الحالة الثانية: حالة الجواز

الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > الحالة الثانية: حالة الجواز

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: حالة الجواز - الأقوال والأدلة

وأما المَريءُ: فهو مَجرَى الطَّعامِ والشَّرابِ، يَلي الحُلقومَ، وبهِما تُوجَدُ الحياةُ، وبفَقدِهما تُفقَدُ الحياةُ.

وأما الوَدَجانِ: فهُمَا عِرقانِ في جَنبيِ العُنقِ مِنْ مقدَّمِهِ، ولا تَفوتُ الحَياةُ بفَواتِهما؛ لأنهُما قد يَنسلَّانِ مِنْ الإنسانِ والبَهيمةِ ثمَّ يَحيَيانِ، والوَدَجانِ اسمٌ لهُمَا في البَهيمةِ، ويُسمَّيانِ في الإنسانِ الوَريدانِ، ومنه قولُه تعالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)[ق: ١٦]، فهذا حالُ الكَمالِ في الذَّكاةِ بقَطعِ هذهِ الأربَعةِ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ (١).

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ في أنَّ الأكمَلَ قَطعُ الأربَعةِ: الحُلقومِ والمَريءِ والوَدجينِ، فالحُلقومُ مَجرَى النفَسِ، والمَريءُ وهو مَجرَى الطَّعامِ والشَّرابِ، والوَدجانِ وهُمَا عِرقانِ مُحيطانِ بالحُلقومِ؛ لأنه أسرَعُ لخُروجِ رُوحِ الحَيوانِ، فيَخفُّ عليهِ ويخرجُ مِنْ الخِلافِ، فيَكونُ أَولى (٢).

الحالةُ الثانِيةُ: حالةُ الجَوازِ:

فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيه على مَذاهبَ:

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الأوداجَ أربَعةٌ: الحُلقومُ والمَريءُ والعِرقانِ اللَّذانِ بينَهُما الحُلقومُ والمَريءُ، فإذا فَرَى ذلكَ كلَّه فقدْ أتَى بالذَّكاةِ بكَمالِها وسُنَنِها، وإنْ فَرَى البعضَ دونَ البَعضِ فعندَ أبي حَنيفةَ إذا قطَعَ أكثرَ الأوداجِ -وهو ثَلاثةٌ مِنها، أيَّ ثَلاثةٍ كانَتْ- وترَكَ واحِدًا يَحلُّ؛ لأنَّ للأكثَرِ

(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٨٧).
(٢) «المغني» (٩/ ٣١٧).

حُكمَ الكلِّ فيما بُنيَ على التوسِعةِ في أصولِ الشَّرعِ، والذكاةُ بُنيَتْ على التَّوسعةِ حيثُ يُكتفَى فيها بالبعضِ، فيُقامُ الأكثرُ مَقامَ الجَميعِ.

وقالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: لا يَحلُّ حتَّى يَقطعَ الحُلقومَ والمَريءَ وأحَدَ العِرقينِ، وإلا فَلا، حتى لو قطَعَ الحُلقومَ والمَريءَ أو اقتَصرَ على أحَدِهما مع الوَدجينِ لم يَجُزْ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ العُروقِ يُقصدُ بقَطعِه غيرُ ما يُقصدُ به الآخَرُ؛ لأنَّ الحُلقومَ مجرَى النفَسِ، والمَريءَ مَجرَى الطَّعامِ، والوَدجينِ مَجرَى الدمِ، فإذا قُطعَ أحدُ الوَدجينِ حصَلَ بقَطعِه المَقصودُ منهُما، وإذا تُركَ الحُلقومُ لم يَحصلْ بقَطعِ ما سِواهُ المَقصودُ منه، ولذلكَ اختَلفَا.

وقالَ مُحمدٌ رحمة الله عليه: لا يَحلُّ حتَّى يَقطعَ مِنْ كلِّ واحِدٍ مِنْ الأربَعةِ أكثَرَه؛ لأنه إذا قطَعَ الأكثَرَ مِنْ كلِّ واحِدٍ مِنْ الأربَعةِ فقدْ حصَلَ المَقصودُ بالذَّبحِ، وهو خُروجُ الدمِ؛ لأنه يخرجُ ما يَخرجُ بقَطعِ الكُلِّ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ شرْطَ صِحةِ الذَّكاةِ أنْ يكونَ القَطعُ لجَميعِ الحُلقومِ -وهي القَصبةُ التي هي مَجرَى النفَسِ- ولجَميعِ الوَدجينِ -وهُمَا عِرقانِ في صَفحتَي العُنقِ يَتصلُ بهمَا أكثَرُ عُروقِ البَدنِ، ويَتصِلانِ بالدِّماغِ-، فلو قطَعَ أحَدَهُما وأبقَى الآخرَ أو بعضَه لم تُؤكلْ.

ولا يُشترطُ قَطعُ المَريءِ الذي يَكونُ مع الحُلقومِ، وهو عِرقٌ أحمَرُ

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «المبسوط» (١٢/ ٢، ٣)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٤١، ٤٢)، و «الهداية» (٤/ ٦٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٥٧، ٤٥٨).

تحتَ الحُلقومِ مُتصِلٌ بالفَمِ ورأسِ المَعدةِ والكَرشِ يَجري فيه الطعامِ إليها، ويُسمَّى البَلعومَ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ إجزاءَ الذَّبحِ بقَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ دونَ الوَدجينِ، فإنْ قطَعَ الحُلقومَ والمَريءَ واستَثنَى الوَدجينِ حَلَّ الذَّبحُ؛ لأنه قطَعَ في مَحلِّ الذَّبحِ ما لا تَبقَى الحياةُ مع قَطعِه، فأشبَهَ ما لو قطَعَ الأربَعةَ (٢).

وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يُباحُ إلا أنْ يَقطعَ الحُلقومَ والمَريءَ وعِرقانِ مِنْ الجانبَينِ مِنْ كلِّ جانِبٍ واحِدٌ (٣).

وبيَّنَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه السببَ في اختِلافِ العُلماءِ فقالَ:

وسَببُ اختِلافِهم أنه لم يأت في ذلكَ شَرطٌ مَنقولٌ، وإنما جاءَ في ذلكَ أثَرانِ أحَدُهما يَقتضِي إنهارَ الدمِ فقطْ، والآخَرُ يَقتضِي قطْعَ الأوداجِ مع إنهارِ الدمِ، ففِي حَديثِ رافعِ بنِ خَديجٍ أنه قالَ عليه الصلاة والسلام: «ما أنهَرَ الدمَ وذُكرَ اسمُ اللهِ عليهِ فكُلْ»، وهو حَديثٌ مُتفَقٌ على صحَّتهِ، ورُويَ عن

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٤٠، ٣٤٢)، و «أحكام القرآن» (٢/ ٢٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٣٠٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣، ٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٥٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٢٩٩).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٨٧، ٨٨)، و «المجموع» (٩/ ٨٠)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٦٥، ٤٦٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١١١، ١١٢)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٥٢)، و «المغني» (٩/ ٣١٦، ٣١٧)، و «الكافي» (١/ ٤٧٩)، و «الفروع» (٦/ ٢٨١)، و «الإنصاف» (١٠/ ٣٩٢).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ٣٥٢)، و «المغني» (٩/ ٣١٧)، و «الكافي» (١/ ٤٧٩)، و «الفروع» (٦/ ٢٨١)، و «الإنصاف» (١٠/ ٣٩٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الأشربة والحد فيها)
(باب قتال أهل الردة وما أصيب في أيديهم من متاع المسلمين)

(باب قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَمَا أُصِيبَ فِي أَيْدِيهِمْ من متاع المسلمين)

(من كتاب قتل الخطأ)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا أَسْلَمَ الْقَوْمُ ثُمَّ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَيِّ كُفْرٍ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ دَارِ الْحَرْبِ وَهُمْ مَقْهُورُونَ أَوْ قَاهِرُونَ فِي مَوْضِعِهِمُ الَّذِي ارتدوا فيه فعلى المسلمين أن يبدؤوا بِجِهَادِهِمْ قَبْلَ جِهَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ لَمْ يسلموا قط) .

قال الماوردي: قد ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ عَلَى دِينِهِ، سَوَاءٌ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ ارْتَدَّ، أَوْ أَسَلَمَ عَنْ كُفْرٍ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَسَوَاءٌ ارتد إلى دين يقر عليه أهله أَمْ لَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} آل عمران: ٨٥ وقال تعالى: {ومن يرتد مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} البقرة: ٢١٧ .

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ ابن عباس أن علياً - عليه السلام أَحْرَقَ الْمُرْتَدِّينَ قَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ وَلَقَتَلْتُهُمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إنا أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مَقْهُورًا فَقَدْ مَضَى حُكْمُهُ في وجوب قتله إن لم يتب

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 653 - 655

ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله