الإسلام > الأضحية والعقيقة > شروط صحة الأضحية > حكم الأكل من الأضحية المنذورة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةوذهَب الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابلةُ إلى أنَّ الأكلَ مُستحبٌّ والصَّدقةَ واجبةٌ، فإنْ أكلَ جميعَها لم يُجزِئْ، ويَجبُ عليه أنْ يَتصدقَ بقَدرِ ما يَقعُ عليه الاسمُ كالأُوقيَّةِ بمثلِه لَحمًا، والأفضلُ أنْ يَتصدقَ بجميعِها؛ لأنَّه أعظمُ أجرًا ومُسارَعة إلى الخَيراتِ، إلا لُقمًا يَتبَرَّكُ بأكلِها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أكَل من كَبدِ البُدنِ التي نحَرها.
والدَّليلُ على وُجوبِ التَّصدقِ ببعضِها قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]، فجعَلها لنا، ولم يجعَلْها علينا، فدلَّ على أنَّ أكلَنا منها مُباحٌ، وليس بواجبٍ، ولأنَّ حُقوقَ الإنسانِ هو مُخيَّرٌ فيها بينَ الاستِبقاءِ والإسقاطِ، ولأنَّ مَوضوعَ القُربِ بالأُصولِ أنَّها مُستحقَّةٌ عليه وليست مُستحقَّةً له، ولأنَّ قولَه تَعالى في الضَّحايا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ جارٍ مَجرى قولِه ﷾ في الزَّكاةِ: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. فكان أكلُه مُباحًا والإيتاءُ واجبًا كذلك الأكلُ من الأُضحيَّةِ مُباحٌ والإطعامُ واجبٌ (١).
حُكمُ الأكلِ من الأُضحيَّةِ المَنذورةِ:
الأصلُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ أنَّه لا يَحلُّ للناذرِ أنْ يَأكلَ من الأُضحيَّةِ المَنذورةِ.
(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ١١٦، ١١٧)، و «البيان» (٤/ ٤٥٤، ٤٥٧)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٥١٦، ٥١٩)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١٤٦، ١٤٧)، و «المغني» (٩/ ٣٥٤، ٣٥٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٨١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٢، ٢٣).
قال الحَنفيةُ: إذا نذَر ذَبْحَ شاةٍ أو نذَر أنْ يُضحِّيَ ولم يُسمِّ شيئًا فإنهُ يَقعُ على الشاةِ ولا يَأكلُ الناذرُ منها، ولو أكَل فعليه قيمةُ ما أكلَه؛ لأنَّ سَبيلَها التَّصدقُ وليس للمُتصدقِ أنْ يَأكلَ من صَدقتِه (١).
وقال المالِكيةُ: لا يَجوزُ الأكلُ من النَّذرِ المُعيَّنِ للمَساكينِ باللَّفظِ، أو بالنِّيةِ بأنْ قال: هذا نَذرٌ للهِ علَيَّ، ونَوى أنْ يَكونَ للمساكينِ كانوا مُعيَّنين أو لا، فيَحرمُ على المُتقرِّبِ به ورَسولِه ومَأمورِهما ممَّن ليس مُستحقًّا الأكلُ منه.
وأمَّا نَذرُ المَساكينِ غيرِ المُعيَّنِ لهم بلَفظٍ ولا نِيةٍ ك «علَيَّ هَديٌ أو بَدنةٌ للمَساكينِ» فيَجوزُ الأكلُ منه قبلَ مَحلِّه.
وأمَّا النَّذرُ غيرُ المُعيَّنِ لغيرِ المَساكينِ فيَجوزُ أنْ يَأكلَ منه مُطلقًا ويَتزوَّدَ ويُطعِمَ الغَنيَّ والفَقيرَ، وسَواءٌ بلَغت المَحلَّ أو عطبَتْ، وإنَّما كان يَأكلُ منه قبلُ؛ لأنَّ عليه بَدلَه ويَأكلُ منه بعدَه؛ لأنَّ آكلَه غيرُ مُعيَّنٍ فهو على سُنةِ الهَدايا (٢).
وأمَّا الشافِعيةُ فقال الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كان نَذرًا نُظر، فإنْ كان قد عيَّنه عما في ذِمتِه لم يَجزْ أنْ يأكلَ منه؛ لأنَّه بَدلٌ عن واجبٍ فلم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه كالدَّمِ الذي يَجبُ بتَركِ الإحرامِ من الميقاتِ.
(١) «المحيط البرهاني» (٥/ ٦٦١)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ١٧٠)، و «الدر المختار» (٦/ ٣٢١).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٢/ ٣٨٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٣٨٣)، و «حاشية العدوي» (١/ ٧٢٥).
وإنْ كان نَذرَ مُجازاةٍ كالنَّذرِ لشِفاءِ المَريضِ وقُدومِ الغائبِ لم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّه جَزاءٌ، فلم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه كجَزاءِ الصَّيدِ، فإنْ أكَل شيئًا منه ضَمِنه.
وفي ضَمانِه ثَلاثةُ أَوجُهٍ:
أحدُها: يَلزمُه قيمةُ ما أكَل كما لو أكَل منه أجنَبيٌّ.
والثاني: يَلزمُه مثلُه من اللَّحمِ؛ لأنَّه لو أكَل جميعَه ضَمِنه بمثلِه، فإذا أكَل بعضَه ضَمِنه بمثلِه.
والثالِثُ: يَلزمُه أنْ يَشتريَ جُزءًا من حَيوانٍ مثلِه ويُشارِكَ في ذَبحِه.
وإنْ كان نَذرًا مُطلقًا ففيه ثَلاثةُ أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّه إراقةُ دَمٍ واجبٍ، فلا يَجوزُ أنْ يَأكلَ منه كدَمِ الطِّيبِ واللِّباسِ.
والثاني: يَجوزُ؛ لأنَّ مُطلَقَ النَّذرِ يُحملُ على ما تَقرَّر في الشَّرعِ، والهَديُ والأُضحيَّةُ المَعهودةُ في الشَّرعِ يَجوزُ الأكلُ منها، فحُمل النَّذرُ عليه.
والثالِثُ: أنَّه إنْ كان أُضحيَّةً جازَ أنْ يَأكلَ منها؛ لأنَّ الأُضحيَّةَ المَعهودةَ في الشَّرعِ يَجوزُ الأكلُ منها، وإنْ كان هَديًا لم يَجزْ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّ أكثرَ الهَدايا في الشَّرعِ لا يَجوزُ الأكلُ منها، فحُمل النَّذرُ عليها (١).
(١) «المهذب» (١/ ٢٤٠).
قال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في شَرحِه لكلامِ الشِّيرازيِّ: الحالُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ الهَديُ أو الأُضحيَّةُ مَنذورًا، قال الأصحابُ: كلُّ هَديٍ وجَب ابتِداءً من غيرِ التِزامٍ كدَمِ التَّمتُّعِ والقِرانِ وجُبراناتِ الحَجِّ لا يَجوزُ الأكلُ منه بلا خِلافٍ، فلو أكَل منه غَرِمَ ولا يَجبُ إراقةُ الدَّمِ ثانيةً، وفيما يَغرَمُه أَوجُهٌ: أَصحُّها وهو نصُّه في القَديمِ: يَغرَمُ قيمةَ اللَّحمِ كما لو أتلَفه غيرُه، والثاني: يَلزمُه مثلُ ذلك اللَّحمِ فيَتصدَّقُ به، والثالِثُ: يَلزمُه شِقصٌ من حَيوانٍ مثلِه، ويُشاركُ في ذَبيحةٍ؛ لأنَّ ما أكلَه أبطَل حُكمَ إراقةِ الدَّمِ فيه، فصار كما لو ذبَحه وأكلَ الجميعَ فإنَّه يَلزمُه دَمٌ آخرُ.
وأمَّا المُلتزمُ بالنَّذرِ من الهَدايا، فإنْ عيَّنه بالنَّذرِ عمَّا في ذِمتِه من دَمِ حَلقٍ أو تَطيُّبٍ ولِباسٍ وغيرِ ذلك لم يَجزْ له الأكلُ منه، كما لو ذبَح شاةً بهذه النِّيةِ بغيرِ نَذرٍ وكالزَّكاةِ.
وإنْ نذَر نَذرَ مُجازاةٍ، كتَعليقِه التِزامَ الهَديِ أو الأُضحيَّةِ بشِفاءِ المَريضِ ونحوِه لم يَجزِ الأكلُ منه أيضًا كجَزاءِ الصَّيدِ، ومُقتضَى كَلامِ الأصحابِ أنَّه لا فرقَ بينَ كَونِ المُلتزَمِ مُعيَّنًا أو مُرسَلًا في الذمَّةِ ثم يَذبحُ عنه.
فإنْ أطلَق الالتِزامَ فلم يُعلِّقْه بشيءٍ وقُلنا بالمَذهبِ إنَّه يَصحُّ نَذرُه ويَلزمُه الوَفاءُ نُظر فإنْ كان المُلتزَمُ مُعيَّنًا بأنْ قال: للهِ علَيَّ أنْ أُضحيَ بهذه أو أُهديَ هذه، ففي جوازِ الأكلِ منها قَولان، ووَجهٌ، أو ثَلاثةُ أوجُهٍ:
أصحُّها: لا يَجوزُ الأكلُ من الهَديِ ولا الأُضحيَّةِ.
والثاني: يَجوزُ.
والثالِثُ: يَجوزُ من الأُضحيَّةِ دونَ الهَديِ، وأدلَّةُ الثَّلاثةِ في الكِتابِ. ومِن هذا القَبيلِ المَنعُ في المُرسَلِ سَواءٌ عيَّن عَينَه ثم ذبَح أو ذبَح بلا تَعيينٍ؛ لأنَّه عن دَينٍ في الذمَّةِ فأشبَه الجُبراناتِ. وبهذا قال الماوَرديُّ. وهو مُقتَضى سياقِ الشَّيخِ أبي علِيٍّ. وحيث منَعنا الأكلَ في المَنذورةِ فأكَل فعليه الغُرمُ. وفيما يُغرَّمُه الأوجُهُ الثَّلاثةُ السابِقةُ في الجُبراناتِ. وحيث جوَّزنا الأكلَ ففي قَدرِ ما يأكلُه القَولان في أُضحيَّةِ التطوُّعِ. كذا قاله البغَويُّ. قال الرافِعيُّ: ولك أنْ تَقولَ: ذلك الخِلافُ في قَدرِ المُستحبِّ أكلُه. ولا يَبعدُ أنْ يُقالَ: لا يُستحبُّ الأكلُ، وأقلُّ ما في تَركِه الخُروجُ من الخِلافِ، واللهُ ﷾ أعلمُ (١).
وقال الحَنابلةُ: لا يَجوزُ الأكلُ من المَنذورِ؛ لتَعيينِه للهِ ﷾ ولا مِنْ نَذرِ الأُضحيَّةِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ.
وأجاز أبو بَكرٍ ومالَ إليه ابنُ قُدامةَ الأكلَ من أُضحيَّةِ النَّذرِ.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ نذَر أُضحيَّةً في ذِمتِه ثم ذبَحها فله أنْ يَأكلَ منها، وقال القاضي: مِنْ أصحابِنا مَنْ منَع الأكلَ منها، وهو ظاهرُ كَلامِ أحمدَ، وبَناه على الهَديِ المَنذورِ.
ولنا: أنَّ النَّذرَ مَحمولٌ على المَعهودِ، والمَعهودَ من الأُضحيَّةِ الشَّرعيَّةِ ذَبحُها والأكلُ منها، والنَّذرُ لا يُغيِّرُ من صِفةِ المَنذورِ إلا الإيجابَ، وفارَق
(١) «المجموع» (٨/ ٣٠٩، ٣١٠)، و «البيان» (٤/ ٤٧٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأضاحى
١٧٤٨ - مسألة؛ قال: (والأضحية سنة، لا يستحب تركها لمن يقدر عليها)
مُصَلَّانَا " . وعن مِخْنَفِ بن سُلَيْم، أَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: " يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ عَلَى كُلِّ أهْلِ بَيْتٍ، فِى كُلِّ عَامٍ، أُضْحَاةً وعَتِيرَة " . ولَنا، ما رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ ، بإسْنادِه عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: " ثَلاثٌ كُتِبَتْ عَلَىَّ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطوُّعٌ ". وفى رِوايةٍ: " الْوَتْرُ، والنَّحْرُ، ورَكْعَتَا الفَجْرِ ". ولأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: " مَنْ أرَادَ أَنْ يُضَحِّىَ، فدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ ولَا بَشَرتِهِ شَيْئًا ". رواه مُسْلِمٌ . عَلَّقَه على الإِرادَةِ، والواجِبُ. لا يُعَلَّقُ على الإِرادَةِ، ولأنَّها ذَبِيحَةٌ لم يَجِب تَفرِيقُ لحمِها، فلم تكُن واجبةً، كالعَقِيقَةِ، فأمَّا حَدِيثُهم فقد ضَعَّفَه أصْحابُ الحديثِ، ثم نَحْمِلُه على تأْكيدِ الاسْتِحْبابِ، كما قال: " غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ " . وقال: " مَنْ أَكَلَ مِنْ هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا" . وقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى اليتيمِ: يُضَحِّى عنه ولِيُّه إذا كان مُوسِرًا. وهذا على سبيلِ التَّوْسِعَةِ فى يومِ العيدِ، لا على سبيلِ الإيجابِ.
فصل: والأُضْحِيَةُ أفْضَلُ من الصَّدقَةِ بقِيمَتِها. نَصَّ عليه أحمدُ. وبهذا قال رَبِيعةُ، وأبو الزِّنادِ. ورُوِىَ عن بلال، أنَّه قال: ما أبالِى أَنْ لا أُضَحِّىَ إلَّا بدِيكٍ، ولأنْ أَضَعَهُ فى يَتِيمٍ
ارجع إلى شروط صحة الأضحية للاطلاع على جميع المسائل.