الشرط الرابع: أن لا تذبح لغير الله

الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > الشرط الرابع: أن لا تذبح لغير الله

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

الشرط الرابع: أن لا تذبح لغير الله - الأقوال والأدلة

أحَدُهما: قولُه تعالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وذَكاةُ ما لم يُسَمَّ عليهِ لا تَكونُ فِسقًا.

والثَّاني: «أنَّ قَومًا مِنْ المُشركينَ قالَوا لرَسولِ اللهِ : تَأكلونَ ما قَتلتُموهُ ولا تَأكلونَ ما قتَلَه اللهُ؟ فأنزَلَ اللهُ تعالَى هذه الآيةَ».

وأمَّا الجَوابُ عن الخبَرِ مِنْ وَجهينِ:

أحَدُهما: أنَّ نُطقَ الخبَرِ إباحةُ الأكلِ مع التَّسميةِ، ودَليلُ خِطابِه مَتروكٌ عندَنا بدَليلٍ، ومَتروكٌ عندَه بغيرِ دليلٍ؛ لأنه لا يَجعلُ إثباتَ الشَّيءِ دَليلًا على نَفيِ ما عَداهُ.

والثاني: أنه مَحمولٌ على الاستِحبابِ؛ بدَليلِ ما ذكَرْناهُ.

والجَوابُ عمَّا استدلَّ به مِنْ ذَكاةِ المَجوسيِّ والوَثنيِّ لأنه ليسَ مِنْ أهلِ التَّسميةِ، وهو أنهُ ليسَ لهذا المعنَى حَرَّمَ ذَكاتَه، ولكنْ لتَغليظِ كُفرِه، ولذلكَ حُرِّمَتْ مُناكَحتُه وإنْ لم تَكنِ التسميةُ شَرطًا في النكاحِ (١).

الشَّرطُ الرَّابعُ: أنْ لا تُذبحَ لغيرِ اللهِ:

اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الذَّبيحةَ إذا ذُبِحتْ لغيرِ اللهِ فإنه لا يَجوزُ أكلُها وأنها مَيتةٌ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)[النحل: ١١٤].

(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٠، ١٢).

ولِما رواهُ مُسلمٌ عن أبي الطُّفيلِ عامرِ بنِ واثِلةَ قالَ: كنتُ عندَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ فأتاهُ رَجلٌ فقالَ: ما كانَ النبيُّ يُسِرُّ إليكَ؟ قالَ: فغَضِبَ وقالَ: ما كانَ النبيُّ يُسِرُّ إليَّ شَيئًا يَكتمُه الناسَ، غيرَ أنه قد حَدَّثني بكَلماتٍ أربَعٍ، قالَ: فقالَ: ما هُنَّ يا أميرَ المُؤمنينَ؟ قالَ: قالَ: لعَنَ اللهُ مَنْ لعَنَ والِدَه، ولعَنَ اللهُ مَنْ ذبَحَ لغَيرِ اللهِ، ولعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحدِثًا، ولعَنَ اللهُ مَنْ غيَّرَ مَنارَ الأرضِ» (١).

والمُرادُ بالذَّبحِ لغَيرِ اللهِ أنْ يَذبحَ باسمِ غيرِ اللهِ تعالَى، كمَن ذبَحَ للصَّنمِ أو الصَّليبِ أو لمُوسَى أو لعيسَى صلَّى اللهُ عليهِما أو للكُعبةَ ونحوِ ذلكَ، فكلُّ هذا حَرامٌ ولا تَحلُّ هذهِ الذَّبيحةُ … فإنْ قصَدَ مع ذلكَ تَعظيمَ المَذبوحِ له غيرَ اللهِ تعالَى والعِبادةِ له كانَ ذلكَ كُفرًا، فإنْ كانَ الذابحُ مُسلِمًا قبلَ ذلكَ صارَ بالذبحِ مُرتدًّا (٢).

وذكَرَ كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ أنَّ مُجرَّدَ الذبحِ رِياءً لقُدومِ أميرٍ أو ضَيفٍ يُعتبَرُ حَرامًا ولا تَحلُّ الذَّبيحةُ.

قالَ الحَنفيةُ: الذبحُ عندَ مَرأَى الضَّيفِ تَعظيمًا له لا يَحلُّ أكلُها، وكذا عندَ قُدومِ الأميرِ أو غيرِه كواحِدٍ مِنْ العُظماءِ تَعظيمًا؛ لأنه أُهِلَّ به لغَيرِ اللهِ،

(١) أخرجه مسلم (١٩٧٨).
(٢) «أحكام القرآن» (٣/ ٢٩٧)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٤٨)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٥٥، ٤٥٦)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٢٧١)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٩٤)، و «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ١٤١).

وأما إذا ذُبحَ عندَ غَيبةِ الضَّيفِ لأجلِ الضِّيافةِ فإنه لا بأسَ بهِ؛ لأنه سُنةُ الخَليلِ عليه السلام.

والفارِقُ بينَ ما أُهلَّ به لغَيرِ اللهِ بسَببِ تَعظيمِ المَخلوقِ وبينَ غيرِه أنه إنْ قدَّمَها ليَأكلَ منها كانَ الذَّبحُ للهِ والمَنفعةُ للضَّيفِ أو للوَليمةِ أو للرِّبحِ، وإنْ لم يُقدِّمْها ليَأكلَ منها بل يَدفعُها لغيرِه كانَ لتَعظيمِ غيرِ اللهِ فتَحرُمُ.

قالَ في «الدُّر المُختَار»: وهل يَكفرُ؟ قَولانِ: «بزَّازيَّة» و «شَرح وَهبَانيةٍ».

قلتُ: وفي صَيدِ المُنيةِ أنه يُكرهُ ولا يَكفرُ؛ لأنَّا لا نُسيءُ الظنَّ بالمُسلمِ أنه يَتقرَّبُ إلى الآدَميِّ بهذا النَّحرِ، ونَحوُه في «شَرح الوَهبانيةِ» عن «الذَّخيرَة»، ونظَمَه فقالَ:

وفاعِلُه جُمهورُهم قالَ كافِرٌ … وفَضلِي وإسماعيلُ ليسَ يُكفَّرُ (١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وذكَرَ الشَّيخُ إبراهيمُ المَروزيُّ مِنْ أصحابِنا أنَّ ما يُذبَحُ عندَ استقبالِ السُّلطانِ تقرُّبًا إليهِ أفتَى أهلُ بُخارةَ بتَحريمِه؛ لأنه ممَّا أُهلَّ به لغَيرِ اللهِ تعالَى، قالَ الرافِعيُّ: هذا إنما يَذبحونَه استِبشارًا بقُدومِه فهو كذَبحِ العَقيقةِ لوِلادةِ المَولودِ، ومثلُ هذا لا يُوجِبُ التَّحريمَ، واللهُ أعلَمُ (٢).

(١) «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٦/ ٣٠٩، ٣١٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٥٦).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ١٤١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأطعمة
باب ما لا يحل أكله وما يجوز للمضطر من الميتة من غير كتاب

بَابُ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ مِنَ الْمَيْتَةِ مِنْ غَيْرِ كتابٍ

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ زيتٍ مَاتَتْ فِيهِ فأرةٌ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ. فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْهَا، فَقَالَ: " أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ " . فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ وَارِدًا فِي السَّمْنِ إِذَا كَانَ جَامِدًا؛ لِأَنَّ إِلْقَاءَ مَا حَوْلَهَا لَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ ذَائِبًا.

وَرَوَى الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ السَّمْنِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ، فَقَالَ: " إِنْ كَانَ جَامِدًا، فَأَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَأَرِيقُوهُ " .

وَهَذَا الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ.

فَإِذَا مَاتَتْ فَأْرَةٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنَ الْحَيَوَانِ فِي سَمْنٍ أَوْ غَيْرِهِ مَنْ دُهْنٍ أَوْ دِبْسٍ أَوْ لَبَنٍ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَامِدًا، أَوْ مَائِعًا.

فَإِنْ كَانَ جَامِدًا نَجُسَ بِمَوْتِ الْفَأْرَةِ. مَا حَوْلَهَا مِنَ السَّمْنِ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ لَاقَتْ مَحَلًّا رَطْبًا، فَنَجِسَ بِهَا كَمَا يَنْجُسُ الثَّوْبُ الرَّطْبُ إِذَا لَاقَى نَجِسًا يَابِسًا، وَكَانَ مَا جَاوَزَ مَا حَوْلَ الْمُلَاقِي لِلْفَأْرَةِ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ جُمُودَهُ يَمْنَعُ مِنِ امْتِزَاجِهِ بِالنَّجِسِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 705 - 707

ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله