إذا ذكروا اسما غير اسم الله تعالى على ذبائحهم

الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > إذا ذكروا اسما غير اسم الله تعالى على ذبائحهم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

إذا ذكروا اسما غير اسم الله تعالى على ذبائحهم - الأقوال والأدلة

والثَّاني: أنه يَحرمُ كما يَحرمُ مِنْ المُسلمِ، وهذا قَولُ إسحاقَ وأحمَدَ وأبي حَنيفةَ وغيرِهم (١).

إذا ذَكَروا اسمًا غيرَ اسمِ اللهِ تَعالَى على ذَبائحِهِم:

قالَ الإمامُ البَغويُّ رحمة الله عليه: ولو ذبَحَ يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ على اسمِ غيرِ اللهِ -كالنصرانِيِّ يَذبحُ باسمِ المَسيحِ- فاختَلفُوا فيه:

قالَ عُمرُ: لا يَحلُّ، وهو قَولُ رَبيعةَ، وذهَبَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ إلى أنه يَحلُّ، وهو قَولُ الشَّعبيِّ وعَطاءٍ والزُّهريِّ ومَكحولٍ، سُئلَ الشعبيُّ وعطاءٌ عن النصرانِيِّ يَذبحُ باسمِ المَسيحِ؟ قالَا: يَحلُّ، فإنَّ اللهَ تعالَى قد أحَلَّ ذَبائحَهم وهو يَعلمُ ما يَقولونَ.

وقالَ الحَسنُ: إذا ذبَحَ اليَهوديُّ أو النصرانِيُّ فذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ وأنتَ تَسمعُ فلا تَأكلْه، فإذا غابَ عنكَ فكُلْ فقدْ أحَلَّه لكَ قَولُه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٢).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأما اختِلافُ العُلماءِ فيما ذبَحَ النصارَى لكَنائسِهم وأعيادِهم أو ما سَمَّوا عليهِ المسيحَ:

فقالَ مالِكٌ: ما ذَبَحوهُ لكَنائسِهم أكرَهُ أكلَه، وما سُميَّ عليهِ باسمِ المَسيحِ لا يُؤكلُ، والعَربُ عندَه والعَجمُ في ذلكَ سواءٌ.

وقالَ الثوريُّ: إذا ذبَحَ وأهَلَّ به لغيرِ اللهِ كَرهتُه، وهو قَولُ إبراهيمَ.

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٩٢).
(٢) «تفسير البغوي» (٣/ ١٣).

قالَ سُفيانُ: وبَلَغنا عن عَطاءٍ أنه قالَ: قد أحَلَّ اللهُ ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ؛ لأنه قد عَلِمَ أنهُم سيَقولونَ هذا القَولَ وقد أحَلَّ ذَبائحَهم.

ورُويَ عن أبي الدَّرداءِ وعُبادةَ بنِ الصَّامتِ قالَا: لا بأسَ بما ذبَحَ النصارَى لكَنائسِهم ومَوتاهُم.

قالَ أبو الدَّرداءِ: طَعامهُم كلُّه لنا حِلٌّ، وطَعامُنا لهم حِلٌّ.

وإلى هذا ذهَبَ فُقهاءُ الشاميِّينَ مَكحولٌ والقاسِمُ بنُ مُخَيمرةَ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ يَزيدَ بن جابرٍ وسَعيدُ بنُ عبدِ العَزيزِ والأوزاعيُّ، وقالَوا: سَواءٌ سمَّى النصرانِيُّ المَسيحَ على ذَبيحتِه أو سمَّى جِرجسَ أو ذبَحَ لعِيدِه أو لكَنيستِه، كُلَّ ذلكَ حَلالٌ؛ لأنه كِتابيٌّ ذبَحَ بدِينِه، وقد أحَلَّ اللهُ ذَبائحُهم في كِتابِه.

وقالَ المُزنِيُّ عن الشافِعيِّ: لا تَحلُّ ذَبيحةُ نَصارَى العَربِ، ورُوي ذلكَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ.

ورَوى قَيسُ بنُ الرَّبيعِ عن عَطاءِ بنِ السائبِ عن زَاذانَ عن عَليٍّ قالَ: إذا سَمِعتَ النصرانِيَّ يَقولُ: «باسمِ المَسيحِ» فلا تَأكلْ، وإذا لم يُسَمِّ فكُلْ، فقدْ أحَلَّ اللهُ ذَبائحَهم.

وعن عائِشةَ قالَت: لا تَأكلْ ما ذُبحَ لأعيادِهم، وعن ابنِ عُمرَ مِثلُه.

وعن الحَسنِ ومَيمونَ بنِ مَهرانَ أنهُما كانَا يَكرهانِ ما ذبَحَ النصارَى لأعيادِهم وكَنائسِهم وآلِهتِهم.

وقد قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: كانَ مالِكٌ يَكرهُه مِنْ غيرِ أنْ يُوجِبَ فيه تَحريمًا.

وذكَرَ عبدُ الرَّزاقِ قالَ: أخبَرَنا مَعمرٌ عن عَمرِو بنِ مَيمونَ بنِ مَهرانَ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كانَ يُوكِلُ بقَومٍ مِنْ النصارَى قومًا مِنْ المُسلمينَ إذا ذَبَحوا أنْ يُسمُّوا اللهَ ولا يَتركُوهم أنْ يُهِلُّوا لغيرِ اللهِ (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فأما إذا ذَبَحوا على اسمِ المَسيحِ أو كَنيسةٍ ونَحوِها فلا تَحلُّ تلكَ الذَّبيحةُ عندَنا، وبه قالَ جَماهيرُ العُلماءِ، واللهُ أعلَمُ (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأما ما ذَبَحوهُ لكَنائسِهم وأعيادِهِم فنَنظرُ فيه؛ فإنْ ذبَحَه لهُم مُسلمٌ فهو مُباحٌ، نَصَّ عليهِ، وقالَ أحمَدُ وسُفيانُ الثَّوريُّ في المَجوسيِّ يَذبحُ لإلهِه ويَدفعُ الشاةَ إلى المُسلمِ يَذبحُها فيُسمِّي: يَجوزُ الأكلُ منها، وقالَ إسماعيلُ بنُ سَعيدٍ: سألتُ أحمَدَ عمَّا يُقرَّبُ لآلِهتِهم يَذبحُه رَجلٌ مُسلمٌ؟ قالَ: لا بأسَ به.

وإنْ ذبَحَها الكِتابيُّ وسمَّى اللهَ وحْدَه حَلَّتْ أيضًا؛ لأنَّ شرْطَ الحِلِّ وُجدَ، وإنْ عُلمَ أنه ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ عليهَا أو ترَكَ التَّسميةَ عمدًا لم تَحلَّ، قالَ حَنبلٌ: سَمعتُ أبا عبدِ اللهِ قالَ: إنْ ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ عليهَا أو ترَكَ التَّسميةَ عَمدًا لم تَحلَّ، قالَ حَنبلٌ: سَمعتُ أبا عبدِ اللهِ قالَ: لا يُؤكلُ، يَعني ما ذُبحَ لأعيادِهم وكَنائسِهم؛ لأنه أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به، وقالَ في مَوضعٍ: يَدَعونَ

(١) «الاستذكار» (٥/ ٢٥٨)، وانظُرْ: «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٦/ ٧٦).
(٢) «شرح مسلم» (١٢/ ١٠٢).

التسميةَ على عَمدٍ، إنما يَذبحونَ للمَسيحِ، فأما ما سِوى ذلكَ فرُويَتْ عن أحمَدَ الكَراهةُ فيما ذُبحَ لكَنائسِهم وأعيادِهم مُطلقًا، وهو قَولُ مَيمونَ بنِ مَهرانَ؛ لأنه ذُبحَ لغيرِ اللهِ، ورُويَ عن أحمَدَ إباحتُه، وسُئلَ عنه العِرباضُ بنُ سارِيةٍ فقالَ: كُلُوا وأَطعِمُوني، ورُويَ مِثلُ ذلكَ عن أبي أمامةَ الباهِليِّ وأبي مُسلمٍ الخَولانِيِّ، وأكَلَه أبو الدَّرداءِ وجُبيرُ بنُ نُفيرٍ، ورخَّصَ فيه عَمرُو بنُ الأسوَدِ ومَكحولٌ وضَمرةُ بنُ حَبيبٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهذا مِنْ طَعامِهم.

قالَ القاضِي: ما ذبَحَه الكِتابيُّ لعِيدِه أو نَجمٍ أو صَنمٍ أو نَبيٍّ فسمَّاهُ على ذَبيحتِه حَرُمَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥]، وإنْ سَمَّى اللهَ وحْدَه حَلَّ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]. لكنَّه يُكرهُ؛ لقَصدِه بقَلبِه الذبحَ لغيرِ اللهِ (١).

وقالَ أيضاً: التَّسميةُ مُشترطةٌ في كلِّ ذابحٍ مع العَمدِ، سواءٌ كانَ مُسلمًا أو كِتابيًّا، فإنْ ترَكَ الكِتابيُّ التَّسميةَ عن عَمدٍ أو ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ لم تَحلَّ ذَبيحتُه، رُويَ ذلكَ عن عَليٍّ، وبه قالَ النخَعيُّ والشافِعيُّ وحمَّادٌ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ عَطاءٌ ومُجاهدٌ ومَكحولٌ: إذا ذبَحَ النصرانِيُّ باسمِ المَسيحِ حَلَّ؛ فإنَّ اللهَ تعالَى أحَلَّ لنا ذَبيحتَه وقد عَلِمَ أنه سيَقولُ ذلكَ.

ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥]، والآيةُ أُريدَ بها ما ذَبحوهُ

(١) «المغني» (٩/ ٣١٢).

بشَرطِه كالمُسلمِ، فإنْ لم يُعلَمْ أَسمَّى الذابحُ أم لا؟ أو ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ أم لا؟ فذَبيحتُه حَلالٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أباحَ لنا أكْلَ ما ذبَحَه المُسلمُ والكِتابيُّ وقد عَلِمَ أنَّنا لا نَقفُ على كلِّ ذابحٍ.

وقد رُويَ عن عائِشةَ رضي الله عنها أنهُم قالَوا: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ قَومًا حَديثُو عَهدٍ بشِركٍ يَأتونَنا بلَحمٍ لا نَدرِي أذَكَروا اسمَ اللهِ عليهِ أو لم يَذكُروا؟ قالَ: سَمُّوا أنتُم وكُلُوا» أخرَجَه البُخاريُّ (١).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: فأما إذا ذُكرَ اسمُ غيرِ اللهِ عليهِ فقالَ في «المُحرَّر» و «الحاوِي الكَبِير»: فيهِ رِوايتانِ مَنصوصتانِ: أصَحُّها عندِي تَحريمُه.

قالَ في «الفُرُوع»: ويَحرمُ على الأصَحِّ أنْ يُذكرَ غيرُ اسمِ اللهِ تعالَى، وقطَعَ به المُصنِّفُ وغيرُه، وقدَّمَه في «الرِّعايتَين» و «الحاوِي الصَّغِير»، وعَنهُ: لا يَحرمُ، ونقَلَ عبدُ اللهِ: لا يُعجِبُني ما ذُبحَ للزُّهرةِ والكَواكبِ والكَنيسةِ وكلُّ شَيءٌ ذُبحَ لغيرِ اللهِ، وذكَرَ الآيةَ (٢).

وقالَ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: ولا يَحلُّ أكلُ ما ذُبحَ أو نُحرَ لغيرِ اللهِ تعالَى، ولا ما سُمِّيَ عليهِ غيرُ اللهِ تعالَى مُتقربًا بتلكِ الذَّكاةِ إليهِ، سَواءٌ ذُكرَ اللهُ تعالَى معَه أو لم يُذكرْ، وكذلكَ ما ذُكِّيَ مِنْ الصَّيدِ لغيرِه تعالَى، فلو قالَ: «باسمِ اللهِ وصلَّى اللهُ على المَسيحِ، أو قالَ: على مُحمدٍ» أو ذكَرَ سائرَ الأنبياءِ فهو حَلالٌ؛ لأنه لم يُهِلَّ به لهُم، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾

(١) «المغني» (٩/ ٣٢١).
(٢) «الإنصاف» (١٠/ ٤٠٩)، وانظُرْ: «المبدع» (٩/ ٢٢٩).

[الأنعام: ١٤٥]، فسَواءٌ ذُكرَ اللهُ تعالَى عليهِ أو لم يُذكرْ هوَ ممَّا أُهلَّ لغيرِ اللهِ تعالَى به فهو حَرامٌ، سَواءٌ ذبَحَه مُسلمٌ أو كِتابيٌّ.

وقالَ بَعضُ القائِلينَ: «قد أباحُ اللهُ تعالَى لنا أكْلَ ذَبائحِهم وهوَ يَعلمُ ما يَقولونَ»، وهذا ليسَ حُجةً في إباحةِ ما حرَّمَ اللهُ تعالَى؛ لأنَّ الذي أباحَ لنا ذَبائحَهم وعَلِمَ ما يَقولونَ هو اللهُ ﷿ المُحرِّمُ علينا ما أُهلَّ لغيرِ اللهِ به، فلا يَحلُّ تَركُ شَيءٍ مِنْ أمرِه تعالَى لأمرٍ آخَرَ، ولا بُدَّ مِنْ استِعمالِهما جَميعًا، وليسَ ذلكَ إلا باستِثناءِ الأقلِّ مِنْ الأعَمِّ.

ورُويَتْ في هذا رِواياتٌ عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ وأبي الدَّرداءِ والعِرباضِ بنِ ساريةَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وأبي أُمامةَ، كلُّها عن مَجاهيلَ أو عن كَذَّابٍ أو عن ضَعيفٍ؛ ولكنَّه صَحيحٌ عن بَعضِ التابعِينَ، وروينَا عن عائِشةَ أمِّ المُؤمنينَ «أنَّ امرأةً سَألَتْها عمَّا ذُبحَ لعيدِ النصارَى؟ فقالَتْ عائِشةُ: أما ما ذُبحَ لذلكَ اليومِ فلا تَأكلُوا منه».

ومِن طَريقِ ابنِ عُمرَ: «ما ذُبحَ للكَنيسةِ فلا تَأكلُه».

ومِن طَريقِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ عن قَيسٍ عن عَطاءِ بنِ السائبِ عن زاذانَ عن عَليِّ بنِ أبي طالبٍ قالَ: «إذا سَمعتَ النصرانِيَّ يَقولُ: «باسمِ المَسيحِ» فلا تَأكلْ، وإذا لم تَسمعْ فكُلْ».

وصَحَّ عن إبراهيمَ النَّخعيِّ في ذَبيحةِ النصرانِيِّ: إذا تَوارَى عنكَ فكُلْ.

وعن حمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ في ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ قالَ: كُلْ ما لم تَسمعْه أهَلَّ به لغيرِ اللهِ تعالَى.

وعنِ الحَسنِ وطاوسٍ ومُجاهدٍ أنهم كَرِهوا ما ذُبحَ للآلهةِ.

وعن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أنه وكَّلَ بهم مَنْ يَمنعُهم أنْ يُشرِكوا على ذَبائحِهم، ويَأمرُهم أنْ يُسمُّوا اللهَ تعالَى.

ومِن طَريقِ ابنِ أبي شَيبةَ: نا عبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ قالَ: إذا سَمعتَ في الذَّبيحةِ غيرَ اسمِ اللهِ تعالَى فلا تَأكلْ.

ومِن طَريقِ وَكيعٍ عن عَليِّ بنِ صالحٍ عن مُحمدِ بنِ جُحادةَ عن إبراهيمَ النخَعيِّ قالَ: إذا سَمعتَه يُهِلُّ بالمَسيحِ فلا تَأكلْ، وهو قَولُ الحارثِ العُكليِّ ومُحمدِ بنِ سِيرينَ.

قالَ عليٌّ: ويُقالَ لمَن خالَفَ هذا: قد أحَلَّ اللهُ تعالَى ذَبائحَهم، وهو تعالَى يَعلمُ أنهُم يَذبحونَ الخِنزيرَ، أفَيأكلُه؟ فمِن قَولِهم: لا؛ لأنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ الخِنزيرِ؟ فيُقالَ لهُم: واللهُ تعالَى حرَّمَ ما أُهِلَّ به لغيرِه كما حرَّمَ الخنزيرَ سَواءً سَواءً، ولا فرْقَ (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما إذا عُلِمَ أنهُم ذَبَحوا ذلكَ لأعيادِهم وكَنائسِهم فإنَّ مِنْ العُلماءِ مَنْ كَرِهَه، وهو قَولُ مالِكٍ، ومنهُم مَنْ أباحَه، وهو قَولُ أشهَبَ، ومنهُم مَنْ حرَّمَه، وهو الشافِعيُّ.

وسَببُ اختِلافِهم: تَعارضُ عُمومَيِ الكِتابِ في هذا البابِ، وذلكَ أنَّ قولَه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يُحتملُ أنْ يَكونَ مُخصِّصًا لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥]، ويُحتملُ أنْ

(١) «المحلى» (٧/ ٤١١، ٤١٢).

يكونَ قولُه تعالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥] مُخصِّصًا لقَولِه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ إذْ كانَ كُلُّ واحدٍ منهُما يَصحُّ أنْ يُستثنَى مِنْ الآخَرِ، فمَن جعَلَ قولَه تعالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥] مُخصِّصًا لقَولِه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قالَ: لا يَجوزُ ما أُهِلَّ بهِ للكَنائسِ والأعيادِ، ومَن عكَسَ الأمرَ قالَ: يَجوزُ (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ أقوالَ الفَريقينِ:

قالَ المُبيحونَ: هذا مِنْ طَعامِهم، وقد أباحَ اللهُ لنا طَعامَهم مِنْ غيرِ تَخصيصٍ، وقد عَلِمَ سُبحانَه أنهُم يُسمُّونَ غيرَ اسمِه.

قالَ المُحرِّمونَ: قد صرَّحَ القُرآنُ بتَحريمِ ما أُهِلَّ به لغَيرِ اللهِ، وهذا عامٌّ في ذَبيحةِ الوَثنيِّ والكِتابيِّ إذا أُهِلَّ بها لغيرِ اللهِ، وإباحةُ ذَبائحِهم وإنْ كانَتْ مُطلَقةً لكنَّها مُقيَّدةٌ بما لم يُهِلُّوا به لغيرِه، فلا يَجوزُ تَعطيلُ المُقيَّدِ وإلغاؤُه، بل يُحمَلُ المُطلَقُ على المُقيَّدِ.

قالَ الآخرُونَ: بل هذا مِنْ بابِ العامِّ والخاصِ، فأما ما أُهِلَّ به لغَيرِ اللهِ فعامٌّ في الكِتابيِّ وغيرِه خُصَّ منه ذَبيحةُ الكِتابيِّ، فبَقيَتِ الآيةُ على عُمومِها في غَيرِه.

قالَ الآخَرونَ: بل قَولُه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] عامٌّ فيما أهَلُّوا به للهِ وما أهَلُّوا بهِ لغيرِه خُصَّ منه ما أُهلَّ به لغيرِه، فبقيَ اللفظُ على عُمومِه فيما عَداهُ، قالَوا: وهذا أَولى لوُجوهٍ:

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٦٠٤).

أحَدُها: أنه قد نَصَّ سُبحانَه على تَحريمِ ما لم يُذكَرْ عليهِ اسمُه، ونهَى عن أكلِه، وأخبَرَ أنه فِسقٌ، وهذا تَنبيهٌ على أنَّ ما ذُكرَ عليهِ اسمُ غيرِه أشَدُّ تَحريمًا وأَولى بأنْ يكونَ فِسقًا.

الثاني: أنَّ قولَه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قد خُصَّ بالإجماعِ، وأما ما أُهلَّ به لغيرِ اللهِ فلم يُخَصَّ بالإجماعِ، فكانَ الأخذُ بالعُمومِ الذي لم يُجمَعْ على تَخصيصِه أَولى مِنْ العُمومِ الذي قد أُجمعَ على تَخصيصِه.

الثالِثُ: أنَّ اللهَ سُبحانَه قالَ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فحصَرَ التحريمَ في هذهِ الأربعةِ، فإنها مُحرَّمةٌ في كلِّ مِلةٍ، لا تُباحُ بحالٍ إلا عندَ الضَّرورةِ، وبدَأَ بالأخفِّ تَحريمًا ثمَّ بما هو أشَدُّ منه، فإنَّ تَحريمَ المَيتةِ دونَ تَحريمِ الدمِ؛ فإنه أخبَثُ منها، ولَحمُ الخنزيرِ أخبَثُ منها، وما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ أخبَثُ الأربَعةِ.

ونَظيرُ هذا قَولُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)[الأعراف: ٣٣]، فبدَأَ بالأسهَلِ تَحريمًا ثمَّ ما هو أشَدُّ منه إلى أنْ ختَمَ بأغلَظِ المُحرَّماتِ، وهو القَولُ عليهِ بلا عِلمٍ، فما أُهلَّ به لغيرِ اللهِ في الدَّرجةِ الرابعةِ مِنْ المُحرَّماتِ.

الرابعُ: أنَّ ما أُهلَّ به لغيرِ اللهِ لا يَجوزُ أنْ تأتِيَ شَريعةٌ بإباحتِه أصلًا؛ فإنه بمَنزلةِ عِبادةِ غيرِ اللهِ.

وكلُّ مِلةٍ لا بُدَّ فيها مِنْ صَلاةٍ ونُسكٍ، ولم يُشرِّعِ اللهُ على لِسانِ رَسولٍ مِنْ رُسلِه أنْ يُصلَّى لغيرِه ولا يُنسَكَ لغيرِه، فقالَ تعالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].

الخامِسُ: أنَّ ما أُهلَّ به لغيرِ اللهِ تَحريمُه مِنْ بابِ تَحريمِ الشِّركِ، وتَحريمُ المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ مِنْ بابِ تَحريمِ الخَبائثِ والمَعاصي.

السادِسُ: أنه إذا خُصَّ مِنْ طَعامِ الذينَ أوتُوا الكِتابَ ما يَستحلِّونَه مِنْ المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ فلَأنْ يُخَصَّ منه ما يَستحلُّونَه ممَّا أُهلَّ به لغيرِ اللهِ أَولى وأحرَى.

السابعُ: أنه ليسَ المُرادُ مِنْ طَعامِهم ما يَستحلِّونَه وإنْ كانَ مُحرَّمًا عليهِم، فهذا لا يُمكِنُ القَولُ به؛ بل المُرادُ به ما أباحَه اللهُ لهُم، فلا يَحرمُ علينا أكلُه، فإنَّ الخِنزيرَ مِنْ طَعامِهم الذي يَستحلِّونَه ولا يُباحُ لنا، وتَحريمُ ما أُهلَّ به لغيرِ اللهِ عليهِم أعظَمُ مِنْ تَحريمِ الخِنزيرِ، وسِرُّ المَسألةِ أنَّ طَعامَهم ما أُبيحَ لهُم، لا ما يَستحلِّونَه مما حرمَ عليهِم.

الثامِنُ: أنَّ بابَ الذَّبائحِ على التَّحريمِ إلا ما أباحَه اللهُ ورَسولُه، فلو قُدِّرَ تَعارضُ دَليلَيِ الحَظرِ والإباحةِ لَكانَ العَملُ بدَليلِ الحظرِ أَولى؛ لثَلاثةِ أوجُهٍ:

أحَدُها: تَأيُّدُه بالأصلِ الحاظرِ.

الثاني: أنه أحوَطُ.

الثالِثُ: أنَّ الدَّليلَينِ إذا تَعارضَا تَساقَطَا ورُجعَ إلى أصلِ التَّحريمِ (١).

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٩٥، ١٩٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الذبائح
الباب الخامس فيمن تجوز تذكيته ومن لا تجوز

الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَنْ تَجُوزُ تَذْكِيَتُهُ وَمَنْ لَا تَجُوزُ

وَالْمَذْكُورُ فِي الشَّرْعِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ اتُّفِقَ عَلَى جَوَازِ تَذْكِيَتِهِ، وَصِنْفٌ اتُّفِقَ عَلَى مَنْعِ ذَكَاتِهِ، وَصِنْفٌ اخْتُلِفَ فِيهِ.

فَأَمَّا الصِّنْفُ الَّذِي اتُّفِقَ عَلَى ذَكَاتِهِ: فَمَنْ جَمَعَ خَمْسَةَ شُرُوطٍ: الْإِسْلَامَ وَالذُّكُورِيَّةَ وَالْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ وَتَرْكَ تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ.

وَأَمَّا الَّذِي اتُّفِقَ عَلَى مَنْعِ تَذْكِيَتِهِ: فَالْمُشْرِكُونَ عَبْدَةُ الْأَصْنَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} المائدة: ٣ ، وَلِقَوْلِهِ: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} المائدة: ٣ .

وَأَمَّا الَّذِينَ اخْتُلِفَ فِيهِمْ: فَأَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ مِنْهَا عَشَرَةٌ: أَهْلُ الْكِتَابِ، وَالْمَجُوسُ، وَالصَّابِئُونَ، وَالْمَرْأَةُ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّكْرَانُ، وَالَّذِي يُضَيِّعُ الصَّلَاةَ، وَالسَّارِقُ، وَالْغَاصِبُ.

فَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ: فَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى جَوَازِ ذَبَائِحِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} المائدة: ٥ وَمُخْتَلِفُونَ فِي التَّفْصِيلِ. فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَلَا مُرْتَدِّينَ، وَذَبَحُوا لِأَنْفُسِهِمْ، وَعُلِمَ أَنَّهُمْ سَمَّوُا اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَبِيحَتِهِمْ، وَكَانَتِ الذَّبِيحَةُ مِمَّا لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا حَرَّمُوهَا هُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْهَا مَا عَدَا الشَّحْمَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 675 - 684

ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل