سن الضأن

الإسلام > الأضحية والعقيقة > شروط صحة الأضحية > سن الضأن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

سن الضأن - الأقوال والأدلة

وقال الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فإذا تَقرَّر أنَّ الضَّحايا بالإبلِ والبَقرِ والغَنمِ دون ما عداها من جميعِ الحَيوانِ فأسنانُ ما يَجوزُ في الضَّحايا منها مُعتبَرةٌ ولا يُجزِئُ دونَها، وقد أجمَعنا على أنَّه لا يُجزِئُ ما دونَ الجِذاعِ من جميعِها، ولا يَلزَمُ ما فَوقَ الثَّنايا من جميعِها (١).

سِنُّ الضَّأنِ:

اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ الجَذعُ من الضَّأنِ لِما رَواه جابرٌ رضي الله عنه قال: قال رَسولُ اللَّهِ : «لا تذْبَحوا إلا مُسنَّةً إلا أنْ يَعسُرَ علَيكم فتَذبَحوا جَذعةً من الضَّأنِ» (٢). فدل هذا الخَبرُ على اعتِبار المُسنِّ من غيرِ الضَّأنِ والجَذعِ من الضَّأنِ، وليس ذلك شَرطًا في الاعتِبارِ، لِما رَوى عُقبةُ بنُ عَامِرٍ الجُهنِيُّ رضي الله عنه أَنَّ رَسولَ اللَّهِ أَعْطَاهُ غَنمًا فقسَمها على أَصْحابِه ضَحايا، فبقِي عَتودٌ فذَكَره لرَسولِ اللَّهِ فقال: «ضحِّ به أنتَ» (٣).

وعن أبي كِباشٍ قال: جلَبْتُ غنمًا جُذْعانًا إلى المدِينَةِ فكسَدتْ عليَّ فلقِيتُ أبَا هُريرةَ فسأَلْتُه، فقال: سمِعتُ رَسولَ اللَّهِ يقول: «نِعمَ -أو نِعمَتِ- الأُضحيَّةُ الْجَذعُ منَ الضَّأنِ»، فانتَهبَها الناسُ (٤).

(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٧٦).
(٢) رواه مسلم (١٩٦٣).
(٣) رواه ابن ماجة (٣١٣٨).
(٤) رواه الترمذي (١٤٩٩)، وأحمد (٩٧٣٧).

وعن مُحمدِ بنِ أبِى يَحيى مَولى الأسلَمِيِّين عن أمِّه قال: أخبَرتني أمُّ بِلالٍ ابنةُ هِلالٍ عن أَبيها أنَّ رَسولَ اللَّهِ قال: «يَجوزُ الجَذعُ منَ الضأن ضَحيَّةً» (١).

وعن عَاصمِ بن كُليبٍ عن أبيه قال: كُنَّا مع رَجلٍ من أَصحابِ رَسولِ اللَّهِ يُقالُ له مُجاشِعٌ من بَني سُليمٍ، فعزَّتِ الغَنمُ، فأمَر مُنادِيًا فنادَى أنَّ رَسولَ اللَّهِ كان يَقولُ: «إنَّ الجَذعَ يُوفِي ممَّا تُوفِي منه الثَّنيَّةُ» (٢).

وعن عُقبةَ بنِ عَامرٍ أنَّ رَسولَ اللَّهِ أعطَاه غَنمًا يَقسِمُها على أَصحابهِ ضَحايا، فبقِي عَتودٌ أو جَديٌ، فذكَرتُ ذلك لرَسولِ اللَّهِ فقال: «ضحِّ به أنتَ» (٣).

وعن عُقبةَ بنِ عَامرٍ رضي الله عنه قال: «ضحَّيْنا معَ رَسولِ اللَّهِ الجَذعَ منَ الضَّأنِ» (٤).

قال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: نقَل القاضي عِياضٌ الإجماعَ أنَّه يُجزِئُ الجَذعُ من الضَّأنِ، وأنَّه لا يُجزِئُ جَذعُ المَعزِ.

ثم قال: إنْ قيلَ: ظاهرُ حَديثِ جابرٍ المَذكورِ في الكِتابِ «لا تَذبَحوا

(١) رواه وابن ماجه (٣١٣٩)، وأحمد (٢٧١١٨).
(٢) رواه ابن ماجه (٣١٤٠).
(٣) رواه الترمذي (١٥٠٠).
(٤) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٥٩٠٤).

