الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > الشرط الثاني: أن يكون من أهل الذكاة (مسلما أو كتابيا)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةالشَّرطُ الثاني: أنْ يكونَ مِنْ أهلِ الذَّكاةِ (مُسلِمًا أو كِتابيًّا):
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حِلِّ ذَبيحةِ المُسلمِ والكِتابيِّ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ ذَبائحَ أهلِ الكِتابِ لنا حَلالٌ إذا ذكَرُوا اسمَ اللهِ عليهِا.
وأجمَعُوا على أنَّ ذَبائحَ أهلِ الحَربِ حَلالٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ الذَّبائحَ المُعتدَّ بها ذَبيحةُ المُسلمِ العاقِلِ والمُسلمةِ العاقِلةِ القاصدَينِ للتَّذكيةِ الذَينِ يَتأتَّى منهُما الذبحُ، وكذلكَ أجمَعُوا على أنَّ ذَبائحَ أهلِ الكِتابِ العُقلاءِ مُباحةٌ مُعتدٌّ بها.
واختَلفُوا في ذَبائحِ نَصارَى العَربِ مِنْ تَنوخَ وبَهراءَ وتَغلبَ وفِهرٍ، فقالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ: يَجوزُ، وقالَ الشافِعيُّ: لا يَجوزُ، وعن أحمَدَ رِوايتانِ كالمَذهبينِ، أظهَرُهما: إنها لا يَجوزُ.
وأجمَعُوا على أنَّ ذبائحَ الكُفارِ مِنْ غيرِ أهلِ الكِتابِ غيرُ مُباحةٍ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على إباحةِ ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يَعنِي ذَبائحَهم، قالَ البُخاريُّ: قالَ ابنُ عبَّاسٍ: طَعامُهم ذَبائحُهم، وكذلكَ قالَ مُجاهدٌ وقَتادةُ، ورُويَ معناهُ عن ابنِ مَسعودٍ.
(١) «الإجماع» (٢٢٣، ٢٢٤).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٣٤٨، ٣٤٩).
وأكثَرُ أهلِ العِلمِ يَرَونَ إباحةَ صَيدِهم أيضًا، قالَ ذلكَ عطاءٌ والليثُ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، ولا نَعلمُ أحَدًا ثبَتَ عنه تَحريمُ صيدِ أهلِ الكِتابِ، إلا مالِكًا أباحَ ذَبائِحَهم وحرَّمَ صيدَهُم، ولا يَصحُّ؛ لأنَّ صَيدَهم مِنْ طَعامِهم، فيَدخلُ في عُمومِ الآيةِ، ولأنَّ مَنْ حلَّتْ ذَبيحتُه حَلَّ صَيدُه كالمُسلمِ. فَصلٌ: ولا فرْقَ بينَ العَدلِ والفاسِقِ مِنْ المُسلمينَ وأهلِ الكِتابِ ....
ولا فرْقَ بينَ الحَربيِّ والذمِّيِّ في إباحةِ ذَبيحةِ الكِتابيِّ منهُم، وتَحريمِ ذَبيحةِ مَنْ سِواهُ، وسُئلَ أحمَدُ عن ذَبائحِ نصارَى أهلِ الحَربِ فقالَ: لا بأسَ بها … ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ على هذا كُلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ، منهُم مُجاهدٌ والثوريُّ والشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، ولا فرْقَ بينَ الكِتابيِّ العرَبيِّ وغَيرِه؛ لعُمومِ الآيةِ فيهِم (١).
وقد نقَلَ الإجماعَ على حِلِّ ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ كَثيرٌ مِنْ أهلِ العِلمِ، منهُم ابنُ رُشدٍ وابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ والنَّوويُّ وغَيرُهم كَثيرٌ.
قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: فأما أهلُ الكِتابِ فالعُلماءُ مُجمِعونَ على جَوازِ ذَبائحِهم؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] (٢).
(١) «المغني» (١٣/ ٤٢، ٤٣)، وانظُرْ: «الإجماع» (٢٢٣).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣٢٩).
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ رحمة الله عليه عن جَماعةٍ مِنْ المُسلمينَ اشتَدَّ نَكيرُهم على مَنْ أكَلَ ذَبيحةَ يَهوديٍّ أو نَصرانيٍّ مُطلَقًا، ولا يَدرِي ما حالُهم، هل دَخَلوا في دِينِهم قبلَ نَسخِه وتَحريفِه وقبلَ مَبعثِ النبيِّ أم بعدَ ذلكَ؟ بل يَتناكَحونَ وتُقَرُّ مُناكَحتُهم عندَ جَميعِ الناسِ وهُم أهلُ ذِمةٍ يُؤدُّونَ الجِزيةِ ولا يُعرَفُ مَنْ هُمْ ولا مَنْ أباؤُهم، فهلْ للمُنكِرينَ عليهِم مَنعُهم مِنْ الذبحِ للمُسلمينَ؟ أم لهُم الأكلُ مِنْ ذَبائحِهم كَسائرِ بلادِ المُسلمينَ؟
فأجابَ رضي الله عنه: ليسَ لأحَدٍ أنْ يُنكِرَ على أحَدٍ أكَلَ مِنْ ذَبيحةِ اليَهودِ والنَّصارى في هذا الزَّمانِ، ولا يَحرمُ ذَبحُهم للمُسلمينَ، ومَن أنكَرَ ذلكَ فهو جاهِلٌ مُخطِئٌ مُخالِفٌ لإجماعِ المُسلمينَ.
ثمَّ قالَ: وسَببُ هذا أنَّ أصلَ دِينِهم الذي أنزَلَ اللهُ به الكُتبَ وأرسَلَ به الرُّسلَ ليسَ فيه شِركٌ، كما قالَ تعالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقالَ تعالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥] وقالَ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، ولكنَّهم بَدَّلوا وغَيَّروا فابتَدَعوا مِنْ الشِّركِ ما لم يُنزلْ به اللهُ سُلطانًا، فصارَ فيهم شِركٌ باعتبارِ ما ابتَدَعوا، لا باعتبارِ أصلِ الدينِ.
ثمَّ قالَ: وقد ثبَتَ حِلُّ طَعامِ أهلِ الكِتابِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ.
وأيضًا فقدْ ثبَتَ في الصِّحاحِ بل بالنَّقلِ المُستفيضِ أنَّ النبيَّ ﷺ أهدَتْ له اليَهوديةُ عامَ خيبَرَ شاةً مَشويةً، فأكَلَ مِنها لُقمةً ثمَّ قالَ: «إنَّ هَذهِ
تُخبرُنِي أنَّ فيها سُمًّا» (١)، ولولا أنَّ ذَبائحَهم حَلالٌ لَما تَناولَ مِنْ تلكَ الشاةِ.
وثبَتَ في الصَّحيحِ: «أنهُم لمَّا غَزَوا خَيبَرَ، أخَذَ بعضُ الصحابةِ جِرَابًا فيه شَحمٌ، قالَ: قُلتُ: لا أُطعِمُ اليَومَ مِنْ هذا أحَدًا، فالتَفَتَ فإذا رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَضحكُ ولم يُنكِرْ عليهِ»، وهذا ممَّا استَدلَّ به العُلماءُ على جَوازِ أكلِ جَيشِ المُسلمينَ مِنْ طَعامِ أهلِ الحَربِ قبلَ القِسمةِ.
وأيضًا: «فإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أجابَ دَعوةَ يَهوديٍّ إلى خُبزِ شَعيرٍ وإِهالةٍ سَنِخةٍ» (٢) رواهُ الإمامُ أحمَدُ، و «الإِهالةُ» مِنْ الوَدَكِ الذي يَكونُ مِنْ الذَّبيحةِ مِنْ السَّمنِ ونَحوِه الذي يكونُ في أَوعيَتِهم التي يَطبخونَ فيها في العادةِ …
وأيضًا: فقدِ استَفاضَ أنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ لمَّا فَتَحوا الشامَ والعِراقَ ومِصرَ كانوا يَأكلونَ مِنْ ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ اليَهودِ والنَّصارَى.
المأخَذُ الثاني: الإنكارُ على مَنْ يَأكلُ ذَبائحَ أهلِ الكِتابِ هو كَونُ هَؤلاءِ المَوجودينَ لا يُعلَمُ أنهُم مِنْ ذُريةِ مَنْ دخَلَ في دِينِهم قبلَ النَّسخِ والتَّبديلِ، وهو المَأخذُ الذي دَلَّ عليهِ كَلامُ السائلِ، وهو المَأخذُ الذي تَنازعَ فيهِ عُلماءُ المُسلمينَ أهلُ السُّنةِ والجَماعةِ، وهذا مَبنيٌّ على أصلٍ، وهو أنَّ قولَه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] هلِ المُرادُ به
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥١٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١٣٢٢٤).
مَنْ هو بعدَ نُزولِ القُرآنِ مُتديِّنٌ بدِينِ أهلِ الكِتابِ؟ أو المُرادُ به مَنْ كانَ آباؤُه قد دَخَلوا في دِينِ أهلِ الكِتابِ قبلَ النَّسخِ والتَّبديلِ؟ على قَولينِ للعُلماءِ.
فالقَولُ الأولُ: هو قَولُ جُمهورُ المُسلمينَ مِنْ السَّلفِ والخَلفِ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحَدُ القَولينِ في مَذهبِ أحمَدَ، بل هو المَنصوصُ عنهُ صَريحًا.
والثَّاني: قَولُ الشافِعيِّ وطائِفةٍ مِنْ أصحابِ أحمَدَ، وأصلُ هذا القَولِ أنَّ عليًّا وابنَ عبَّاسٍ تَنازعَا في ذَبائحِ بَني تَغلبَ، فقالَ عليٌّ: «لا تُباحُ ذَبائحُهم ولا نِساؤُهم؛ فإنهُم لم يَتمسَّكوا مِنْ النَّصرانيةِ إلا بشُربِ الخَمرِ»، ورُويَ عنه أنه قالَ: «نَغزُوهُم لأنهُم لم يَقومُوا بالشُّروطِ التي شرَطَها عليهِم عُثمانُ، فإنه شرَطَ عليهِم أنْ لا (١) وغيرَ ذلكَ مِنْ الشُّروطِ»، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «بل تُباحُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]» وعامَّةُ المُسلمينَ مِنْ الصَّحابةِ وغَيرِهم لم يُحرِّموا ذَبائحَهم، ولا يُعرَفُ ذلكَ إلا عن عَليٍّ وحْدَه، وقد رُويَ معنَى قولِ ابنِ عبَّاسٍ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ.
فمِن العُلماءِ مَنْ رجَّحَ قَولَ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ، وهو قَولُ الجُمهورِ كأبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحمَدَ في إحدَى الرِّوايتينِ عنه، وصحَّحَها طائِفةٌ مِنْ أصحابِه، بل هي آخِرُ قَوليهِ، بل عامَّةُ المُسلمينَ مِنْ الصَّحابةِ والتابعينَ وتابِعيهِم على هذا القَولِ، وقالَ أبو بَكرٍ الأثرَمُ: ما عَلِمتُ أحَدًا مِنْ
(١) هنا سَقطٌ في الأصلِ لم أَقِفْ عليهِ.
أصحابِ النبيِّ ﷺ كَرِهَه إلا عَليًّا، وهذا قَولُ جَماهيرِ فُقهاءِ الحِجازِ والعِراقِ وفُقهاءِ الحَديثِ والرأيِ كالحَسنِ وإبراهيمَ النخَعيِّ والزُّهريِّ وغَيرِهم، وهو الذي نقَلَه عن أحمَدَ أكثَرُ أصحابِه، وقالَ إبراهِيمُ ابنُ الحارثِ: كانَ آخِرُ قَولِ أحمَدَ على أنه لا يَرَى بذَبائحِهم بأسًا.
ومِن العُلماءِ مَنْ رجَّحَ قولَ عليٍّ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأحمَدَ في إحدَى الرِّوايتينِ عنهُ، وأحمَدُ إنما اختَلفَ اجتِهادُه في بَني تَغلبَ، وهُم الذينَ تَنازعَ فيهِم الصَّحابةُ، فأما سائِرُ اليَهودِ والنَّصارَى مِنْ العَربِ مثلَ تَنوخَ وبَهراءَ وغيرِهما مِنْ اليَهودِ فلا أَعرفُ عن أحمَدَ في حِلِّ ذَبائحِهم نِزاعًا، ولا عن الصَّحابةِ ولا عن التابعِينَ وغيرِهم مِنْ السَّلفِ، وإنَّما كانَ النزاعُ بينَهم في بَني تَغلبَ خاصَّةً، ولكنْ مِنْ أصحابِ أحمَدَ مَنْ جعَلَ فيهِم رِوايتينِ كبَني تَغلبَ، والحِلُّ مَذهبُ الجُمهورِ كأبي حَنيفةَ ومالِكٍ، وما أعلَمُ للقَولِ الآخَرِ قُدوةً مِنْ السَّلفِ.
ثمَّ هَؤلاءِ المَذكورونَ مِنْ أصحابِ أحمَدَ (قالَوا): مَنْ كانَ أحَدُ أبوَيهِ غيرَ كِتابيٍّ بل مَجوسيًّا لم تَحلَّ ذَبيحتُه ومُناكَحةُ نِسائِه، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ فيما إذا كانَ الأبُ مَجوسيًّا، وأما الأمُّ فلهُ فيها قَولانِ: فإنْ كانَ الأبوانِ مَجوسيَّينِ حَرُمتْ ذَبيحتُه عندَ الشافِعيِّ ومَن وافَقَه مِنْ أصحابِ أحمَدَ، وحُكيَ ذلكَ عن مالِكٍ، وغالِبُ ظنِّي أنَّ هذا غَلطٌ على مالِكٍ؛ فإني لم أَجدْه في كُتبِ أصحابِه، وهذا تَفريعٌ على الرِّوايةِ المُخرَّجةِ عن أحمَدَ في سائرِ اليَهودِ والنَّصارَى مِنْ العَربِ، وهذا مَبنيٌّ على إحدَى الرِّوايتينِ عنهِ في
نَصارَى بَني تَغلبَ، وهي الرِّوايةُ التي اختارَها هَؤلاءِ، فأما إذا جعَلَ الرِّوايتيِن في بَني تَغلبَ دونَ غيرِهم مِنْ العَربِ، أو قيلَ: «إنَّ النِّزاعَ عامٌّ» وفَرَّعْنا على القَولِ بحِلِّ ذَبائحِ بَني تَغلبَ ونِسائِهم كما هو قَولُ الأكثَرينَ فإنه على هذهِ الرِّوايةِ لا عِبرةَ بالنَّسبِ، بل لو كانَ الأبَوانِ جَميعًا مَجوسيَّينِ أو وَثنيَّينِ والولدُ مِنْ أهلِ الكِتابِ فحُكمُه حُكمُ أهلِ الكِتابِ على هذا القَولِ بلا رَيبٍ، كما صرَّحَ بذلكَ الفُقهاءُ مِنْ أصحابِ أحمَدَ وأبي حَنيفةَ وغيرِهم، ومَن ظَنَّ مِنْ أصحابِ أحمَدَ وغيرِهم أنَّ تَحريمَ نِكاحِ مَنْ أبَواهُ مَجوسيانِ أو أحَدُهما مَجوسيٌّ قَولٌ واحِدٌ في مَذهبِه فهو مُخطئٌ خَطأً لا رَيبَ فيهِ؛ لأنه لم يُعرَفْ أصلُ النِّزاعِ في هذهِ المَسألةِ.
ولهذا كانَ مِنْ هَؤلاءِ مَنْ يَتناقضُ، فيُجوِّزُ أنْ يُقَرَّ بالجِزيةِ مَنْ دخَلَ في دِينِهم بعدَ النَّسخِ والتَّبديلِ، ويَقولُ معَ هذا بتَحريمِ نكاحِ نَصرانِيِّ العَربِ مُطلَقًا ومَن كانَ أحَدُ أبوَيهِ غيرَ كتابيٍّ كما فعَلَ ذلكَ طائِفةٌ مِنْ أصحابِ أحمَدَ، وهذا تَناقضٌ، والقاضي أبو يَعلى وإنْ كانَ قد قالَ هذا القَولَ هوَ وطائفةٌ مِنْ أتباعِه فقدْ رجَعَ عن هذا القَولِ فى «الجامِع الكَبِير» وهوَ آخِرُ كُتبِه، فذكَرَ فيمَن انتَقلَ إلى دِينِ أهلِ الكِتابِ مِنْ عَبدةِ الأوثانِ كالرُّومِ وقَبائلَ مِنْ العَربِ -وهُم تَنوخُ وبَهراءُ ومِن بَني تَغلبَ- هل تَجوزُ مُناكَحتُهم وأكلُ ذَبائحِهم؟ وذكَرَ أنَّ المَنصوصَ عن أحمَدَ أنه لا بأسَ بنكاحِ نَصارَى بَني تَغلبَ، وأنَّ الرِّوايةَ الأخرَى مُخرَّجةٌ على الرِّوايتينِ عنه في ذَبائحِهم، واختارَ أنَّ المُنتقِلَ إلى دِينِهم حُكمُه حُكمُهم، سَواءٌ كانَ انتِقالُه
بعدَ مَجيءِ شَريعتِنا أو قبلَها، وسَواءٌ انتَقلَ إلى دِينِ المُبدِّلينَ أو دِينِ لم يُبدِّلْ، ويَجوزُ مُناكَحتُه وأكلُ ذَبيحتُه.
وإذا كانَ هذا فيمَن أبَواهُ مُشرِكانَ مِنْ العَربِ والرُّومِ فمَن كانَ أحدُ أبوَيهِ مُشرِكًا فهو أَولى بذلكَ، هذا هو المَنصوصُ عن أحمَدَ؛ فإنه قد نَصَّ على أنه مَنْ دخَلَ في دِينِهم بعدَ النَّسخِ والتَّبديلِ كمَن دخَلَ في دِينِهم في هذا الزَّمانِ فإنه يُقَرُّ بالجِزيةِ، قالَ أصحابُه: وإذ أقرَرْناهُ بالجِزيةِ حلَّتْ ذَبائحُهم ونِساؤُهم، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالكٍ وغيرِهما.
وأصلُ النزاعِ في هذهِ المَسألةِ ما ذَكرتُه مِنْ نِزاعِ عليٍّ وغيرِه مِنْ الصحابةِ في بَني تَغلبَ، والشافعيِّ وأحمَدَ في إحدَى الرِّوايتينِ عنه والجُمهورُ أحَلُّوها، وهي الرِّوايةُ الأُخرى عن أحمَدَ.
ثمَّ قالَ: وبالجُملةِ فالقَولُ بأنَّ أهلَ الكِتابِ المَذكورينَ في القُرآنِ هُمْ مَنْ كانَ دخَلَ جَدُّه في ذلكَ قبلَ النَّسخِ والتَّبديلِ قَولٌ ضَعيفٌ، والقَولُ بأنَّ عليَّ ابنَ أبي طالِبٍ رضي الله عنه أرادَ ذلكَ قولٌ ضَعيفٌ، بل الصَّوابُ المَقطوعُ به أنَّ كَونَ الرَّجلِ كِتابيًّا أو غيرَ كِتابيٍّ هو حُكمٌ مُستقِلٌّ بنَفسِه لا بنَسبِه.
وكلُّ مَنْ تَديَّنَ بدينِ أهلِ الكِتابِ فهو منهُم، سَواءٌ كانَ أبوهُ أو جَدُّه دخَلَ في دِينِهم أو لم يَدخلْ، وسَواءٌ كانَ دُخولُه قبلَ النسخِ والتَّبديلِ أو بعدَ ذلكَ، وهذا مَذهبُ جُمهورِ العُلماءِ كأبي حَنيفةَ ومالكٍ والمَنصوصُ الصَّريحُ عن أحمَدَ وإنْ كانَ بينَ أصحابِه في ذلكَ نِزاعٌ مَعروفٌ، وهذا القَولُ هو الثابِتُ عن الصَّحابةِ رضي الله عنهم، ولا أعلَمُ بينَ الصَّحابةِ في ذلكَ نِزاعًا،
وقد ذكَرَ الطَّحاويُّ أنَّ هذا إجماعٌ قَديمٌ، واحتَجَّ بذلكَ في هذهِ المَسألةِ على مَنْ لا يُقَرُّ الرجلُ في دِينِهم بعدَ النَّسخِ والتَّبديلِ كمَن هو في زَمانِنا إذا انتَقلَ إلى دِينِ أهلِ الكِتابِ فإنه تُؤكلُ ذَبيحتُه وتُنكَحُ نِساؤُه، وهذا يُبيِّنُ خطَأَ مَنْ يُناقِضُ منهُم، وأصحابُ هذا القَولِ الذي هو قَولُ الجُمهورِ يَقولونَ: مَنْ دخَلَ هو أو أبَواهُ أو جَدُّه فى دِينِهم بعدَ النسخِ والتبديلِ أُقِرَّ بالجِزيةِ، سَواءٌ دخَلَ في زَمانِنا هذا أو قبلَه، وأصحابُ القَولِ الآخَرِ يَقولونَ: متَى عَلِمْنا أنه لم يَدخلْ إلا بعدَ النَّسخِ والتبديلِ لم تُقبلْ منه الجِزيةُ، كما يَقولُه بعضُ أصحابِ أحمَدَ مع أصحابِ الشافِعيِّ، والصَّوابُ قَولُ الجُمهورِ، والدَّليلُ عليهِ وُجوهٌ، (ثمَّ ذكَرَها رحمة الله عليه.
ثمَّ قالَ: وهذهِ الوُجوهُ كلُّها لبَيانِ رُجحانِ القَولِ بالتَّحليلِ وأنه مُقتضَى الدليلِ.
فأما أنَّ مِثلَ هذهِ المَسألةِ أو نَحوَها مِنْ مَسائلِ الاجتِهادِ يَجوزُ لمَن تَمسَّكَ فيها بأحَدِ القَولينِ أنْ يُنكِرَ على الآخَرِ بغَيرِ حُجةٍ ودَليلٍ فهذا خِلافُ إجماعِ المُسلمينَ، فقدْ تَنازعَ المُسلمونَ في جُبْنِ المَجوسِ والمُشركينَ، وليسَ لمَن رجَّحَ أحَدَ القَولينِ أنْ يُنكِرَ على صاحِبِ القَولِ الآخَرِ إلا بحُجةٍ شَرعيةٍ، وكذلكَ تنازَعوا في مَتروكِ التَّسميةِ، وفي ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ إذا سَمَّوا عليهَا غيرَ اللهِ، وفي شَحمِ الثَّرْبِ والكُلْيتَينِ، وذَبحِهم لذَواتِ الظُّفرِ كالإبلِ والبَطِّ ونحوِ ذلكَ ممَّا حرَّمَه اللهُ عليهِم، وتَنازَعوا في ذَبحِ الكِتابيِّ للضَّحايا ونحوِ ذلكَ مِنْ المَسائلِ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصيد
الباب الثاني فيما يكون به الصيد
النَّحْرُ، وَيُذْبَحَ مَا ذَكَاتُهُ الذَّبْحُ، أَوْ يُفْعَلَ بِهِ أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إِذَا لَمْ يُقْدَرُ عَلَى ذَكَاةِ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُ كَالصَّيْدِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ فِي ذَلِكَ لِلْخَبَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ أَنَّ الْحَيَوَانَ الْإِنْسِيَّ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ، وَأَنَّ الْوَحْشِيَّ يُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ الْمُعَارِضُ لِهَذِهِ الْأُصُولِ فَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَفِيهِ قَالَ: «فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» . وَالْقَوْلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَوْلَى لِصِحَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ، مَعَ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْأَصْلِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي كَوْنِ الْعَقْرِ ذَكَاةً فِي بَعْضِ الْحَيَوَانِ لَيْسَ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَا لِأَنَّهُ وَحْشِيٌّ فَقَطْ، فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْإِنْسِيِّ جَازَ أَنْ تَكُونَ ذَكَاتُهُ ذَكَاةَ الْوَحْشِيِّ، فَيَتَّفِقُ الْقِيَاسُ وَالسَّمَاعُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يَكُونُ بِهِ الصَّيْدُ
ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.