الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > إذا ترك الكتابي التسمية عند الذبح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةوقد قالَ بكلِّ قَولٍ طائِفةٌ مِنْ أهلِ العِلمِ المَشهورينَ، فمَن صارَ إلى قَولٍ مُقلِّدًا لقائلِه لم يَكنْ له أنْ يُنكِرَ على مَنْ صارَ إلى القَولِ الآخَرِ مُقلِّدًا لقائلِه، لكنْ إنْ كانَ مع أحَدِهما حجَّةٌ شَرعيةٌ وجَبَ الانقيادُ للحُججِ الشرعيةِ إذا ظهَرَتْ.
ولا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يُرجِّحَ قولًا على قَولٍ بغيرِ دَليلٍ، ولا يَتعصَّبَ لقَولٍ على قَولٍ ولا لقائِلٍ على قائلٍ بغَيرِ حُجةٍ، بل مَنْ كانَ مُقلِّدًا لَزمَ حُكمَ التَّقليدِ، فلمْ يُرجِّحْ ولم يُزيِّفْ ولم يُصوِّبْ ولم يُخطِّئْ، ومَن كانَ عندَه مِنْ العِلمِ والبَيانِ ما يَقولُه سُمعَ ذلكَ منه، فقُبِلَ ما تَبيَّنَ أنه حَقٌّ، ورُدَّ ما تَبيَّنَ أنه باطلٌ، ووُقفَ ما لم يَتبيَّنْ فيه أحَدُ الأمرَينِ، واللهُ تعالَى قد فاوَتَ بينَ الناسِ في قِوَى الأذهانِ كما فاوَتَ بينهُم في قِوَى الأبدانِ.
وهذه المَسألةُ ونَحوُها فيها مِنْ أغوارِ الفِقهِ وحَقائقِه ما لا يَعرفُه إلا مَنْ عرَفَ أقاويلَ العُلماءِ ومَآخذَهم، فأمَّا مَنْ لم يَعرفْ إلا قولَ عالِمٍ واحدٍ وحُجَّتَه دونَ قولِ العالِمِ الآخَرِ وحُجتِه فإنه مِنْ العَوامِّ المُقلِّدينَ، لا مِنْ العُلماءِ الذين يُرجِّحونَ ويُزيِّفونَ، واللهُ تعالَى يَهدينَا وإخوانَنَا لِما يُحبُّه ويَرضاهُ، وباللهِ التَّوفيقُ، واللهُ أعلَمُ (١).
إذَا ترَكَ الكِتابيُّ التَّسميةَ عندَ الذَّبحِ:
نَصَّ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ على أنَّ ذَبيحةَ الكِتابيِّ حَلالٌ، سَواءٌ ذكَرَ اسمَ اللهِ عليهَا أم لا، إلا قَولًا للحَنابلةِ.
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢١٢، ٢١٦).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وقد أجمَعُوا في ذَبيحةِ الكِتابيِّ أنها تُؤكَلُ وإنْ لم يُسَمِّ اللهَ عليهَا إذا لم يُسَمِّ عليهَا غيرَ اللهِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: إذا لم يُعلَمْ أنَّ أهلَ الكِتابِ سَمَّوا اللهَ على الذَّبيحةِ فقالَ الجُمهورُ: تُؤكلُ، وهو مَرويٌّ عن عَليٍّ، ولستُ أذكُرُ فيهِ في هذا الوَقتِ خِلافًا، ويَتطرَّقُ إليه الاحتِمالُ بأنْ يُقالَ: إنَّ الأصلَ هو أنْ لا يُؤكلَ مِنْ تَذكيتِهم إلا ما كانَ على شُروطِ الإسلامِ، فإذا قيلَ على هذا: «إنَّ التسميةَ مِنْ شَرطِ التذكيةِ» وجَبَ أنْ لا تُؤكلُ ذَبائحُهم بالشكِّ في ذلكَ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ومَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ إباحتُها، سَواءٌ سَمَّوا اللهَ تعالَى عليهَا أم لا، وقالَ قَومٌ: لا يَحلُّ إلا أنْ يُسمُّوا اللهَ تعالَى (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: التَّسميةُ مُشترطةٌ في كلِّ ذابحٍ مع العَمدِ، سواءٌ كانَ مُسلمًا أو كِتابيًّا، فإنْ ترَكَ الكِتابيُّ التَّسميةَ عن عَمدٍ أو ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ لم تَحلَّ ذَبيحتُه (٤).
وقالَ ابنُ القَيمِّ رحمة الله عليه: ومَن حرَّمَ مَتروكَ التَّسميةِ مِنْ المُسلمِ فلهُم قَولانِ في مَتروكِها مِنْ الكِتابيِّ:
أحَدُهما: أنه يُباحُ، وهذا مَرويٌّ عن عَطاءٍ ومُجاهدٍ ومَكحولٍ.
(١) «الاستذكار» (٥/ ٢٥٠).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٦٠٤).
(٣) «شرح مسلم» (١٢/ ١٠٢).
(٤) «المغني» (٩/ ٣٢١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيد والذبائح
١٧١٩ - مسألة؛ قال: (ومن ترك التسمية على الصيد عامدا أو ساهيا، لم
يُؤْكَلْ، وإِنْ تَرَك التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ عامِدًا، لَمْ تُؤْكَلْ، وإِنْ تَرَكَها سَاهِيًا، أُكِلَتْ )
أمّا الصَّيْدُ فقد مَضَى القولُ فيه ، وأمَّا الذَّبِيحَةُ فالمشهورُ من مذهَبِ أحمَدَ، أَنَّها شرطٌ مع الذِّكْرِ، وتسْقُطُ بالسَّهْوِ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عبَّاس. وبه قال مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حَنِيفَةَ، وإسحاقُ. وممَّنْ أَبَاحَ ما نُسِيَت التَّسْمِيَةُ عليه، عَطاءٌ، وطاوسٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعبدُ الرحمن بن أبى لَيْلَى، وجعفرُ بنُ محمد، ورَبيعَةُ. وعن أحمد، أنَّها مُسْتَحَبَّةٌ غيرُ واجبَةٍ فى عَمْدٍ ولا سَهْوٍ. وبه قال الشافِعِىُّ، لما ذَكَرْنا فى الصَّيْدِ. قال أحمدُ: إنَّما قال اللَّهُ تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} . يعنى الْمَيْتَةَ. وذُكِرَ ذلك عن ابنِ عَبَّاس . ولَنا، قَوْلُ ابنِ عبّاس: مَنْ نَسِىَ التَّسْمِيَةَ فلا بَأْسَ. ورَوَى سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، بإسْنادِه عن راشِدٍ بن سعد ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ذَبِيحَةُ المسْلِمِ حَلالٌ وإِنْ لم يُسَمِّ، إذا لَمْ يَتَعَمَّدْ" . ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا ، ولم نعرِفْ لهم فى الصحابَةِ مُخالِفًا. وقولُه تعالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} . محمولٌ على ما تُركَت التَّسْمِيَةُ عليه عَمْدًا، بدليلِ قولِه: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} . والأَكْلُ ممَّا نُسِيَت التَّسْمِيَةُ عليه ليس بِفِسْقٍ. ويفارقُ الصَّيْدَ؛ لأنَّ ذَبْحَه فى غيرِ مَحَلٍّ، فاعْتُبِرَتِ التَّسْمِيَةُ تَقْوِيَةً له، والذَّبِيحَةُ بخلافِ ذلك.
فصل: والتَّسْميَةُ على الذبيحَةِ مُعْتبرَةٌ حالَ الذَّبْح، أو قريبًا منه، كما تُعْتَبَرُ على
ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.