الإسلام > الأضحية والعقيقة > شروط صحة الأضحية > الشرط الرابع: ألا يشارك المضحي فيما يحتمل الشركة من لا يريد أن يضحي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوالدَّليلُ على جوازِ ذَبحِه قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فكان على عُمومِه في الضَّحايا وغيرِها؛ ولأنَّ كلَّ مَنْ كان من أهلِ الكِتابِ صحَّ أنْ يَذبحَ الأُضحيَّةَ كالمُسلمِ؛ ولأنَّه ذَبحٌ يَصحُّ من المُسلمِ، فصَحَّ من الكِتابيِّ كالذَّكاةِ؛ ولأنَّ مَعونةَ الكافرِ على القُربِ لا تَمنعُ من الإجزاءِ، كاستِنابتِه في تَفريقِ الزَّكواتِ والكَفاراتِ وبِناءِ المَساجدِ والقناطرِ (١).
الشَّرطُ الرابِعُ: ألَّا يُشاركَ المُضحِّي فيما يَحتملُ الشَّركةَ مَنْ لا يُريدُ أنْ يُضحِّيَ:
نصَّ الحَنفيةُ على أنَّ مِنْ شَرطِ صِحةِ الأُضحيَّةِ ألَّا يُشارِكَ المُضحِّي فيما يَحتملُ الشَّركةَ من لا يُريدُ القُربةَ رأسًا، فإنْ شارَك لم يَجزْ عن الأُضحيَّةِ، وكذا هذا في سائرِ القُربِ سِوى الأُضحيَّةِ إذا شارَك المُتقرِّبَ مَنْ لا يُريدُ القُربةَ لم يَجزْ عن القُربةِ كما في دَمِ المُتعةِ والقِرانِ والإحصارِ وجَزاءِ الصَّيدِ وغيرِ ذلك، فلو اشتَرك سَبعةٌ في بَعيرٍ أو بَقرةٍ كلُّهم يُريدون القُربةَ في الأُضحيَّةِ أو غيرِها من وُجوهِ القُربِ إلا واحِدًا منهم يُريدُ اللَّحمَ، لا يُجزِئُ واحِدًا منهم من الأُضحيَّةِ ولا من غيرِها من وُجوهِ القُربِ؛ لأنَّ القُربةَ في إراقةِ الدَّمِ، ولا تَتجزَّأُ لأنَّها ذَبحٌ واحِدٌ، فإذا لم يَقعْ قُربةً من بَعضٍ لا يَقعُ
(١) «فتح باب العناية بشرح النقاية» (٥/ ٢٤٥)، و «درر الحكام» (٣/ ٢٦٨)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٩١، ٩٢)، و «المغني» (٩/ ٣٦٠)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٨٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٧)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٢٦٩).
قُربةً من الباقين ضَرورةَ عَدمِ التَّجزُّؤِ، ولو أرادوا القُربةَ في الأُضحيَّةِ أو غيرِها من القُربِ أجزأهم سَواءٌ كانت القُربةُ واجبةً أو تَطوعًا أو وجَبت على بعضٍ دونَ بعضٍ، وسَواءٌ اتَّفَقت جِهاتُ القُربةِ أو اختلَفت بأنْ أراد بعضُهم الأُضحيَّةَ وبعضُهم جَزاءَ الصَّيدِ وبعضُهم هَديَ الإحصارِ وبعضُهم كَفارةَ شيءٍ أصابَه في إحرامِه وبعضُهم هَديَ التطوُّعِ وبعضُهم دَمَ المُتعةِ والقِرانِ، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ.
وقال زُفرُ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ إلا إذا اتَّفَقت جِهاتُ القُربةِ بأنْ كان الكلُّ بجِهةٍ واحِدةٍ.
وَجهُ قولِه: أنَّ القياسَ يأبى الاشتِراكَ؛ لأنَّ الذَّبحَ فِعلٌ واحِدٌ لا يَتجزَّأُ فلا يُتصوَّرُ أنْ يَقعَ بعضُه عن جِهةٍ وبعضُه عن جِهةٍ أُخرى؛ لأنَّه لا بعضَ له إلا عندَ الاتِّحادِ، فعندَ الاتِّحادِ جُعِلت الجِهاتُ كجِهةٍ واحِدةٍ، وعندَ الاختِلافِ لا يُمكِنُ فبقِي الأمرُ فيه مَردودًا إلى القياسِ.
ووَجهُ قَول الأئمَّةِ الثَّلاثةِ: أنَّ الجِهاتِ وإنِ اختلَفت صُورةً فهي في المَعنى واحِدٌ؛ لأنَّ المَقصودَ من الكلِّ التَّقربُ إلى اللهِ عزَّ شأنُه، وكذلك إنْ أراد بعضُهم العَقيقةَ عن وَلدٍ وُلدَ له من قَبلُ؛ لأنَّ ذلك جِهةُ التَّقرُّبِ إلى اللهِ تَعالى عزَّ شأنُه بالشُّكرِ على ما أنعَم عليه من الوَلدِ، كذا ذكَر مُحمدٌ رحمة الله عليه في نَوادرِ الضَّحايا، ولم يَذكُر ما إذا أراد أحدُهم الوَليمةَ وهي ضيافةُ التَّزويجِ وينبَغي أنْ يَجوزَ؛ لأنَّها إنَّما تُقامُ شُكرًا للهِ تَعالى عزَّ شأنُه على نِعمةِ النِّكاحِ، وقد وردَت السُّنةُ بذلك عن رَسولِ اللهِ
ﷺ أنَّه قال: «أَولِمْ ولو بشاةٍ» فإذا قصَد بها الشُّكرَ أو إقامةَ السُّنةِ فقد أراد بها التَّقرُّبَ إلى اللهِ عزَّ شأنُه.
قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ورُوي عن أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه أنَّه كَرِه الاشتِراكَ عندَ اختِلافِ الجِهةِ، ورُوي عنه أنَّه قال: لو كان هذا من نَوعٍ واحدٍ لَكانَ أَحبَّ إليَّ، وهكذا قال أبو يُوسفَ رحمة الله عليه، ولو كان أحدُ الشُّركاءِ ذِميًّا كِتابيًّا أو غيرَ كِتابيٍّ وهو يُريدُ اللَّحمَ، أو أرادَ القُربةَ في دِينِه لم يُجزِئْهم عندَنا؛ لأنَّ الكافرَ لا تَتحقَّقُ منه القُربةُ، فكانت نِيتُه مُلحَقةً بالعَدمِ، فكان مُريدًا للَّحمِ، والمُسلمُ لو أراد اللَّحمَ لا يَجوزُ عندَنا فالكافرُ أوْلى (١).
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَجوزُ الاشتِراكُ في البَدنةِ عن سَبعةٍ، والبَقرةِ عن سَبعةٍ، ولو كانوا مُفتَرِضينَ أو مُتطوِّعينَ في قُربٍ مُتماثِلةٍ أو مُختلِفةٍ أو بعضُهم يُريدُ حقَّه لَحمًا، وبعضُهم يَكونُ به مُتقرِّبًا، وسَواءٌ كانوا من أهلِ بَيتٍ واحدٍ أو بُيوتٍ شتَّى؛ لأنَّ كلَّ ما جازَ أنْ يَشترِكَ فيه السَّبعةُ إذا كانوا مُتقرِّبين جازَ أنْ يَشترِكوا فيه، وإنْ كان بعضُهم غيرَ مُتقرِّبٍ كالسَّبعِ من الغَنمِ. ولأنَّ سَهمَ كلِّ واحدٍ مُعتبَرٌ بنِيتِه لا بنِيةِ غيرِه؛ لأنَّهم لو اختلَفت قُرَبُهم فجَعل بعضُهم سَهمَه عن قِرانٍ وبعضُهم عن تَمتُّعٍ، وبعضُهم عن
(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ٨٥)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٧١، ٧٢)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٨١، ٤٨٢)، و «اللباب» (١/ ٣٧٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٢٢، ٢٢٤)، و «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٧٤، ١٧٦)، و «أحكام القرآن» (١/ ٣٣٩)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ٣٠٤).
حَلقٍ، وبعضُهم عن لِباسٍ جازَ كذلك إذا جعَل بعضُهم سَهمَه لَحمًا؛ لأنَّ نَيةَ غيرِ المُتقرِّبِ لا تُؤثِّرُ في نِيةِ المُتقرِّبِ.
ويَجوزُ أنْ يَنحرَ الواحِدُ بَدنةً أو بَقرةً عن سَبعِ شِياهٍ لزِمته بأسبابٍ مُختلِفةٍ، كتَمتُّعٍ وقِرانٍ وفَواتٍ ومُباشَرةٍ ومَحظوراتٍ في الإحرامِ، ونَذرِ التَّصدقِ بشاةٍ مَذبوحةٍ، والتَّضحيةِ بشاةٍ (١).
وذهَب المالِكيةُ -كما تَقدَّم- إلى أنَّه لا يَجوزُ الاشتِراكُ في الأُضحيَّةِ بأنْ يَشتركَ اثنان فأكثرُ في ثَمنِ بَقرةٍ أو بَدنةٍ، فإنِ اشتَركوا في الثَّمنِ بأنْ دفَع كلُّ واحدٍ منهم جُزءًا منه، أو في اللَّحمِ بأنْ كانت مُشترَكةً بَينَهم فلا تُجزِئُ عن واحدٍ منهم، ويَصحُّ الاشتِراكُ في الأجرِ قبلَ الذَّبحِ فيُجزِئُ ويَسقطُ بها عنه وعن كلِّ مَنْ أدخَله معه، وإنْ كانوا أكثرَ من سَبعةٍ بثَلاثةِ شُروطٍ:
١ - أنْ يَكونَ الذي وقَع تَشريكُه قَريبًا كابنِه وأخيه وابنِ عمِّه وتَلحقُ به الزَّوجةُ.
٢ - وأنْ يَكونَ في نَفقتِه، سَواءٌ كان الإنفاقُ واجبًا على المُضحِّي كأبٍ وابنٍ فَقيرَين، أو غيرَ واجبٍ كالأخِ وابنِ العمِّ.
(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٢٢، ١٢٣)، و «المهذب» (١/ ٢٤٠)، و «المجموع» (٨/ ٢٩١)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٦٧)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٥٠٥)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١٣٧)، و «الإفصاح» (١/ ٣٣٧)، و «التمهيد» (١٢/ ١٥٧، ١٥٨)، و «الاستذكار» (٥/ ٢٣٩)، و «المغني» (٩/ ٣٤٦، ٣٤٧)، و «الكافي» (١/ ٤٧٢)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٧٥)، و «المبدع» (٣/ ٢٧٨).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الصيد والذبائح
(فصل:)
قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي، فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، فَكُلْ. قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الصَّيْدِ إِذَا رَمَيْتُهُ، فَقَالَ: إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلْتَهُ، فَكُلْهُ إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي ماءٍ، فَمَاتَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ.
وَقَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ سَهْمِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: ما أصاب بجده فَكُلْ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ، فَهُوَ وقيزٌ ". وَهَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَوْعِبُ إِبَاحَةَ الصَّيْدِ بِجَمِيعِ آلَتِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِنْ ثَبَتَ إِبَاحَةُ الصَّيْدِ جَازَ صَيْدُهُ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ مِنْ ضَوَارِي الْبَهَائِمِ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ، وَكَوَاسِرِ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالْعُقَابِ وَالنَّسْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: كل الصيد يجمعها إِلَّا بِالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن عمر، مجاهد، وَالسُّدِّيُّ: لَا يَحِلُّ إِلَّا صَيْدُ الْكَلْبِ وَحْدَهُ، ويحرم الِاصْطِيَادُ بِمَا عَدَاهُ؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) {المائدة: ٤) ، وَاسْتَدَلَّ الْحَسَنُ بِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أمةٌ مِنَ الْأُمَمِ؛ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنَهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ ".
ارجع إلى شروط صحة الأضحية للاطلاع على جميع المسائل.