الإسلام > الأضحية والعقيقة > شروط صحة الأضحية > هل شراء الأضحية يجعلها واجبة؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةأصحُّهما عندَ الأكثَرين: لا يَكفيه؛ لأنَّ التَّضحيةَ قُربةٌ في نَفسِها، فوَجبت النِّيةُ فيها، واختارَ الإمامُ والغَزاليُّ الاكتِفاءَ.
ولو التزَم ضَحيَّةً في ذمَّتِه ثم عيَّن شاةً عما في ذِمتِه بُني على الخِلافِ في أنَّ المُعيَّنةَ هل تَتعيَّنُ عن المُطلقةِ في الذمَّةِ إنْ قُلنا: لا، فلا بدَّ من النِّيةِ عندَ الذَّبحِ، وإلا فعلى الوجهَين، ولو وكَّل ونَوى عندَ ذَبحِ الوَكيلِ كَفى ولا حاجةَ إلى نِيةِ الوَكيلِ، بل لو لم يَعلمْ أنَّه مُضحٍّ لم يَضرَّ.
وإنْ نَوى عندَ الدَّفعِ إلى الوَكيلِ فقط فعلى الوجهَين في تَقديمِ النِّيةِ (١).
وقال الزَّركَشيُّ رحمة الله عليه: وقولُ الخِرقيِّ: لأنَّ النِّيةَ تُجزِئُ. إشعارٌ بأنَّه لا بدَّ من النِّيةِ، ولا إشكالَ أنَّها لا تَصيرُ أُضحيَّةً إلا بالنِّيةِ، بقِي: هل تَحتاجُ إلى تَجديدِ النِّيةِ عندَ الذَّبحِ؟ قال في التَّلخيصِ: إذا قال: جَعلتُ هذه أُضحيَّةً. أغناه عن تَجديدِ النِّيةِ عندَ الذَّبحِ، وكذا إذا نذَرها بعَينِها، بخِلافِ ما إذا نذَرها في ذمَّتِه ثم قال: جَعلتُها هذه. فإنَّه لا بدَّ أنْ يَنويَه وقتَ الذَّبحِ. قلتُ: وعلى هذا ففي المُتطوِّعِ به لا بدَّ أنْ يَنويَه عندَ الذَّبحِ (٢).
هل شِراءُ الأُضحيَّةِ يَجعلُها واجبةً؟
اختلَف الفُقهاءُ فيمَن اشتَرى شاةً بنِيةِ الأُضحيَّةِ هل تَصيرُ أُضحيَّةً بالشِّراءِ ويَلزمُه أنْ يُضحِّيَ بها أو لا؟
(١) «روضة الطالبين» (٢/ ٦٥٨، ٦٥٩، ٦٦٥).
(٢) «شرح الزركشي» (٢/ ٢٨٩).
فذهَب الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ مَنْ اشتَرى شاةً مثلًا ونَوى بها الأُضحيَّةَ أصبَحت واجبةً ويَلزمُه أنْ يُضحِّيَ بها؛ لأنَّ الشِّراءَ بنِيةِ الأُضحيَّةِ بمَنزلةِ النَّذرِ، فكأنَّه نذَر أنْ يُضحِّيَ بها.
قال الإمامُ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه: ولا يَخفَى أنَّ الأُضحيَّةَ تَصيرُ واجبةً بالنَّذرِ، فلو قال كَلامًا نَفسيًّا: للهِ علَيَّ أنْ أُضحِّيَ بهذه الشاةِ ولم يَذكُر بلِسانِه شيئًا فاشتَرى شاةً بنيَّةِ الأُضحيَّةِ إنْ كان المُشتَري غَنيًّا لا تَصيرُ واجبةً باتِّفاقِ الرِّواياتِ، فله أنْ يَبيعَها ويَشتريَ غيرَها، وإنْ كان فَقيرًا ذكَر شَيخُ الإسلامِ خُواهَر زادَه في ظاهرِ الرِّوايةِ تَصيرُ واجبةً بنَفسِ الشِّراءِ، ورَوى الزَّعفَرانيُّ عن أصحابِنا: لا تَصيرُ واجبةً، وأشارَ إليه شَمسُ الأئمَّةِ السَّرخَسيُّ في شَرحِه، وإليه مالَ شَمسُ الأئمَّةِ الحَلوانيُّ في شَرحِه، وقال: إنَّه ظاهرُ الرِّوايةِ.
ولو صرَّح بلِسانِه والمَسألةُ بحالِها تصَيرُ واجبةً بشِراءِ نيَّةِ الأُضحيَّةِ إنْ كان المُشتَري فَقيرًا.
وفي «الخانيةِ»: اشتَرى شاةً للأُضحيَّةِ ثم باعَها واشتَرى أُخرى في أيامِ النَّحرِ فهذا على وُجوهٍ ثَلاثةٍ:
الأولُ: اشتَرى شاةً يَنوي بها الأُضحيَّةَ لا تَصيرُ أُضحيَّةً ما لم يُوجِبْها بلِسانِه، وبه أخَذ أبو يُوسفَ وبعضُ المُتأخِّرين.
وفي الكُبرى قال: إنْ فَعلتُ كذا فللهِ علَيَّ أنْ أُضحِّيَ، لا يَكونُ يَمينًا.
رَجلٌ اشتَرى أُضحيَّةً وأوجَبها فَضلَّت ثم اشتَرى أُخرى فأوجَبها ثم
وجَد الأُولى، إنْ كان أوجَب الثانيةَ بلِسانِه فعليه أنْ يُضحِّيَ بهما، وإنْ أوجَبها بَدلًا عن الأُولى فعليه أنْ يَذبحَ أيَّهما شاءَ، ولم يَفصلْ بينَ الفَقيرِ والغَنيِّ، وفي فَتاوي أهلِ سَمرقَندَ: الفَقيرُ إذا أوجَب شاةً على نَفسِه هل يَحلُّ له أنْ يَأكلَ منها؟ قال بَديعُ الدِّينِ: نَعمْ.
وقال القاضي بُرهانُ الدِّينِ: لا يَحلُّ.
وفي «فَتاوي أهلِ سَمرقَندَ»: الفَقيرُ إذا اشتَرى شاةً للأُضحيَّةِ فسُرقَتْ فاشتَرى مَكانَها ثم وجَد الأُولى فعليه أنْ يُضحِّيَ بهما، ولو ضلَّت فليس عليه أنْ يَشتريَ أُخرى مَكانَها، وإنْ كان غَنيًّا فعليه أنْ يَشتريَ أُخرى مَكانَها.
وفي «الحاوي»: ولو اشتَرى شاةً ولم يُردْ أنْ يُضحِّيَ بها، بل للتِّجارةِ ثم نَوى أنْ يُضحِّيَ بها ومَضى أيامُ النَّحرِ لا يَجبُ عليه أنْ يَتصدقَ بها (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في قَولٍ -كما تَقدَّم- والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يُوجِبُها إلا القولُ، أي: بالنَّذرِ، ولا تَجبُ بالشِّراءِ أو التَّسميةِ.
قال المالِكيةُ: الأُضحيَّةُ إنَّما تَجبُ بأحدِ شَيئَين، إمَّا بالنَّذرِ كما عندَ القاضي إسماعيلَ بأنْ يَقولَ: نَذرتُ للهِ هذه الأُضحيَّةَ، أو للهِ علَيَّ أنْ أُضحِّيَ
(١) «البحر الرائق» (٨/ ١٩٩)، وينظر: «المبسوط» (١٢/ ١٧، ١٨)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٦٧)، و «المحيط البرهاني» (٣/ ٦١)، و «الاختيار» (٥/ ٢٦)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٧)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ٢٩٤).
بهذه الشاةِ مثلًا، وإمَّا بالذَّبحِ كما عندَ ابنِ رُشدٍ، قال: ولا تَتعيَّنُ عندَ مالكٍ إلا بالذَّبحِ.
ولا تَتعيَّنُ بالتَّسميةِ ولا بالشِّراءِ، لكنَّ كَونَها تَجبُ بالنَّذرِ خِلافُ المَشهورِ، والمَشهورُ أنَّها لا تَجبُ إلا بالذَّبحِ، فيما يُذبَحُ، أو النَّحرِ فيما يُنحَرُ.
وقال الشَّيخُ بَهرامُ الدَّميريُّ رحمة الله عليه: قولُه: (وإنَّما تَجبُ بالنَّذرِ والذَّبحِ) لتَعيينِ الأُضحيَّةِ خَمسةُ أسبابٍ: النَّذرُ، والذَّبحُ، والإيجابُ، والتَّسميةُ، والشِّراءُ، قال في الذَّخيرةِ: والمَشهورُ أنَّها لا تَتعيَّنُ إلا بالأوَّليْن كما أشارَ إليه هنا، وفي الجَواهرِ: إذا قال: جَعلتُ هذه أُضحيَّةً تَعيَّنت، قال: وعن مالكٍ في العُتبيَّةِ: إذا سمَّى أُضحيَّتَه فلا يَجُزَّها؛ لأنَّه يَنقصُها، وقال ابنُ رُشدٍ: لا تَجبُ عندَ مالكٍ بالتَّسميةِ، وحَكى في المُقدِّماتِ عن العُتبيَّةِ: إنَّها تَجبُ بالتَّسميةِ إذا قال: هذه أُضحيَّتي، قال في البَيانِ: وقال إسماعيلُ القاضي: إذا قال: أوجَبتُها أُضحيَّةً تَعيَّنت، قال: وهو بَعيدٌ، ولا تَتعيَّنُ عندَ مالكٍ إلا بالذَّبحِ، وليس مُرادُه هنا بالنَّذرِ والذَّبحِ أنَّهما معًا شَرطٌ في الوُجوبِ، وإنَّما المُرادُ أنَّ كلَّ واحدٍ من الأمرَين كافٍ في ذلك، ولهذا لو عطَفه ب (أوْ) لَكانَ أحسنَ (١).
وقال الإمامُ العَمرانيُّ رحمة الله عليه: إذا اشتَرى شاةً بنيَّةِ أنَّها أُضحيَّةٌ ملَكها بالشِّراءِ، ولم تَصرْ أُضحيَّةً.
(١) «تحبير المختصر» (٢/ ٣٥٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٤٥، ٤٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٩٦).
وقال مالكٌ وأبو حَنيفةَ: (تَصيرُ أُضحيَّةً بذلك).
دَليلُنا: أنَّ عَقدَ البَيعِ يُوجِبُ المِلكَ، وجَعلُها أُضحيَّةً يُزيلُ المِلكَ، والشَّيءُ الواحِدُ لا يُوجِبُ المِلكَ وزَوالَه في وقتٍ واحدٍ معًا، كما لو اشتَرى شيئًا بنيَّةِ وَقفِه أو اشتَرى عَبدًا بنيَّةِ عِتقِه.
إذا ثبَت هذا: فأرادَ أنْ يَجعلَها أُضحيَّةً فهل يَفتقِرُ إلى القولِ؟ فيه قَولان:
الأولُ: قالَ في الجَديدِ: (لا تَصيرُ أُضحيَّةً إلا بالقولِ) وهو أنْ يَقولَ: هذه أُضحيَّةٌ، أو جَعلتُها أُضحيَّةً؛ لأنَّه إزالةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ، فافتقَر إلى القولِ، كالوَقفِ والعِتقِ.
والثاني: قالَ في القَديمِ: (إذا نَوى أنَّها أُضحيَّةٌ صارَت أُضحيَّةً)؛ ل: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ قلَّد بُدنَه وأشعَرها). ولم يُنقلْ أنَّه قال: إنَّها هَديٌ.
والأَولُ أصحُّ؛ لأنَّه يَحتملُ أنْ يَكونَ النَّبيُّ ﷺ مُتطوِّعًا بها، ولم يَنذِرْها، فلذلك لم يَنطِقْ، أو يَجوزُ أنْ يَكونَ قد أوجَبها لَفظًا، ولم يَنقُلْه الرَّاوي، أو لم يَسمَعْه أحدٌ.
فإذا قُلنا بقولِه الجَديدِ فلا كَلامَ.
وإنْ قُلنا بالقَديمِ: وأنَّها تَصيرُ أُضحيَّةً أو هَديًا بالنِّيةِ ففيه ثَلاثةُ أوجُهٍ:
أحدُها: تَصيرُ هَديًا أو أُضحيَّةً بالنِّيةِ لا غيرُ، كالصَّومِ.
والثاني: لا تَصيرُ حتى يُضافَ إلى النِّيةِ التَّقليدُ أو الإشعارُ -وهو المَنصوصُ في القَديمِ- ليُوجدَ منه الأمران: الظاهرُ والباطنُ.
والثالِثُ: أنَّها لا تَصيرُ هَديًا أو أُضحيَّةً إلا بالنِّيةِ والذَّبحِ.
إذا تَقرَّر هذا: وتَعيَّنت الأُضحيَّةُ، زالَ مِلكُه عنها، ولم يَجزْ له إبدالُها بغيرِها.
وقال أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: (له إبدالُها بغيرِها) وقد مَضى ذِكرُه في (الهَديِ).
فإنْ باعَها فالبَيعُ باطِلٌ، وإنْ قبَضها المُشتَري وتَلِفت في يَدِه وجَب على البائعِ الضَّمانُ، فإنْ ضمِنها البائعُ ضمِنها بأكثرِ الأمرَين من قيمَتِها، أو هَديٍ مِثلِها، وله أنْ يَرجعَ على المُشتَري بقَدرِ قيمَتِها لا غيرُ، وإنْ ذبَحها المُشتَري قبلَ وقتِ الذَّبحِ لزِمه ما نقَص من قيمَتِها للبائعِ، ويَكونُ على البائعِ إكمالُ ما يَشتري به مِثلَها؛ لأنَّه كان السَّببَ لها في يَدِ المُشتَري، وإنْ ذبَحها وقتَ الذَّبحِ أجزَأت عن البائعِ؛ لأنَّها مُستحِقةٌ للذَّبحِ، وهل يَضمَنُ المُشتَري ما نقَص من قيمَتِها؟ فيه وَجهان، حَكاهما الطَّبريُّ في «العُدَّةِ»:
أحدُهما: يَضمَنُ؛ لأنَّه لم يَملِكْها.
والثاني: لا يَضمنُ؛ لأنَّه بالبَيعِ صارَ كأنَّه سلَّطه على ذَبحِها.
وهُما بِناءً على القولَين في السيِّدِ إذا باع نُجومَ المُكاتبِ، وقُلنا: لا يَصحُّ، وقبَضها المُشتَري هل يُعتَقُ؟ فيه قَولان (١).
وقال الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في إيجابِ الأُضحيَّةِ بأيِّ شيءٍ يَقعُ.
(١) «البيان» (٤/ ٤٥٣، ٤٥٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الأضاحى
١٧٥٦ - مسألة؛ قال: (وإيجابها أن يقول: هى أضحية)
١٧٥٦ - مسألة؛ قال: (وَإِيَجابُهَا أَنْ يَقُولَ: هِىَ أُضْحِيَةٌ)
وجُمْلَةُ ذلك أَنَّ الذى تَجِبُ به الأُضْحِيَةُ، وتتَعَيَّنُ به، هو القولُ دونَ النِّيَّةِ. وهذا مَنْصوصُ الشافِعِىِّ. وقال مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ: إذا اشْتَرَى شاةً أو غيرَها بنِيَّةِ الأُضْحِيَةِ، صارَت أُضْحِيَةً؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بشراءِ الأُضْحِيَةِ ، فإذا اشْتَراها بالنِّيَّةِ وقَعَت عنها، كالوَكيلِ. ولَنا، أنَّه إزالَةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فلا تُؤثِّرُ فيه النِّيَّةُ المُقارِنةُ للشِّراءِ، كالعِتْقِ والوَقْفِ، ويفارقُ البيْعَ، فإنَّه لا يُمْكِنُه جَعْلُه لِمُوَكِّلِهِ بعدَ إيقاعِه، وههُنا بعدَ الشِّراءِ يُمْكِنُه جَعْلُها أُضْحِيَةً. فأمَّا إذا قالَ: هذه أُضْحِيَة. صارت واجِبَةً، كما يَعْتِقُ العبدُ بقولِ سَيِّدِه: هذا حُرٌّ. ولو أَنَّه قَلَّدَها أو أشعَرَها يَنْوِى به جَعْلَها أُضْحِيَةً، لم تَصِرْ أُضْحِيَةً حتى يَنْطِقَ به؛ لما ذَكَرْنا.
١٧٥٧ - مسألة؛ قال: (ولَوْ أَوْجَبَهَا ناقِصَةً، ذَبَحَهَا، ولَمْ تُجْزِئْهُ)
ارجع إلى شروط صحة الأضحية للاطلاع على جميع المسائل.