إلا مُسنَّةً إلا أنْ يَعسُرَ علَيكم فتَذبَحوا جَذعةً من الضَّأنِ» أنَّ الجَذعةَ من الضَّأنِ لا تُجزِئُ إلا إذا عجَز عن المُسنَّةِ، قلنا: هذا مما يَجبُ تَأويلُه؛ لأنَّ الأُمةَ مُجمِعةٌ على خِلافِ ظاهرِه كما سبَق؛ فإنَّهم كلَّهم جوَّزوا جَذعَ الضأنِ إلا ما سبَق عن ابنِ عُمرَ والزُّهريِّ وأنَّه لا يُجزِئُ، سَواءٌ قدِر على مُسنَّةٍ أو لا، فيُحملُ هذا الحَديثُ على الأفضلِ والأكملِ، ويَكونُ تَقديرُه: مُستحبٌّ لكم أنْ تَذبَحوا مُسنَّةً، فإنْ عَجزتُم فجَذعةَ ضأنٍ، واللهُ أعلمُ (١).

وقال الإمامُ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: أجمَع فُقهاءُ الأمصارِ على جوازِ الجَذعِ من الضَّأنِ (٢).

وقال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ رحمة الله عليه: لا أعلَمُ خِلافًا أنَّ الجَذعَ من المَعزِ ومِن كلِّ شيءٍ يُضحَّى به غيرَ الضأنِ لا يَجوزُ، وإنَّما يَجوزُ من ذلك كلِّه الثَّنيُّ فصاعِدًا، ويَجوزُ الجَذعُ من الضأنِ بالسُّنةِ المَسنونةِ (٣).

وقال أيضًا: وأجمَعوا أنَّه لا يُجزِئُ الجَذعُ من المَعزِ في الهَدايا، ولا في الضَّحايا، لقولِه لأبي بُردةَ: «لم يُجزِ عن أحَدٍ بعدَك» (٤).

والدَّليلُ على أنَّ الجَذعَ من المَعزِ لا يُجزِئُ ما رَواه يَزِيدُ بنُ البَراءِ عن أبيه: خطَب رَسولُ اللَّهِ يومَ النَّحرِ، فقال: «إنَّ أوَّلَ نُسكِكم هذه

(١) «المجموع» (٨/ ٢٨٨، ٢٨٩).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٧٧)، و «أحكام القرآن» (٤/ ١٣٩).
(٣) «التمهيد» (٢٣/ ١٨٨).
(٤) «الاستذكار» (٤/ ٢٥٠).

الصَّلاةُ»، فقامَ إليه أبو بُردةَ بنُ نِيارٍ خالي، قال سُهيلٌ: وكان بَدريًّا، فقال: يا رَسولَ اللَّهِ، كان يَومًا نَشتَهي فيه اللَّحمَ ثم إنَّا عجَّلنا فذَبحنا، فقال رَسولُ اللَّهِ : «فأَبدِلْها»، قال: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ عِندنا ماعِزًا جَذعًا، قال: «فهي لك وليسَ لأحدٍ بعدَك» (١).

وفي لفظِ البُخاريِّ ومُسلمٍ عن البَراءِ بنِ عازبٍ قال: خطَبنا رَسولُ اللَّهِ يومَ النَّحرِ بعدَ الصَّلاةِ، فقال: مَنْ صلَّى صَلاتَنا ونسَك نُسكَنا فقَد أصابَ النُّسكَ، ومَن نسَك قبلَ الصَّلاةِ فتلك شاةُ لَحمٍ، فقامَ أبو بُردةَ بنُ نِيارٍ فقال: يا رَسولَ اللَّهِ، واللهِ لقد نسَكتُ قبلَ أنْ أخْرجَ إلى الصَّلاةِ وعرَفتُ أنَّ اليومَ يومُ أكلٍ وشُربٍ فتعجَّلتُ وأكَلتُ وأطعَمتُ أهلِي وجِيرَانِي، فقال رَسولُ اللَّهِ : «تلْكَ شاةُ لَحمٍ»، قال: فإنَّ عندِي عَناقَ جَذعةٍ هيَ خيرٌ من شاتَي لَحمٍ، فهَل تَجزِي عنِّي، قال: «نَعمْ ولَن تجزِيَ عن أحَدٍ بعدَك».

وفي لَفظٍ: «ولا تجزِي جَذعةٌ عن أحدٍ بعْدَك» (٢). معناه: جَذعةُ المَعزِ وهو مُقتَضى سياقِ الكَلامِ، وإلا فجَذعةُ الضَّأنِ تُجزِي.

وفي تَخصيصِ النَّبيِّ لأبي بُردةَ بإجزائها عنه أنَّها لا تُجزِئُ عن أحَدٍ غيرِه (٣).

(١) رواه الإمام أحمد (١٨٥١٢).
(٢) رواه البخاري (٩٤٠، ٩٤١)، ومسلم (١٩٦١).
(٣) «المبسوط» (١٢/ ٩، ١٠)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٧٠)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٨٩)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٩٠)، و «المدونة الكبرى» (٢/ ٣٨٦، ٣٨٧)، و «الأم» (٢/ ٢٢٣)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٧٧)، و «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ١١٣)، و «المغني» (٩/ ٣٤٨)، و «الكافي» (١/ ٤٧١)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٧٦).

وقال الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: والعَناقُ من المَعزِ ابنُ خَمسةِ أشهُرٍ أو نحوِها، وهو جَذعةٌ، ولا يَجوزُ في الضَّحايا بإجماعٍ، وإنَّما يَجوزُ من المَعزِ الثَّنيُّ فما فَوقَه، وهو ثَنيٌّ إذا تم له سَنةٌ ودخَل في الثانيةِ (١).

وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: أجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ الجَذعُ من المَعزِ، بل الثَّنيُّ فما فَوقَه، لقولِه لأبي بُردةَ لمَّا أمرَه بالإعادةِ: «يُجزِيك ولا يُجزِي جَذعٌ عن أحَدٍ غيرِك».

واختَلفُوا في الجَذعِ من الضأنِ، فالجُمهورُ على جوازِه، وقال قَومٌ: بل الثَّنيُّ من الضأنِ.

وسَببُ اختِلافِهم مُعارضةُ العُمومِ للخُصوصِ، فالخُصوصُ هو حَديثُ جابرٍ قال: قال رَسولُ اللهِ : «لا تَذبَحوا إلا مُسنَّةً إلا أنْ يَعسرَ عليكم فتَذبَحوا جَذعةً من الضأنِ» أخرَجه مُسلمٌ.

والعُمومُ هو ما جاء في حَديثِ أبي بُردةَ بنِ نيارٍ، من قولِه عليه الصلاة والسلام: «ولا تُجزِي جَذعةٌ عن أحَدٍ بعدَك».

فمَن رجَّح هذا العُمومَ على الخُصوصِ هو مَذهبُ أبي مُحمدِ بنِ حَزمٍ في هذه المَسألةِ؛ لأنَّه زعَم أنَّ أبا الزُّبيرِ مُدلِّسٌ عندَ المُحدِّثين، والمُدلِّس

(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٢١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأضاحى
١٧٥١ - مسألة؛ قال: (ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن، والثنى من غيره)

منه كالْحَمَلِ، وعن عَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ، يُجْزِئُ الجَذَعُ من جميعِ الأجْناس؛ لما رَوَى مُجاشِعٌ، مِنْ سُلَيْم، قال: سَمِعْتُ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقول: "إِنَّ الْجَذَعَ يُوفِى مِمَّا يُوفِى مِنْهُ الثَّنِىُّ" . روَاه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، وابنُ ماجه . ولأنه يُجْزئ من بعض الأجْناسِ، فأجْزَأ مِن جميعِها، كالثَّنِىِّ . ولَنا، على أَنَّ الجَذَعَ من الضَّأْنِ يُجْزِئُ، حديثُ مُجاشِع وأبى هُريرَةَ وغيرِهما، وعلى أَنَّ الجَذَعَةَ من غيرِها لا تُجْزِئُ، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا تَذبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فَإِنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ، فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ" . وقال أبو بُرْدَةَ بنُ نِيَار: عِنْدِى جَذَعَةٌ مِن المَعْزِ ، أحَبُّ إلىَّ من شاتَيْنِ، فهل تُجْزِئ عَنِّى؟ قال: "نَعَمْ، ولَا تُجْزِئُ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ" . مُتَّفَقٌ عليه. وحَديثُهم محمولٌ على الجَذَعِ من الضَّأْنِ؛ لما ذَكَرْنا. قال إبراهيمُ الْحَرْبِىُّ: إنَّما يُجْزِئ الجَذَعُ من الضَّأْنِ؛ لأنَّه يَنْزُو فَيلْقَحُ، فإذا كان من المَعْزِ لم يَلْقَحْ حتى يكون ثَنِيًّا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 450 - 454

ارجع إلى شروط صحة الأضحية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد