الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > الشرط الثالث: التسمية عند الذبح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةوالزِّنديقِ والدُّروزِ والتَّيامِنةِ والنُّصيريةِ (غيرُ اللَّحمِ والدَّسمِ) أي: الشَّحمِ والكَوارعِ والرُّؤوسِ ونحوِها مِنْ أجزاءِ الذَّبيحةِ؛ لأنها مَيتةٌ وكلُّ أجزائِها مَيتةٌ (١).
الشَّرطُ الثالثُ: التَّسميةُ عندَ الذبحِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل تَجبُ التَّسميةُ عندَ الذبحِ مُطلَقًا؟ أم هي سُنةٌ وليسَتْ واجبةً؟ أم واجِبةٌ عندَ الذِّكرِ وتَسقطُ عندَ النسيانِ؟
فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّسميةَ واجِبةٌ عندَ إرسالِ الجارِحِ أو رَميِ السِّلاحِ، فإنْ ترَكَ التَّسميةَ عَمدًا أو سَهوًا لم يُبَحِ الصَّيدُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
وقالَ النبيُّ ﷺ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ وسَمَّيتَ فكُلْ، قلتُ: أُرسِلُ كَلبِي فأخَذَ معه كَلبًا آخَرَ؟ قالَ: لا تَأكلْ، فإنَّكَ إنما سَمَّيتَ على كَلبِكَ ولم تُسَمِّ على الآخَرِ»، مُتفَقٌ عليهِ، وفي لَفظٍ: «وإذا خالَطَ كِلابًا لم يُذكرِ اسمُ اللهِ عليهَا فأمسَكْنَ وقَتَلْنَ فلا تَأكلْ»، وفي حَديثِ أبي ثَعلبةَ: «وما صِدْتَ بقَوسِكَ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ»
وهذهِ نُصوصٌ صَحيحةٌ لا يُعرَّجُ على ما خالَفَها، وقولُه ﷺ: «عُفيَ لأمَّتي عن الخَطأِ والنِّسيانِ» يَقتضِي نفيَ الإثمِ لا جعْلَ الشَّرطِ المَعدومِ كالمَوجودِ؛ بدَليلِ ما لو نَسيَ شرْطَ الصلاةِ.
(١) «كشاف القناع» (٦/ ٢٥٩، ٢٦٠).
والفَرقُ بينَ الصَّيدِ والذَّبيحةِ أنَّ الذَّبحَ وقَعَ في مَحلِّه، فجازَ أنْ يُتسامَحَ فيه بخِلافِ الصَّيدِ.
ولا يَضرُّ تَقدُّمٌ يَسيرٌ عُرفًا للتَّسميةِ على الإرسالِ أو الرميِ كالعِباداتِ، وكذا لا يَضرُّ تَأخرٌ يَسيرٌ، وكذا لا يَضرُّ تَأخرٌ كَثيرٌ في جارحٍ إذا زجَرَه فانزجَرَ؛ إقامةً لذلكَ مَقامَ ابتِداءِ إرسالِه.
إذا ثبَتَ هذا فالتَّسميةُ المُعتبَرةُ قولُه: «بِسمِ اللهِ»؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ يَنصرفُ إلى ذلكَ، وقد ثبَتَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا ذبَحَ قالَ: بِسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ»، وكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يَقولُه، ولا خِلافَ في أنَّ قولَه: «بِسمِ اللهِ» يُجزِئُه، وإنْ قالَ: «اللهُمَّ اغفِرْ لي» لم يَكفِ؛ لأنَّ ذلكَ طَلبُ حاجَةٍ، وإنْ هلَّلَ أو سبَّحَ أو كبَّرَ أو حَمدَ اللهَ تعالَى احتَملَ الإجزاءَ؛ لأنه ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى على وَجهِ التَّعظيمِ، واحتَملَ المَنعَ؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ لا يَتناولُه.
وإنْ ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى بغيرِ العرَبيةِ أجزَأَه وإنْ أحسَنَ العرَبيةَ؛ لأنَّ المَقصودَ ذِكرُ اسمِ اللهِ، وهو يَحصلُ بجَميعِ اللُّغاتِ، بخِلافِ التَّكبيرِ في الصلاةِ؛ فإنَّ المَقصودَ لفظُه.
وتُعتبَرُ التَّسميةُ عندَ الإرسالِ؛ لأنه الفِعلُ المَوجودُ مِنْ المُرسِلِ، فتُعتبَرُ التَّسميةُ عندَه كما تُعتبَرُ عندَ الذبحِ مِنْ الذابحِ وعندَ إرسالِ السَّهمِ مِنْ الرَّامِي، نَصَّ أحمَدُ على هذا، ولا تُشرَعُ الصَّلاةُ على النبيِّ ﷺ مع التَّسميةِ في ذَبحٍ ولا صَيدٍ.
واختارَ أبو إسحاقَ بنُ شاقِلَا استِحبابَ ذلكَ.
وعنِ الإمامِ أحمَدَ أنَّ التَّسميةَ تُشترطُ على إرسالِ الكَلبِ في العَمدِ والنِّسيانِ، ولا يَلزمُ ذلكَ في إرسالِ السَّهمِ؛ لأنَّ السهمَ آلةٌ حَقيقةً وليسَ له اختِيارٌ، فهو بمَنزلةِ السِّكينِ، بخِلافِ الحيَوانِ؛ فإنه يَفعلُ باختِيارِه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ التَّسميةَ تَجبُ في حالِ الذِّكرِ وتَسقطُ عندَ النسيانِ عندَ الذَّبحِ، لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي: حَرامٌ، ولحَديثِ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ وذَكَرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ» مُتفَقٌ عليهِ.
ولا بُدَّ مِنْ التَّسميةِ وقتَ الذَّبحِ، فإنْ ذبَحَ ولمْ يُسَمِّ فالذَّبيحةُ مَيتةٌ لا يَحلُّ أكلُها، وإنْ ترَكَ التَّسميةَ عندَ ذلكَ ناسِيًا حَلَّ أكلُه.
وأمَّا إذا كانَ ناسِيًا للتَّسميةِ فتَحلُّ، وحِينئذٍ فيُقيَّدُ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي: لا تَأكلُوا ممَّا تُركَتِ التَّسميةُ عليهِ عَمدًا مع القُدرةِ عليهَا، وأما ما تُركَتِ التسميةُ عليهِ نِسيانًا أو عَجزًا فإنه يُؤكلُ؛ لأنَّ في تَحريمِه حَرجًا عظيمًا؛ لأنَّ الإنسانَ قَلَّما يَخلو عن النِّسيانِ، فكانَ في اعتِبارِه حَرجٌ؛ ولأنَّ الناسِيَ غيرُ مُخاطَبٍ بما نَسيَه؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «عُفيَ لأمَّتي عن الخَطأِ والنِّسيانِ» (٢). فلمْ يَتركْ فرضًا عليهِ عندَ الذبحِ، بخِلافِ العامِدِ.
(١) «المغني» (٩/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٨٨، ٢٨٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٦٤، ٣٦٥)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٠٥، ٤٠٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.
والجاهِلُ بالحُكمِ كالعامِدِ عندَ المالِكيةِ -خِلافًا لأشهَبَ- والحَنابلةِ (١).
وصُورةُ التَّسميةِ عندَ الحَنفيةِ أنْ يَقولَ: «بِسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ».
وقالَ الحَلوانِيُّ: «بِسمِ اللهِ اللهُ أكبَرُ» بدُونِ الواوِ.
وإنْ قالَ: «بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ» فهو حَسنٌ.
والشَّرطُ هو الذِّكرُ الخالِصُ المُجرَّدُ على ما قالَ ابنُ مَسعودٍ: «جَرِّدوا التسميةَ»، حتى لو قالَ مَكانَ التَّسميةِ: «اللهُمَّ اغفِرْ لي» لم تُؤكَلْ؛ لأنه دُعاءٌ وسُؤالٌ.
ولو قالَ: «سُبحانَ اللهِ، أو الحَمدُ للهِ، أو لا إلهَ إلا اللهُ» يُريدُ التسميةَ أجزَأَه؛ لأنَّ المأمورَ به ذِكرُ اللهِ تعالَى على وَجهِ التَّعظيمِ.
ولو عطَسَ عندَ الذَّبحِ فقالَ: «الحَمدُ للهِ» لا يُجزِيهِ عن التسميةِ، وكذا إذا قالَ: «الحَمدُ للهِ» يريدُ الشكرَ دونَ التسميةِ لا تُؤكلُ.
ولا يَنبغي أنْ يَذكرَ مع اسمِ اللهِ تعالَى شَيئًا غيرَه، مثلَ أنْ يَقولَ: «بسمِ اللهِ مُحمدٌ رَسولُ اللهِ»، والكَلامُ فيه على ثَلاثةِ أَوجهٍ:
(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ٧٧)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٤٩)، و «الاختيار» (٥/ ٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٣٦، ٤٣٨، ٤٥٤، ٤٥٥)، و «اللباب» (٢/ ٣٤٨)، و «الاستذكار» (٥/ ٢٥٠)، و «القوانين الفقهية» ص (١١٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢١٧، ٢١٨)، و «مواهب الجليل» (٤/ ٣٣٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٦٥)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣١٢)، و «المغني» (٩/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٦٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٩٤، ٣٩٥).
أحَدُها: أنْ يَذكرَه مَوصولًا له لا مَعطوفًا، مثلَ أنْ يَقولَ ما ذكَرْنا، فهذا يُكرهُ ولا تَحرمُ الذبيحةُ.
والثاني: أنْ يَذكرَه مَعطوفًا، مثلَ أنْ يَقولَ: «بِسمِ اللهِ ومُحمدٍ رَسولِ اللهِ» بكَسرِ الدالِ، فتَحرمُ الذَّبيحةُ؛ لأنه أهَلَّ بها لغَيرِ اللهِ تعالَى.
والثالِثُ: أنْ يَقولَ مَفصولًا عنه صُورةً ومعنًى، بأنْ يقولَ قبلَ التَّسميةِ أو بعدَها وقبلَ أنْ يُضجعَ الذَّبيحةَ؛ لأنه لا بأسَ بهِ، وقد قالَ عليه السلام: «مَوضِعانِ لا ذِكرَ فيهِما: عندَ الذَّبيحةِ وعندَ العُطاسِ».
وإن قالَ: «بِسمِ اللهِ وصلَّى اللهُ على مُحمدٍ» تُؤكلُ، والأَولى أنْ لا يَقولَ ذلكَ.
ولو سَمَّى بالفارِسيةِ أو الرُّوميةِ وهو يُحسِنُ العرَبيةَ أو لا يُحسِنُها أجزَأَه (١).
والتَّسميةُ عندَ المالِكيةِ أنْ يَقولَ: «باسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ» عندَ الذبحِ وعندَ النَّحرِ وعندَ الإرسالِ في العَقرِ، ولا خُصوصيةَ لهذا اللَّفظِ، بل لو قالَ غيرَه مِنْ الأذكارِ يُجزئُه، وما مَضَى عليهِ الناسُ أحسَنُ، وهو «باسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ» (٢).
وعندَ الحَنابلةِ: أنْ يقولَ: «بِسمِ اللهِ»؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ يَنصرفُ إلى ذلكَ، وقد ثبَتَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا ذبَحَ قالَ: بِسمِ اللهِ واللهُ
(١) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٥٥، ٤٥٦).
(٢) «مواهب الجليل» (٤/ ٣٣٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٦٥، ٣٦٦).
أكبَرُ»، وكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يَقولُه، ولا خِلافَ في أنَّ قولَه: «بِسمِ اللهِ» يُجزِئُه، وإنْ قالَ: «اللهُمَّ اغفِرْ لي» لم يَكفِ؛ لأنَّ ذلكَ طَلبُ حاجَةٍ، وإنْ هلَّلَ أو سبَّحَ أو كبَّرَ أو حَمدَ اللهَ تعالَى احتَملَ الإجزاءَ؛ لأنه ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى على وَجهِ التَّعظيمِ، واحتَملَ المَنعَ؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ لا يَتناولُه.
وإنْ ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى بغيرِ العرَبيةِ أجزَأَه وإنْ أحسَنَ العرَبيةَ؛ لأنَّ المَقصودَ ذِكرُ اسمِ اللهِ، وهو يَحصلُ بجَميعِ اللُّغاتِ، بخِلافِ التَّكبيرِ في الصلاةِ؛ فإنَّ المَقصودَ لفظُه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ التسميةَ عندَ الذبحِ وعندَ إرسالِ الجارِحةِ أو إرسالِ السَّهمِ على الصَّيدِ مُستحَبةٌ استِحبابًا مُتأكدًا؛ فإنْ ترَكَ التَّسميةَ عَمدًا أو سَهوًا حَلَّ الصَّيدُ بلا خِلافٍ في المَذهبِ؛ لِما رَوتْ عائِشةُ رضي الله عنها: «أنَّ قَومًا قالوا: يا رَسولَ اللهِ إنَّ قَومًا يَأتونَنا باللَّحمِ لا نَدرِي أذَكَروا اسمَ اللهِ عليهِ أم لا؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: سَمُّوا اللهَ عليهِ وكُلُوهُ» (٢).
ولأنَّ الإجماعَ مُنعقدٌ في ذَبيحةِ الكِتابيِّ أنها تُؤكلُ وإنْ لم يُسَمِّ اللهَ عليهَا إذا لم يُسَمِّ عليهَا غيرَ اللهِ، وأجمَعُوا أنَّ المَجوسيَّ والوَثنيَّ لو سَمَّى اللهَ لم تُؤكلْ ذَبيحتُه، وفي ذلكَ بَيانُ أنَّ ذَبيحةَ المُسلمِ حَلالٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنه ذبَحَ بدِينِه.
(١) «المغني» (٩/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٦٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٩٤، ٣٩٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٥٢).
لكنْ في تَركِها عَمدًا ثَلاثةُ أوجُهٍ:
الصَّحيحُ: أنه مَكروهٌ، والثاني: لا يُكرَهُ، والثالثُ: يَأثمُ به (١).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «وإذا أرسَلَ أحبَبْتُ له أنْ يُسمِّيَ اللهَ تعالَى، فإنْ نَسِيَ فلا بأسَ؛ لأنَّ المُسلمَ يَذبحُ على اسمِ اللهِ».
قالَ الماوَرديُّ: التَّسميةُ على الصَّيدِ والذَّبيحةِ سُنةٌ وليسَتْ بواجِبةٍ، فإنْ ترَكَها عامِدًا أو ناسِيًا حَلَّ أكلُه، وبه قالَ مِنْ الصحابةِ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ وأبو هُريرةَ، ومِن الفُقهاءِ عَطاءٌ ومالكٌ.
وقالَ الشعبيُّ وداودُ وأبو ثَورٍ: التسميةُ واجِبةٌ، فإنْ ترَكَها عامِدًا أو ناسِيًا حَرُمَ الأكلُ.
وقالَ سُفيانُ الثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه وإسحاقُ بنُ راهَويهِ: تَجبُ مع الذِّكرِ تَسقطُ مع النِّسيانِ، فإنْ ترَكَها عامِدًا حَرُمَ، وإنْ ترَكَها ناسِيًا حَلَّ؛ استِدلالًا بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وهذا نَصٌّ، وبقَولِ النبيِّ ﷺ لعَديٍّ وأبي ثَعلبةَ الخُشنيِّ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُكلَّبَ وذكَرْتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ»، فعلَّقَ الإباحةَ بشَرطينِ، فلمْ يَجُزْ أنْ يَتعلَّقَ بأحَدِهما، ولأنه لمَّا كانَ مِنْ شَرطِ الذَّكاةِ أنْ يَكونَ المُذكِّي مِنْ أهلِ التَّسميةِ، فحَلَّتْ ذَكاةُ المُسلمِ والكِتابيِّ؛ لأنه مِنْ أهلِها، ولم تَحِلَّ ذَكاةُ المَجوسيِّ والوَثنيِّ؛ لأنه ليسَ مِنْ أهلِها، كانَتِ التسميةُ أَولى أنْ تكونَ مِنْ
(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٠، ١١)، و «المهذب» (١/ ٢٥٢)، و «البيان» (٤/ ٥٣٩)، و «المجموع» (٩/ ٨٠، ٨٢، ٩٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١١٤، ١١٥).
شَرطِ الذكاةِ؛ لأنه حُرمةُ أهلِها بها، وبعَكسِه لمَّا لم تَكنِ التسميةُ شَرطًا في صَيدِ السَّمكِ لم تَكنْ مِنْ شَرطِ صائدِه أنْ يكونَ مِنْ أهلِ التَّسميةِ مِنْ مَجوسيٍّ ووَثنيٍّ كما حَلَّ صَيدُ مَنْ كانَ مِنْ أهلِها مِنْ مُسلمٍ وكِتابيٍّ.
ودَليلُنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فكانَ على عُمومِه، وإنْ قيلَ: «فالتَّسميةُ هي الذَّكاةُ» كانَ فاسِدًا مِنْ وَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ التَّسميةَ قَولٌ والذَّكاةَ فِعلٌ، فافتَرقَا.
والثَّاني: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئلَ عن الذَّكاةِ فقالَ: «في الحَلقِ واللَّبةِ»، وقالَ تعالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يَعني: ذَبائحَهم، والظاهِرُ الغالِبُ مِنْ أحوالِهم أنهُم لا يُسمُّونَ عليهَا، فدَلَّ على إباحتِها.
ورَوى البَراءُ بنُ عازِبٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «المُسلمُ يَذبحُ على اسمِ اللهِ، سمَّى أو لم يُسَمِّ» (١).
(١) قالَ الإمامُ الزيلعيُّ رحمة الله عليه في «نَصب الرَّايةِ» (٤/ ١٨٢): غَريبٌ بهذا اللَّفظِ، وفي معناهُ أحادِيثُ، منها ما أخرَجَه الدارَقطنيُّ ثمَّ البَيهقيُّ عن مُحمدِ بنِ يَزيدَ بنِ سِنانٍ عن مَعقلِ ابنِ عُبيدِ اللهِ الجَزريِ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن عِكرمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «المُسلمُ يَكفيهِ اسمُه، فإنْ نَسيَ أنْ يُسميَ حينَ يَذبحُ فليُسَمِّ وليُذكِرِ اسمَ اللهِ ثم ليَأكلْ» انتهى، قالَ ابنُ القطَّانِ في كِتابِه: ليسَ في هذا الإسنادِ مَنْ يُتكلَّمُ فيه غيرُ مُحمدِ بنِ يَزيدِ بنِ سِنانٍ، وكانَ صَدوقًا صالِحًا، لكنَّه كانَ شَديدَ الغَفلةِ. انتهى، وقالَ غيرُه: مَعقلُ بنُ عُبيدِ اللهِ وإنْ كانَ مِنْ رِجالِ مُسلمٍ لكنَّه أخطَأَ في رَفعِ هذا الحَديثِ، وقد رَواهُ سعيدُ بنُ مَنصورٍ وعبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ الحُميديِّ عن سُفيانَ بنِ عُيينةَ عن عَمرِو بنِ أبي الشَّعثاءِ عن عِكرمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ.
قولُه: ذكَرَه البَيهقيُّ وغيرُه فزادَا في إسنِادِه أبا الشَّعثاءِ ووقَفَا، واللهُ أعلَمُ، وقالَ ابنُ الجَوزيِّ في «التَّحقِيق»: مَعقلٌ هذا مَجهولٌ، وتَعقَّبَه صاحبُ «التَّنقيح» فقالَ: بل هو مَشهورٌ، وهو ابنُ عُبيدِ اللهِ الجَزريِ، أخرَجَ له مُسلمٌ في صَحيحِه، واختَلفَ قولُ ابنِ مَعينٍ فيه، فمرَّةً وثَّقَه ومَرةً ضعَّفَه، وقد ذكَرَه ابنُ الجَوزيِّ في الضُّعفاءِ فقالَ: مَعقلُ بنُ عُبيدِ اللهِ الجَزريُّ يَروي عن عَمرِو بنِ دينارٍ، قالَ يَحيى: ضَعيفٌ، لم يَزِدْ على هذا، ومُحمدُ بنُ يَزيدَ بنِ سِنانٍ الجَزريِّ هو ابنُ أبي فَروةَ الرَّهاويِّ، قالَ أبو داودَ: ليسَ بشَيءٍ، وقالَ النسائيُّ: ليسَ بالقَويِّ، وقالَ الدارقَطنيُّ: ضَعيفٌ، وذكَرَه ابنُ حيَّانٍ في الثِّقاتِ، والصَّحيحُ أنَّ هذا الحَديثَ مَوقوفٌ على ابنِ عبَّاسٍ، هكذا رواهُ سُفيانُ عن عَمرِو بنِ دينارٍ عن جابرِ بنِ زَيدٍ عن عِكرمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ. انتهَى كلامُه، قلتُ: أخرَجَه كذلكَ عبدُ الرزاقِ في مُصنِّفِه في الحجِّ: حدَّثَنا ابنُ عُيينةَ عن عمرِو بنِ دينارٍ عن أبي الشَّعثاءِ حدَّثَنا عَينٌ -يعني عِكرمةَ- عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «إنَّ في المُسلمِ اسمَ اللهِ، فإنْ ذبَحَ ونسيَ أنْ يَذكرَ اسمَ اللهِ فليَأكلْ، وإنْ ذبَحَ المَجوسيُّ وذكَرَ اسمَ اللهِ فلا تَأكلْ». انتَهى.
وروَى أبو هُريرةَ أنَّ رَجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ الرَّجلَ منَّا يَذبحُ ويَنسى أنْ يُسميَ اللهَ تعالى؟ فقالَ: «اسمُ اللهِ على قَلبِ كلِّ مُسلمٍ» (١).
ورَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيهِ عن عائِشةَ رضي الله عنها أنَّ قَومًا قالَوا: يا رَسولَ اللهِ إنَّ قَومًا يَأتونَ بلَحمٍ لا نَدرِي أذُكِرَ اسمُ اللهِ عليهِ أم لا؟ فقالَ: «اذكُرُوا اسمَ اللهِ عليهِ ثمَّ كُلوهُ» (٢)، وأباحَ الذَّبيحةَ مِنْ غَيرِ تَسميةٍ، والتَّسميةُ عندَ الأكلِ لا تَجبُ، فدلَّ على أنها مُستحَبةٌ.
(١) موضوع: رواه الطبراني في «الأوسط» (٤٧٦٩)، والدارقطني في «سننه» (٤٨٠٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٨٦٧٣).
(٢) أخرجه البخاري (٥١٨٨) عن عائِشة رضي الله عنها «أنَّ قوْمًا قالوا لِلنّبِيِّ ﷺ إنَّ قوْمًا يأتوننا بِاللّحْمِ لا ندْرِي أذُكِرَ اسمُ اللّهِ عليهِ أمْ لا فقال سمُّوا عليهِ أنْتُمْ وكُلُوهُ قالت وكانَوا حدِيثِي عهْدٍ بِالْكفْرِ».
ورَوى أبو العُشَراءِ الدارِميُّ عن أبيه أنه سألَ رَسولَ اللهِ ﷺ عن المُتردِّيةِ مِنْ الإبلِ في بئرٍ لا نَصِلُ إلى مَنحرِها، فقالَ: «وأبيكَ لو طَعنْتَ في فَخذِها أجزَأكَ»، فعلَّقَ الإجزاءَ بالعُقودِ دُونَ التَّسميةِ، فدلَّ على الإباحةِ.
وقالَ ﷺ: «ما أنهَرَ الدمَ وفرَىَ الأوداجَ فكُلْ» (١).
ولأنَّ ما يُوجدُ فيه فِعلُ الذَّكاةِ لم تَحرمْ بتَركِ التَّسميةِ كالناسِي، ولأنَّ ما لم تَحرمْ به ذَكاةُ الناسِي لم تَحرمْ به ذَكاةُ العامِدِ كالأخرَسِ، ولأنَّ ما لم يَكنْ للذِّكرِ شَرطٌ في انتِهائِه لم يَكنْ شَرطًا في ابتِدائِه كالطَّهارةِ طَردًا والصَّلاةِ عَكسًا، ولأنَّ ما لم يَكنْ شَرطًا في الذَّكاةِ مع النِّسيانِ لم يَكنْ شَرطًا فيها مع الذِّكرِ كالصَّلاةِ على النبيِّ، ولأنَّ الحُوتَ يُستباحُ بتارِكِها كما يَحلُّ الصَّيدُ بذَكاتِه، فلمَّا لم تَكنِ التَّسميةُ شَرطًا في استِباحةِ الحُوتِ لم تَكنْ شَرطًا في استِباحةِ غيرِه.
فأما الجَوابُ عن الآيةِ فمِن وَجهينِ:
أحَدُهما: أنه حَقيقةُ الذِّكرِ بالقَلبِ؛ لأنَّ ضِدَّه النِّسيانُ المُضافُ إلى القَلبِ، فيَكونُ مَحمولًا على مَنْ لم يُوحِّدِ اللهَ مِنْ عَبدةِ الأوثانِ، ألَا ترَى إلى قَولِه تعالَى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، والمُشرِكونَ هم أولياءُ الشَّياطينِ دُونِ المُسلمينَ.
والثاني: مَحمولٌ على المَيتةِ؛ لأمرَينِ:
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٧٨٥١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيد والذبائح
١٧٠٢ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه الله: (وإذا سمى وأرسل كلبه أو فهده المعلم، واصطاد، وقتل
المُعَلَّمَ، فيُمْسِكُ علينا؟ قال: "كُلْ" . قلتُ: وإِنْ قَتَلَ؟ قال: "كُلْ مَا لَمْ يَشْرَكْهُ كَلْبٌ غَيْرُهُ" . قال: وسُئِلَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صَيْدِ المِعْرَاضِ ، فقال: "مَا خَرَقَ فَكُلْ، ومَا قَتَلَ بِعَرْضِه فَلَا تَأْكُلْ" . مُتَّفَق عليهما . وأجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على إباحَةِ الاصْطِادِ والأَكْلِ من الصَّيْدِ.
١٧٠٢ - مسألة؛ قال أبو القاسِم، رحمه اللَّهُ: (وَإِذَا سَمَّى وأَرْسَلَ كَلْبَه أَوْ فَهْدَهُ المُعَلَّمَ، واصْطَادَ، وقَتَلَ، ولَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ ، جَازَ أَكْلُهُ)
أمَّا ما أَدرَك ذَكاتَه من الصَّيْدِ، فلا يُشْتَرَطُ فى إباحَتِه سِوَى صِحَّةِ التَّذْكِيَةِ؛ ولذلك قال عليه السلام: "ومَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِى لَيْسَ بِمعَلَّمٍ، فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ" . وأمَّا ما قَتَلَهُ الجارِحُ، فيُشْتَرَطُ فى إباحَتِه شروطٌ سَبْعَة؛ أحدُها، أَنْ يكونَ الصَّائِدُ من أهْلِ
ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.