسر أو ظهور بوادره، بقرينة استحالة المعنى الحقيقي للمعية.

وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿ سيجعل اللَّه بعد عسر يسراً ﴾ في سورة الطلاق (7).

فهذه الآية في عسر خاص يعرض للنبيء، وآية سورة الطلاق عامة، وللبعْدية فيها مراتب متفاوتة.

فالتعريف في العسر } تعريف العهد، أي العسر الذي عَهِدْتَه وعلمتَه وهو من قبيل ما يسميه نحاة الكوفة بأن (ال) فيه عوض عن المضاف إليه نحو قوله تعالى: ﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ [النازعات: 41] أي فإن مع عُسرك يسراً، فتكون السورة كلها مقصورة على بيان كرامة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه تعالى.

وعد الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن الله جعل الأمور العسرة عليه يسرة له وهو ما سبق وعده له بقوله: ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ [الأعلى: 8].

وحرف ﴿ إنْ ﴾ للاهتمام بالخبر.

وإنما لم يستغن بها عن الفاء كما يقول الشيخ عبد القاهر: (إنَّ) تغني غَناء فاء التسبب، لأن الفاء هنا أريد بها الفصيحة مع التسبب فلو اقتصر عَلى حرف (إنّ) لفات معنى الفصيحة.

وتنكير ﴿ يسراً ﴾ للتعظيم، أي مع العسر العارض لك تيسيراً عظيماً يغلب العسر ويجوز أن يكون هذا وعداً للنبيء صلى الله عليه وسلم ولأمته لأن ما يعرض له من عسر إنما يعرض له في شؤون دعوته للدين ولصالح المسلمين.

وروى ابن جرير عن يونس ومعمر عن الحَسَن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبشروا أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين " فاقتضى أن الآية غير خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم بل تعمّه وأمته.

وفي «الموطإ» «أن أبا عبيدة بن الجراح كتب إلى عمر بن الخطاب يَذْكُر له جموعاً من الروم وما يُتخوف منهم فكتب إليه عمر: «أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجاً وإنه لن يغلب عسر يسرين».

وروى ابن أبي حاتم والبزار في «مُسنده» عن عائذِ بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حَجَر، فقال: لو جاء العسر فدخل هذا الحَجَر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيُخرجه فأنزل الله عز وجل: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ .

قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح قال ابن كثير: وقد قال أبو حاتم الرازي: في حديث عائذ بن شريح ضعف.

وروى ابن جرير مثله عن ابن مسعود موقوفاً، ويجوز أن تكون جملة: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ [الشرح: 4] وجملة: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ [الشرح: 7] تنبيهاً على أن الله لطيف بعباده فقدر أن لا يخلو عسر من مخالطة يسر وأنه لولا ذلك لهلك الناس قال تعالى ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ [النحل: 61].

وروي عن ابن عباس: يقول الله تعالى خلقت عسراً واحداً وخلقت يسرين ولن يغلب عسر يسرين ا ه.

والعسر: المشقة في تحصيل المرغوب والعمللِ المقصود.

واليسر ضده وهو: سهولة تحصيل المرغوب وعدم التعب فيه.

وجملة: ﴿ إن مع العسر يسراً ﴾ مؤكدة لجملة: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ وفائدة هذا التأكيد تحقيق اطراد هذا الوعد وتعميمه لأنه خبر عجيب.

ومن المفسرين من جعل اليسر في الجملة الأولى يسر الدنيا وفي الجملة الثانية يسر الآخرة وأسلوب الكلام العربي لا يساعد عليه لأنه متمحض لكون الثانية تأكيداً.

هذا وقول النبي صلى الله عليه وسلم «لن يغلب عسر يسرين» قد ارتبط لفظه ومعناه بهذه الآية.

وصُرح في بعض رواياته بأنه قرأ هذه الآية حينئذ وتضافر المفسّرون على انتزاع ذلك منها فوجب التعرض لذلك، وشاع بين أهل العلم أن ذلك مستفاد من تعريف كلمة العسر وإعادتها معرفة ومن تنكير كملة «يسر» وإعادتها منكَّرة، وقالوا: إن اللفظ النكرة إذا أعيد نكرة فالثاني غير الأول وإذا أعيد اللفظ معرفة فالثاني عين الأول كقوله تعالى: ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول ﴾ [المزمل: 15، 16].

وبناء كلامهم على قاعدة إعادة النكرة معرفة خطأ لأن تلك القاعدة في إعادة النكرة معرفة لا في إعادة المعرفة معرفة وهي خاصة بالتعريف بلام العهد دون لام الجنس، وهي أيضاً في إعادة اللفظ في جملة أخرى والذي في الآية ليس بإعادة لفظ في كلام ثان بل هي تكرير للجملة الأولى، فلا ينبغي الالتفات إلى هذا المأخذ، وقد أبطله من قبل أبو علي الحسين الجرجاني في كتاب «النظم» كما في «معالم التنزيل».

وأبطله صاحب «الكشاف» أيضاً، وجعل ابن هشام في «مغني اللبيب» تلك القاعدة خطأ.

والذي يظهر في تقرير معنى قوله: «لن يغلب عسر يسرين» أن جملة: ﴿ إن مع العسر يسراً ﴾ تأكيد لجملة ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ .

ومن المقرر أن المقصود من تأكيد الجملة في مثله هو تأكيد الحكم الذي تضمنه الخبر.

ولا شك أن الحكم المستفاد من هذه الجملة هو ثبوت التحاق اليسر بالعسر عند حصوله، فكان التأكيد مفيداً ترجيح أثر اليسر على أثر العسر، وذلك الترجيح عبر عنه بصيغة التثنية في قوله: «يسرين»، فالتثنية هنا كناية رمزية عن التغلب والرجحان فإن التثنية قد يكنى بها عن التكرير المراد منه التكثير كما في قوله تعالى: ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير ﴾ [الملك: 4] أي ارجع البصر كثيراً لأن البصر لا ينقلب حسيراً من رَجعتين.

ومن ذلك قول العرب: لَبَّيْك، وسَعْدَيك، ودَوَاليك» والتكرير يستلزم قوة الشيء المكرر فكانت القوة لازِمَ لازِممِ التثنية وإذا تعددت اللوازم كانت الكناية رمزية.

وليس ذلك مستفاداً من تعريف ﴿ العسر ﴾ باللام ولا من تنكير «اليسر» وإعادته منكراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الشَّرْحِ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِ اللَّهِ  عِنْدَ انْشِراحِ صَدْرِهِ لِما حَمَلَهُ مِن نُبُوَّتِهِ.

وَفي (نَشْرَحْ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ أزالَ هَمَّكَ مِنكَ حَتّى تَخْلُوَ لِما أُمِرَتْ بِهِ.

الثّانِي: أيْ نَفْتَحُ لَكَ صَدْرَكَ لِيَتَّسِعَ لِما حَمَلْتَهُ عَنْهُ فَلا يَضِيقُ، ومِنهُ تَشْرِيحُ اللَّحْمِ لِأنَّهُ فَتَحَهُ لِتَقْدِيدِهِ.

وَفِيما شَرَحَ صَدْرَهُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِأنْ مُلِئَ حِكْمَةً وعِلْمًا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بِما مَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ والِاحْتِمالِ، قالَهُ عَطاءٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: بِحِفْظِ القُرْآنِ وحُقُوقِ النُّبُوَّةِ.

﴿ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وغَفَرْنا لَكَ ذَنْبَكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ذُنُوبٌ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ تَعالى لَهُ.

الثّانِي: وحَطَطْنا عَنْكَ ثِقَلَكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ.

الثّالِثُ: وحَفِظْناكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ في الأرْبَعِينَ مِنَ الأدْناسِ حَتّى نَزَلَ عَلَيْكَ الوَحْيُ وأنْتَ مُطَهَّرٌ مِنَ الأدْناسِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أيْ أسْقَطْنا عَنْكَ تَكْلِيفَ ما لَمْ تُطِقْهُ، لِأنَّ الأنْبِياءَ وإنْ حَمَلُوا مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ عَلى ما يَعْجَزُ عَنْهُ غَيْرُهم مِنَ الأُمَّةِ فَقَدْ أُعْطُوا مِن فَضْلِ القُوَّةِ ما يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلى ثِقَلِ النُّبُوَّةِ، فَصارَ ما عَجَزَ عَنْهُ غَيْرُهم لَيْسَ بِمُطاقٍ.

﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ كَما يَنْقَضُّ البَعِيرُ مِنَ الحِمْلِ الثَّقِيلِ حَتّى يَصِيرَ نَقْضًا.

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أثْقَلَ ظَهْرَهُ بِالذُّنُوبِ حَتّى غَفَرَها.

الثّانِي: أثْقَلَ ظَهْرَهُ بِالرِّسالَةِ حَتّى بَلَّغَها.

الثّالِثُ: أثْقَلَ ظَهْرَهُ بِالنِّعَمِ حَتّى شَكَرَها.

﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ في الآخِرَةِ كَما رَفَعْناهُ في الدُّنْيا.

الثّالِثُ: أنَّ تُذْكَرَ مَعِيَ إذا ذُكِرْتُ، رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ أتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟

فَقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ)» قالَهُ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ يَخْطُبُ ولا يَتَشَهَّدُ، ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنَّ مَعَ اجْتِهادِ الدُّنْيا خَيْرَ الآخِرَةِ.

الثّانِي: إنَّ مَعَ الشِّدَّةِ رَخاءً، ومَعَ الصَّبْرِ سِعَةً، ومَعَ الشَّقاوَةِ سَعادَةً، ومَعَ الحُزُونَةِ سُهُولَةً.

وَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا عِنْدَ اللَّهِ لِيَفْعَلَ مِنهُما ما شاءَ.

الثّانِي: إنَّ مَعَ العُسْرِ في الدُّنْيا يُسْرًا في الآخِرَةِ.

الثّالِثُ: إنَّ مَعَ العُسْرِ لِمَن بُلِيَ يُسْرًا لِمَن صَبَرَ واحْتَسَبَ بِما يُوَفَّقُ لَهُ مِنَ القَناعَةِ أوْ بِما يُعْطى مِنَ السِّعَةِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ العُسْرُ في حَجَرٍ لَطَلَبَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ (وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ) .

وإنَّما كانَ العُسْرُ في المَوْضِعَيْنِ واحِدًا، واليُسْرُ اثْنَيْنِ، لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلى العُسْرِ وحَذْفِها مِنَ اليُسْرِ.

وَفي تَكْرارِ ﴿ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا مِن إفْرادِ العُسْرِ وتَثْنِيَةِ اليُسْرِ، لِيَكُونَ أقْوى لِلْأمَلِ وأبْعَثَ عَلى الصَّبْرِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.

الثّانِي: لِلْإطْنابِ والمُبالَغَةِ، كَما قالُوا في تَكْرارِ الجَوابِ فَيُقالُ بَلى بَلى، لا لا، قالَهُ الفَرّاءُ وقالَ الشّاعِرُ هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُومِ فَأوْلى لِنَفْسِيَ أوْلى لَها.

﴿ فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ مِن قِيامِ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: فَإذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ فانْصَبْ في دُعائِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: فَإذا فَرَغْتَ مِن جِهادِكَ عَدُوَّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الرّابِعُ: فَإذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عَمَلِ آخِرَتِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: فَإذا فَرَغْتَ مِن إبْلاغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ لِجِهادِ عَدُوِّكَ.

﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فارْغَبْ إلَيْهِ في دُعائِكَ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: في مَعُونَتِكَ.

الثّالِثُ: في إخْلاصِ نِيَّتِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: فارْغَبْ إلَيْهِ في نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ قال: شرح الله صدره للإِسلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ قال: مليء حلماً وعلماً ﴿ ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ﴾ قال: الذي أثقل الحمل ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: إذا ذكرتُ ذكرت معي.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن إبراهيم بن طهمان قال: سألت سعداً عن قوله: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ فحدثني به عن قتادة عن أنس قال: شق بطنه من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج من قلبه، فغسل في طست من ذهب، ثم ملئ إيماناً وحكمة، ثم أعيد مكانه.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبيّ بن كعب أن أبا هريرة قال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوّة؟

فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وقال: «لقد سألت أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهراً إذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟

فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أجدها في خلق قط وثياب لم أجدها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسّاً فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه.

فأضجعني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما: افلق صدره فخوّى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد.

فأخرج شيئاً كهيئة العلقة، ثم نبذها، فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هز ابهام رجلي اليمنى.

وقال: اغدوا سلم، فرجعت بها أغدو بها رقة على الصغير ورحمة للكبير» .

وأخرج أحمد عن عتبة بن عبد السلمي «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟

قال: كانت حاضنتي بنت سعد بن بكر» .

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ قال: ذنبك ﴿ الذي أنقض ظهرك ﴾ قال: أثقل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد الحضرمي ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ قال: وغفرنا لك ذنبك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله ﴿ وحللنا عنك وقرك ﴾ .

أخرج الشافعي في الرسالة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله: ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن قتادة ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: رفع الله ذكره في الدنيا والأخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن عساكر وابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال: إذا ذكر الله ذكر معه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: إذا ذكرت ذكرت معي ولا تجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك معي.

وأخرج ابن عساكر عن الحسن في قوله: ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: ألا ترى أن الله لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه.

وأخرج البيهقي في سننه عن الحسن ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: إذا ذكر الله ذكر رسوله.

وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟

قلت: الله أعلم.

قال: إذا ذكرت ذكرت معي» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته.

قلت: أي رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً.

قال: يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويت، وضالاً فهديت، وعائلاً فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك فلا أذكر إلا ذكرت معي واتخذتك خليلاً؟» .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما فرغت من أمر السموات والأرض قلت يا رب: إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته، اتخذت إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً، وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟

قال: أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؟

أن لا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤون القرآن ظاهراً، ولم أعطها أمة، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي: لا حول ولا قوّة إلا بالله» .

وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: لا يذكر الله إلا ذكرت معه.

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ قال: اتبع العسر يسراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بهذه الآية أصحابه فقال: «لن يغلب عسر يسرين» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ إن مع العسر يسراً ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلثمائة أو يزيدون، علينا أبو عبيدة بن الجراح، ليس معنا من الحمولة إلا ما نركب فزوّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من تمر، فقال بعضنا لبعض: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريدون وقد علمتم ما معكم من الزاد، فلو رجعتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألتموه أن يزوّدكم، فرجعنا إليه، فقال: إني قد عرفت الذي جئتم له، ولو كان عندي غير الذي زوّدتكم لزوّدتكموه.

فانصرفنا، ونزلت ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ فأرسل نبي الله إلى بعضنا، فدعاه، فقال: أبشروا فإن الله قد أوحى إليّ ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ وإن يغلب عسر يسرين» .

وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حجر، فقال: «لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه، فأنزل الله: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ ولفظ الطبراني: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ » .

وأخرج ابن النجار من طريق حميد بن حماد عن عائذ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعداً ببقيع الفرقد، فنزل إلى حائط فقال: «يا معشر من حضر والله لو كانت العسر جاءت تدخل الحجر لجاءت اليسر حتى تخرجها، فأنزل الله: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ » .

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لوكان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن مع العسر يسراً ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الصبر وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: لو كان العسر في حجر لتبعه اليسر حتى يدخل عليه ليخرجه، ولن يغلب عسر يسرين، إن الله يقول: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فرحاً مسروراً، وهو يضحك ويقول: «لن يغلب عسر يسرين ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين.

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ الآية قال: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، واسأل الله وارغب إليه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ الآية، قال: قال الله لرسوله: إذا فرغت من صلاتك وتشهدت فانصب إلى ربك واسأله حاجتك.

وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ إلى الدعاء ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ في المسألة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان ابن مسعود يقول: أيما رجل أحدث في آخر صلاته، فقد تمت صلاته، وذلك قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: فراغك من الركوع والسجود ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ قال: في المسألة وأنت جالس.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا جلست فاجتهد في الدعاء والمسألة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من أسباب نفسك فصل ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ قال: اجعل رغبتك إلى ربك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن الضحاك ﴿ فإذا فرغت ﴾ قال: من الصلاة المكتوبة ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ قال: في المسألة والدعاء.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ﴾ قال: أمره إذا فرغ من الصلاة أن يرغب في الدعاء إلى ربه، وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوه أن يجتهد في العبادة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من الجهاد فتعبد.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ قال الكلبي: مَعَ الفقر سعة (١) وقال مقاتل: يعني تتبع الشدة الرخاء (٢) (١) "الوسيط" 4/ 517.

(٢) المرجع السابق.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ هذا لصدره توقيف معناه إثبات شرح صدره صلى الله عليه وسلم وتعديد ما ذكر بعده من النعم، وشرح صدره صلى الله عليه وسلم هو اتساعه لتحصيل العلم، وتنويره بالحكمة، والمعرفة، وقيل هو شق جبريل لصدره في صغره، أو في وقت الإسراء حين أخرج قلبه وغسله ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: قول الجمهور أن الوزر الذنوب.

ووضعها هو غفرانها هو كقوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح: 2] وهذا على قول من جوّز صغائر الذنوب على الأنبياء، أو على ذنوبه كانت قبل النبوّة، الثاني: أن الوزر هو أثقال النبوة وتكاليفها، ووضعها على هذا هو إعانته عليها، وتمهيد عذره بعد ما بلغ الرسالة، الثالث: أن الوزر هو تحيره قبل النبوة، إذ كان يرى أن قومه على اضلال، ولم يأته من الله أمر واضح فوضعه على هذا هو بالنبوّة والهدى للشريعة ﴿ الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ عبارة عن ثقل الوزر المذكور وشدته عليه، قال الحارث المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفرة لهم لهمّهم بها وتحسرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله، وهي خفيفة عند الله، وهذا كما جاء في الأثر: «إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه تطير كالذبابة فوق أنفه» واشتقاق أنقض ظهرك من نقض البنيان وغيره، أو من النقيض وهو الصوت فكأنه يسمع لظهره نقيض كنقيض ما يحمل عليه شيء ثقيل.

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ أي نوّهنا باسمك وجعلناه شهيراً في المشارق والمغارب، وقيل: معناه اقتران ذكره بذكر الله في الأذان والخطبة والتشهد.

وفي مواضع من القرآن، وقد روي في هذا حديث أن الله قال له؛ إذا ذكرت ذكرت معي.

فإن قيل: لم قال لك ذكرك ولك صدرك مع أن المعنى مستقل دون ذلك؟

فالجواب أن قوله: لك يدل على الاعتناء به والاهتمام بأمره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف ﴿ صدرك ﴾ ه لا ﴿ وزرك ﴾ ه لا ﴿ ظهرك ﴾ ه لا ﴿ ذكرك ﴾ ﴿ يسراً ﴾ ه ط ﴿ فانصب ﴾ ه لا ﴿ فارغب ﴾ ه.

التفسير: روي عن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان: هذه السورة وسورة الضحى سورة واحدة فكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة من غير فصل بالبسملة.

والذي دعاهما إلى ذلك ما رأيا من المناسبة في معرض تعديد النعم بين قوله ﴿ ألم يجدك يتيماً  ﴾ وبين قوله ﴿ ألم نشرح ﴾ وفيه ضعف، لأن القرآن كله في حكم وكلام واحد فلو كان هذا القدر يوجب طرح البسملة من البين لزم ذلك في كل السور أو في أكثرها، على أن الاستفهام الأول وارد بصيغة الغيبة، والثاني بصيغة التكلم، وهذا مما يوجب المباينة لا المناسبة.

قال جار الله: استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار فأفاد إثبات الشرح وإيجابه فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك ولذلك عطف عليه ﴿ وضعنا ﴾ اعتباراً للمعنى.

قلت: اعتبار المعنى من جانب ﴿ وضعنا ﴾ أصوب وأنسب ليكون الكل داخلاً في الاستفهام الإنكاري كأنه قيل: ألم نشرح ولم نضع ولم نرفع ومثله ما مر في والضحى ألم يجدك يتيماً أو لم يجدك ضالاً.

ونقول: معنى ﴿ ألم نشرح ﴾ أما شرحنا فيصح العطف عليه بهذا الاعتبار ليشمل الاستفهام مجموع الأفعال وهكذا في " والضحى ".

وفائدة العدول من المتكلم الواحد إلى الجمع إما تعظيم حال الشرح وإما الإعلام بتوسط الملك في ذلك الفعل كما روي أن جبرائيل أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ثم ملأه علماً وإيماناً ووضعه في صدره.

طعن القاضي فيه من جهة أن هذه الواقعة من قبيل الإعجاز فكيف يمكن تصديقها قبل النبوة؟

ومن جهة أن الأمور المحسوسة لا يقاس بها الأمور المعنوية.

وأجيب عن الأول بأن الإرهاص جائز عندنا، وعن الثاني بأنه يفعل ما يشاء، ولا يبعد أنه تعالى جعل ذلك الغسل والتنقية علامة تعرف الملائكة بها عصمته عن الخطايا.

والأكثرون على أن الشرح أما معنوي وهو إما نقيض ضيق العطن بحيث لا يتأذى من كل مكروه وإيحاش يلحقه من كفار قومه فيتسع لأعباء الرسالة كلها ولا يتضجر من علائق الدنيا بأسرها، وإما خلاف الضلال والعمه حتى لا يرى إلا الحق ولا ينطق إلا بالحق ولا يفعل إلا للحق.

قال المحققون: ليس للشيطان إلى القلب سبيل ولهذا لم يقل " ألم نشرح قلبك " وإنما يجيء الشيطان إلى الصدر الذي هو حصن القلب فيبث فيه هموم الدنيا والحرص على الزخارف فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإيمان حلاوة ولا على الإسلام طلاوة، فإذا طرد العدو بذكر الله والإعراض عمّا لا يعينه حصل الأمن وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية.

وفوائد إقحام لك دون أن يقتصر على قوله ﴿ ألم نشرح صدرك ﴾ ما مر في قوله ﴿ رب اشرح لي صدري  ﴾ من الإجمال ثم التفصيل، ومن إرادة الاختصاص أو كونه أهم.

قال أهل المعاني ومنهم جار الله: الوزر الذي أنقض ظهره أي أثقله مثل لما صدر عنه من بعض الصغائر قبل النبوة ولما جهله من الأحكام والشرائع، أو لما كان تهالك عليه من إسلام أولي العناد فيغتم بسبب ذلك، ووضعه عنه أن غفر له أو أنزل عليه الكتاب.

أو قيل له: إن عليك إلا البلاغ لست عليهم بمصيطر.

والأصل في الإنقاض أن الظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي كصوت المحامل والرحال وكل ما فيه انتقاض وانفكاك.

وقيل: المراد بالوزر أعباء الرسالة وبوضعه تسهيل الله  ذلك عليه ومن جملتها أنه كان يفزع في الأوائل حتى كاد يرمي بنفسه من الجبل فقوي وألف بالوحي حتى كاد يرمي بنفسه إذا فتر الوحي أو تأخر.

وقيل: المراد إزالة الحيرة التي كانت له قبل البعث، كان يريد أن يعبد ربه وما كانت نفسه تسكن إلى الشرائع المتقدمة لوقوع التحريف فيها.

ورفع ذكره أن قرن اسمه باسم الله في الشهادة والأذان والتشهد والخطب.

وجاء ذكره في القرآن مقروناً بذكر الله في غير موضع، وعلى سبيل التعظيم مثل النبي والرسول.

ومن رفع الذكر أن جاء العته في الكتب السماوية كلها وأخذ على أمم الأنبياء كلهم أن يؤمنوا به.

ثم إنهم كانوا يعيرون رسول الله  بالفقر فقيل له: لا يحزنك قولهم ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ أي بعد العسر الذي أنتم فيه يسر وأي يسر جعل الزمان القريب كالمتصل والمقارن زيادة في التسلية وقوة الرجاء.

روى مقاتل عن النبي  أنه خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول: لن يغلب عسر يسرين.

فقال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة فيكون المراد بالعسر في الموضعين شيئاً واحداً، وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير فكان أحدهما غير الآخر وزيفه الجرجاني بأنه من المعلوم أن القائل إذا قال: إنّ مع الفارس سيفاً إن مع الفارس سيفاً.

لم يلزم منه أن يكون هناك فارس واحد معه سيفان.

وأقول: إذا كان المراد بالعسر الجنس لا العهد لزم اتحاد العسر في الصورتين.

وأما اليسر فمنكر فإن حمل الكلام الثاني على التكرار مثل ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان  ﴾ ونحوه كان اليسران واحداً.

وإن حمل على أنه جملة مستأنفة لزم أن يكون اليسر الثاني غير الأول وإلا كان تكراراً والمفروض خلافه.

وإن كان المراد العسر المعهود فإن كان المعهود واحداً وكان الثاني تكراراً كان اليسران أيضاً واحداً، وإن كان مستأنفاً كانا اثنين وإلا لزم خلاف المفروض، وغن كان المعهود اثنين فالظاهر اختلاف اليسرين وإلا لزم أو حسن أن يعاد اليسر الثاني معرفاً بلام العهد فهو واحد والكلام الثاني تكرير للأول لتقريره في النفوس إلا أنه يحسن أن يجعل اليسر فيه مغايراً للأول لعدم لام العهد.

ولعل هذا معنى الحديث إن ثبت والله أعلم ورسوله.

وإذا عرفت هذه الاحتمالات فإن لم يثبت صحة الحديث أمكن حمل الآية على جميعها، وإن ثبت صحته وجب حملها على وجه يلزم منه اتحاد العسر واختلاف اليسر.

وحينئذ يكون فيه قوة الرجاء ومزيد الاستظهار برحمة الكريم.

وأما اليسران على تقدير اختلافهما فقيل: يسر الدنيا ويسر الآخرة أي إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر العاجل إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر الآجل.

وقيل: ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله  ثم في أيام الخلفاء الراشدين، والأظهر الجنس ليكون وعداً عاماً لجميع المكلفين في كل عصر.

وحين عدد عليه النعم السابقة ووعده النعم اللاحقة من اليسر والظفر رتب عليه ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال قتادة والضحاك ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب أي اتعب للدعاء وأرغب إلى ربك في إنجاز المأمور لا إلى غير يعطك خير الدارين.

وعن الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك.

وعن مجاهد: إذا فرغت من أمور دنياك لما وعدناك من اليسر والظفر فانصب للعبادة والدعوة.

وعن شريح أنه مر برجلين يتصارعان فقال: ما بهذا أمر الفارغ وقعود الرجل فارغاً من غير شغل قريب من العبث والاشتغال بما لا يعني، فعلى العاقل أن لا يضيع أوقاته في الكسل والدعة ويقبل بجميع قواه على تحصيل ما ينفعه في الدارين والله  عالم بحقائقه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ .

المخاطب فيه هذه السورة من الله -  - [رسول الله  ] خاطبه أياه؛ حيث قال: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ إلى ما ذكر.

والمخاطبة في سورة الضحى إنما كانت من غير الله -  - إياه، كان جبريل -  - خاطبه في ذكر منن الله  أياه، وذكر نعمه ألا ترى أنه قال: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ  ﴾ ، ولم يقل: ما ودعناك.

[ويجوز أن يكون الخطاب في سورة ﴿ وَٱلضُّحَىٰ ﴾ من الله على الغاية؛ [كما] يقال: إن أمير المؤمنين يقول: كذا، ويريد نفسه].

ثم اختلف في قوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ : قال بعضهم: شرح صدره للإسلام؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  ﴾ .

أخبر أن من شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه.

والشرح، قيل: هو التليين، والتوسيع، والفتح، أي: ألم نوسع لك صدرك ونفتح ونلين للإسلام.

وقد روي في الخبر "أنه لما نزل هذا، قيل: يا رسول الله، [وهل لذلك من علامة؟] فقال: بلى، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله" لكن يعرف ذلك من رسول الله  بطريق الحقيقة، ويظهر منه ذلك باليقين، فأما من غيره فإنما يعرف التجافي من دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود بالتقارب، وغالب الظن؛ لأن رسول الله  كانت له الآخرة لا محالة، وأمورها كالمشاهدة والمعاينة، وكذلك جميع الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فأما لغيرهم فلا نحكم بذلك؛ فلا يبلغ ذلك، وهو كما ذكر أن رؤيا الأنبياء كالعيان، أي: تعرف بطريق اليقين، بخلاف رؤيا غيرهم.

وقال بعضه: شرح صدره؛ لأنه لما كلف بتبليغ الرسالة إلى الجن والإنس وإلى الفراعنة والجبابرة الذين همتهم إهلاك من يخالفهم، والإقلات عن عبادة من يعبد الله ضاق صدره لذلك، وثقل على قلبه؛ فوسع الله صدره وشرحه حتى هان ذلك عليه وخف، وهو قول أبي بكر الأصم، إلا أنه يقول: فعل ذلك به، وحقق بالآيات والحجج، ونحن نقول باللطف منه، حتى قام بوفاء ما كلف وأمر، وأما هو لا يقول باللطف والاختصاص [للبعض دون البعض؛ لقوله] بالأصلح.

ويحتمل أن يكون ما ذكر من شرح صدره وتوسيعه هو ما ذكر في قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ  ﴾ ، وخلقه كان يجاوز وسعة طاقته؛ حتى كادت نفسه تهلك لمكان كفر أولئك، وما يعلم أنه ينزل بهم؛ إشفاقا عليهم، ورحمة، كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الآية [الشعراء: 3] وقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ...

﴾ الآية [هود: 12]، وغير ذلك من أمثال هذا، وذلك - والله أعلم - ما وصف من خلقه أنه عظيم، فوسع صدره وشرحه حتى يخفف ذلك عليه؛ حيث قال له: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ...

 ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ \[الآية\] [الحجر: 88].

وقال الحسن في قوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ : بلى، قد شرح له صدره، وملأه علما وحكمة.

ثم قوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ إلى [آخر] ما ذكر، إن كان المخاطب به رسول الله  ، وهو المعنى و المراد به، فتأويل السورة يخرج على ما ذكرنا من تيسير الأمر عليه، وتخفيف ما [حمله عليه] وأمر به.

وقوله -  -: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ : على ابتداء وضع الوزر والإثم على ما نذكر، وإن كان المخاطب به غيره وهم أمته، وإن كان الخطاب أضيف إليه، فالأمر فيه سهل، وإن كان الخطاب على الاشتراك، فيحتاج إلى التأويل أيضا.

وقوله -  -: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ : قال عامة أهل التأويلأ: على تحقيق الوزر له والإثم؛ كقوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ...

 ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ ، يقولون: أثبت له الذنب والوزر، فوضع ذلك عنه، ولكن هذا وحش من القول، لكنا نقول: إن قوله: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ : الوزر هو الحمل والثقل؛ كأنه يقول: قد خففنا [عليك] ما حمل عليك من أمر النبوة والرسالة والأحمال التي حملت عليك؛ كأنه يقول: قد خفف ذلك عليك، ما لو لم يكن تخفيفنا إياها عليك لأنقض ظهرك، أي: أثقل، والله أعلم.

والثاني: جائز أن يكون [قوله]: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ ابتداء وضع الوزر، أي: عصمك وحفظك، ما لو لم يكن عصمته إياك لكانت لك أوزارو آثام، كقوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ  ﴾ ، أي: لو لم يهدك لوجدك ضالا؛ لأنه كان بين قوم ضلال، ولكن هداه فلم يجده ضالا؛ فعلى ذلك ما ذكر من وضع وزره ا بتداء، وهوكقوله: ﴿ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ، أي: عصمكم عن أن تدخلوا فيها، [لا] أن كانوا فيها، ثم أخرجهم، ولكن ابتداء إخراج، [فعلى ذلك] ما ذكر من وضع وزره.

وقوله: ﴿ أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ ، أي: أثقل ظهرك.

وقوله: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ : جائز أن يكون رفع ذكره؛ لما ألزم الخلق الإيمان به حتى لا يقبل من أحد الإيمان بالله  ، والتوحيد له، [والطاعة] والعبادة إلا الإيمان به والطاعة له، قال الله -  -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ...

 ﴾ ، وقال: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ...

 ﴾ .

وجائز أن يكون ما ذكر من رفع ذكره هو أنه يذكر حيث ذكر الله، قرن ذكره بذكره في الأذان والإقامة، وفي الصلاة، [و]في التشهد، وفي غيره من الخطب، والله أعلم.

والأول عندنا أرفع وأعظم من الثاني.

وجائز أن يكون رفع ذكره ما أضاف اسمه إلى اسمه بما قال: رسول الله، ونبي الله، ولم يسمه باسمه على غير إضافة [إلى] الرسالة والنبوة، قال: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ...

 ﴾ ، وقال: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ...

 ﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ...

 ﴾ ، ونحو ذلك، وهو المخصوص بهذا دون غيره من إخوانه  ؛ لأنه قلما أضاف اسمهم إلى اسمه، وقلما قرن أسماءهم باسمه، بل ذكرهم بأسمائهم، كقوله: ﴿ وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ...

 ﴾ ، [وقوله]: ﴿ وَيُونُسَ وَلُوطاً  ﴾ ، ونحو ذلك.

أو رفع ذكره بما عظَّمه وشرفه عند الخلق كله، حتى إن من استخف به خسر الدنيا والآخرة.

وقوله -  -: ﴿ فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً ﴾ : روي في الخبر أنه قال: "لن يغلب عسر يسرين" قال بعضهم: إنما كان عسرا واحدا، وإن ذكره مرتين؛ لأن العسر الثاني ذكره بحرف التعريف؛ فهو الأول واحد؛ واليسر ذكره بحرف النكرة؛ فهو غير الأول.

وقال أبو معاذ: كلما كررت المعرفة كان واحدا، والنكرة على العدد؛ يقال في الكلام: إن مع الأمير غلاما إن مع الإمير غلاما، فالامير واحد ومعه: غلامان، وإذا قيل: إن مع الأمير الغلام، إن مع الأمير الغلام؛ فالامر واحد والغلام واحد، وإذ قيل: إن مع أمير غلام، إن مع أمير غلام، فهما أميران وغلامان؛ فعلى ذلك ما ذكر هاهنا.

ثم قوله: "يسرين" هو يسر الإسلام والهدى، ويجوز أن يطلق اسم اليسر على الإسلام والدين، قال الله -  -: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ ، ويسر آخر: ما وعد لهم من السعة في الدنيا.

ويحتمل أن يكونا يسرين: أحدهما: رجاء اليسر، والآخر وجوده، فهما يسران: الرجاء والوجود.

ويحتمل أن يكون يسراً في الدنيا، ويسراً في الآخرة.

أو أن يكون توسيعاً: [توسع] عليهم الدنيا، ويسراً ثانياً: ما يفتح لهم الفتوح في الدنيا، ويسوق إليهم المغانم والسبايا، والله أعلم.

ثم قالوا في قوله: ﴿ إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً ﴾ ، أي: بعد العسر يسر.

وأصله أن حرف "مع" إذا أضيف إلى الأوقات والأحوال يقع على اختلاف الأوقات في المكان الواحد، وإذا أضيف إلى المكان يقع على اختلاف المكان في وقت واحد، وهاهنا أضيف إلى الوقت؛ فهو على اختلاف الأوقات واحدا بعد واحد؛ فإذا قيل: فلان مع فلان في مكان، فالوقت واحد، والمكان مختلف متفرق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ ﴾ : قال بعضهم: إذا فرغت في دنياك فانصب لآخرتك، وهو من النصب، أي التعب.

وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوة أن يجتهد في العبادة له، لكن هذا بعيد؛ لأنه نزل ذلك بمكة، ولم يكن أمر بالغزو والجهاد بمكة، إلا أن يكون أمر بالجهاد بمكة في أوقات تأتيه في المستقبل؛ فيكون الحكم لازما عليه في تلك الأوقات، لا في حال ورود الأمر.

وقال بعضهم: فإذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء.

وقال قتادة: إذا فرغ من الصلاة أن يبالغ في دعائه وسؤاله أياه.

وعن ابن مسعود -  - قال: فإذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل.

ويحتمل عندنا: إذا فرغت من تبليغ الرسالة إليهم، فانصب لعبادة ربك والأمور التي بينك وبين ربك، على ما ذكرنا في أحد التأويلين في قوله: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً  ﴾ : في أمر الرسالة والتبليغ، واذكر اسم ربك فيما بينك وبين ربك.

ويجب ألا نتكلف تفسير ما ذكر في هذه السورة من أولها إلى آخرها؛ لأنه أمر بينه وبين ربه، وكان رسول الله  يعلم ما أراد به فيما خاطبه من الجميع، وأنه فيم كان؟

وقد كان خصوصا له، وليس شيئاً مما يجب علينا العمل به حتى يلزمنا التكلف لاستخراج ذلك سوى الشهادة على الله  ؛ فكان الإمسك عنه أولى، وترك التكليف فيه الاشتغال به أرفق وأسلم، [والله الموفق].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن مع الشدّة والضيق سهولة واتساعًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.g85ny"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  ﴾ - الشرح التوسعة والبسط، وعظم الصدر من الجسم كان عند العرب دليل القوة وعظم المنة، وكثيرًا ما يفتخر مفتخرهم بعظم صدره، ولهم الحق، لأنه يعطي الأحشاء فسحة للنمو مع الراحة.

والقوي قاهر لما ينتابه، فهو في مسرة وحضور رأي دائمًا، لا يضيق ذرعه بأمر.

ولذلك كنوا بشرح الصدر عن المسرة وانبساط النفس إلى الفعل والقول.

وقد شرح الله صدر نبيه بإخراجه من تلك الحيرة التي كان يضيق لها صدره بما كان يلاقيه في سبيله من جمود قومه وعنادهم، فكان يلتمس الطريق لهدايتهم، فعلمه الله كيف يسلك إلى نفوسهم، وهداه بالوحي إلى الدين الذي ينقذهم به من الهلكة التي كانوا أشرفوا عليها.

وقد كان ما يهمه من أمرهم حملًا ثقيلًا عليه، فوضعه الله عنه، وأراحه من ثقله بقيادة الله له في سبيل نجاتهم، وتعهده بالوحي كلما التبس عليه أمر أو ضاق عليه مذهب.

فبهذه الهداية التي تكفل له بها قد وضع عنه ذلك العبء الثقيل كما قال ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ  الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ  ﴾ والوزر هو الحمل.

وإنقاض الظهر أن يحدث فيه صوت الانتقاض والانفكاك.

ونقض الظهر الصوت الذي يحدث فيه لثقل الحمل وهو معروف.

والكلام على التمثيل، فإن ما كان يحمله  من ثقل الاهتمام بشأن قومه، وضيق المذاهب بين يديه قبل تواتر الوحي عليه بالإرشاد، لم يكن ثقلًا حسيًا ينقض منه الظهر، ولكنه كان همًا نفسيًا بالحمل الذي تقصم له الظهور.

هداه الله إلى إنقاذ أمة -بل أمم كثيرة- من رق الأوهام وفساد الأحلام، ورجع بهم إلى الفطرة السليمة: حرية العقل والإرادة والإصابة في معرفة الحق ومعرفة من يقصد بالعبادة، فاتحدت كلمتهم في الاعتقاد بالإله الواحد، فاستخلصوا حياة كانت في مخالب الموت كما قال: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا  ﴾ ، فمن كان هذا عمله فأي ذكر أرفع من ذكره؟

وأي شأن أعلى من شأنه؟

هذا إلى ما فرض الله من الإقرار والاعتراف برسالته بعد بلوغ دعوته وجعلها شرطًا في دخول جنته.

فهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ  ﴾ .

والإتيان بالجار والمجرور: "لك وعنك" وتقديمه على المفعول في الآيات الثلاث لزيادة التقرير والإسراع بالتبشير.

هذا الذي منحناه من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر-بعد ضيق الأمر واستحكام حلقات الكرب في أول السير- كان على ما جرت به سنتنا في هذا النوع من خليقتنا، وهو إن مع العسر يسرًا.

ولهذا وصل العبارة بالفاء التي لبيان السبب في قوله: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا  ﴾ .

"ألـ" في العسر للاستغراق، ولكنه استغراق المعهود عند المخاطبين من أفراده أو أنواعه.

فهو العسر الذي يعرض من الفقر والضعف وجهل الصديق وقوة العدو، وقلة الوسائل إلى المطلوب ونحو ذلك مما هو معهود ومعروف.

فهذه الأنواع من العسر مهما اشتدت، وكانت النفس حريصة على الخروج منها طالبة لكشف شدتها، واستعملت من وسائل الفكر والنظر والعمل ما من شأنه أن يعد لذلك في معروف العقل، واعتصمت بعد ذلك بالتوكل على الله حتى لا تضعفها الخيبة لأول مرة، ولا يفسخ عزيمتها ما تلاقيه عند الصدمة الأولى- فلا ريب في أن النفس تخرج منها ظافرة.

وقد كان هذا حال النبي  ، فإن ضيق الأمر عليه كان يحمله على الفكر والنظر حتى آتاه الله ما هو أكبر من ذلك، وهو الوحي والنبوة.

ثم لم تكسر مقاومات قومية شيئًا من عزمه، بل ما زال يلتمس الغنى في الفقر، والقوة في الضعف، حتى أوتي من ذلك ما زعزع أركان الأكاسرة والقياصرة، وترك منه لأمته ما تمتعت به أعصارًا طوالًا.

وما كان أحقها بأن تتمتع بهذا الميراث الكريم لو بقيت أمة له حقيقة كما هي أمة له اسمًا!

ولكنها قطعت النسب بينها وبين مورثها فسلبها الله ما ترك لها من ميراث وأعطاه أعداءها: شأن الله مع من لا يشعر بشرف بيته ومكانه من حسبه، وإنما بقيت لها ألقاب وأسماء كما يبقى للسفهاء من آبائهم الأغنياء!.

وكان في هذه الآية عبرة لهذه الأمة وكان عليها أن تعرف أن مع العسر يسرًا، وأن وعد الله في ذلك حق، وأن تقتدي بنبيها في طلب الوسائل للخلاص مما هي فيه وعندها كتاب الله وحده هداية للمهتدي وقدوة للمقتدي.

ولما كانت القضية موضعًا للريب -خصوصًا عند من أخذ الضيق بخناقه- أكدت "بإن".

ولما كان الشك يزداد -بل قد ينتهي إلى الإنكار في بعض أنواع العسر- استأنف القضية نفسها، وأعادها بلفظها فقال: ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  ﴾ ولكن على أن يكون معناها أعم من معنى سابقتها.

قد تقع أمم أو أشخاص في ضرب من ضروب العسر من نوع ما سبق، ثم يجدون الضعف من هممهم عن الخلاص مما أطبق عليهم منه، فيدوم لهم العسر، وقد يموتون وتنشأ فيه أعقابهم فأين اليسر الذي يصحب العسر عند هؤلاء؟

ومن ضروب العسر ما يختلف نوعه عن المعهود، كالمرض الطويل المفضي إلى الموت، وكالزمانة التي تصحب الزَّمن من أول حياته إلى مماته، فأي يسر جاء مع عسرها؟

فجاءت هذه الآية المستأنفة لرفع هذا الاشتباه في عموم السنة الإلهية.

وذلك أن أولئك الذين استعملوا ما وهبهم الله من القوى للخلاص مما ينزل بهم -إذا كان مما يمكن كشفه- لا ريب في كشف العسر عنهم بنوع من أنواع اليسر، كما وقع للنبي  وأصحابه.

أما الآخرون الذين لا بصيرة عندهم في تصريف تلك المواهب الإلهية، بل يطلبون أن ينتهوا إلى الغايات بغير بدايات، وأن يصلوا إلى المقصد بغير وسيلة، فلا يستعملون عقولهم ولا عزائمهم في دفع ما يحل بهم، وليس لهم ثقة بربهم فيعلموا معتمدين عليه- هؤلاء يحسون بالألم حينًا، ثم تخنس نفوسهم وتقبع في جحر من الاستكانة، وتستقر فيها طمأنينة الرضى بما غمرها من الضر فتسلب الإحساس به.

ثم إذا طال بها الزمن فيه تحول الألم إلى لذة بالمعتاد.

ولا عجب من تحول الألم إلى لذة، فإنك تراه في شارب الدخان مثلًا يألم لأول مرة، بل قد يأخذه الدوار وأشد آلام الصداع، ثم لا يلبث أن يكون عادة مرغوبة يألم أشد الألم لتركها.

ومن هذا تجد الأمم التي تعودت على عسر الاستبداد والظلم قد ألفت ذلك حتى صار يصعب عليها أن تحتمل غيره، ولا تزال تحن إليه.

وكلما طلب إبعادها عنه اندفعت بالإقبال عليه.

فهذا نوع من اليسر وإن كان أشأم من العسر، ولكن أليست النفس راضية به مطمئنة إليه؟

أما المرض الطويل الممتد إلى الموت، والزمانة مما لا يمكن كشفه، فلك أن تقول أنه لا يدخل في أنواع العسر التي شملها استغراق العهد.

فإن الاستغراق للعسر والضيق المعهودين وهما ما يمر بالخاطر إذا وقع الحديث على العسر أو الضيق، وذلك هو الأنواع التي ذكرناها في تفسير الآية السابقة ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  ﴾ .

وبالجملة فالعسر الداخل في الاستغراق، هو كل ما تجد النفس ألم الوقوع فيه، وتنزع إلى طلب الخلاص منه بالوسائل التي سنها الله لذلك الخلاص.

ولا ريب في أن كل عسر من هذا القبيل فمعه يسر يسوقه الله إلى العامل الآمل العاقل جزاء عمله لتحقيق أمله واستعماله لموهبة عقله.

أما مثل الزمانة والمرض الطويل فيدخلان في نحو قوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ .

وكذلك يقال في عارض يعرض للأمة إذا حم هلاكها كزلزال ونحوه، والله أعلم.

وتنكير اليسر لأن الذي يأتي بعد العسر أي نوع من أنواعه لا يختص بيسر معين.

والتعبير بالمعية لتوثيق الأمل لا بد منه كأنه معه.

إذا علمت أن مع العسر يسرًا، فاعلم أن مع التعب في العمل النافع راحة (فإذا فرغت) من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك (فانصب): أي خذ في عمل آخر واتعب فيه، فإنك تجد لذة الراحة عقب النصب بما تجنيه من ثمرة العمل.

(وإلى ربك فارغب): أي لا ترغب إلى أحد في استثمار أعمالك إلا إلى الله وحده.

والسورة مكية عند الجمهور، بل زعم بعضهم أنها تتمة لسورة الضحى.

وعلى هذا تكون المنة بشرح الصدر مبنية على عود الوحي، والتبشير بما جاء في سورة الضحى.

وقال البقاعي إنها مدنية بناء على ما يفهم من التقرير بشرح الصدر وما بعده.

وهذا إنما كان بعد ظهور القوة، وبعد أن فتح الله على المسلمين ما فتح عليهم، وأكمل لهم النعمة بغلبة حقهم على باطل عدوهم، والله أعلم.

مزيد من التفاسير لسورة الشرح

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله