الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > ذبح الحيوان من القفا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةأبي أُمامةَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «ما فَرَى الأوداجَ فكُلوا، ما لم يَكنْ رَضَّ نَابٍ أو نحْرَ ظُفرٍ» (١). فظاهِرُ الحَديثِ الأولِ يَقتضِي قطْعَ بعضِ الأوداجِ فقطْ؛ لأنَّ إنهارِ الدمِ يَكونُ بذلكَ، وفي الثاني قَطعُ جَميعِ الأوداجِ، فالحَديثانِ -واللهُ أعلَمُ- مُتفِقانِ على قَطعِ الودَجينِ، إمَّا أحَدِهما أو البَعضِ مِنْ كَليهِما أو مِنْ واحِدٍ منهُما، ولذلكَ وَجهُ الجَمعُ بينَ الحَديثينِ أنْ يُفهَمَ مِنْ لامِ التَّعريفِ في قَولِه عليه الصلاة والسلام: «مَا فَرَى الأوداجَ» البَعضُ لا الكُلُّ؛ إذْ كانَتْ لامُ التَّعريفِ في كلامِ العَربِ قد تَدلُّ على البَعضِ.
وأمَّا مَنْ اشتَرطَ قطْعَ الحُلقومِ والمَريءِ فليسَ له حُجةٌ مِنْ السَّماعِ، وأكثَرُ مِنْ ذلكَ مَنْ اشتَرطَ المَريءَ والحُلقومَ دونَ الوَدجينِ، ولهذا ذهَبَ قَومٌ إلى أنَّ الواجِبَ هو قَطعُ ما وقَعَ الإجماعُ على جَوازِه؛ لأنَّ الذكاةَ لمَّا كانَت شَرطًا في التَّحليلِ ولم يَكنْ في ذلكَ نَصٌّ فيما يُجزِي وجَبَ أنْ يكونَ الواجِبُ في ذلكَ ما وقَعَ الإجماعُ على جَوازِه، إلا أنْ يَقومَ الدَّليلُ على جَوازِ الاستِثناءِ مِنْ ذلكَ، وهو ضَعيفٌ؛ لأنَّ ما وقَعَ الإجماعُ على إجزائِه ليسَ يَلزمُ أنْ يكونَ شَرطًا في الصِّحةِ (٢).
ذَبحُ الحَيوانِ مِنْ القَفا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الذبحِ مِنْ القَفَا، هل تَحرمُ ولا تَحلُّ ولا تَكونُ ذَكاةٌ بهذا؟ أم إنْ بَقِيتْ حَيةً حتَّى قطَعَ العُروقَ حلَّتْ وإلا فلا تَحلُّ؟
فذهَبَ المالِكيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه يُشترطُ أنْ يَكونَ الذبحُ مِنْ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٧٨٥١).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣٢٦).
المُقدَّمِ، فإنْ ذبَحَها مِنْ قَفاها أو إحدَى صَفحتَي العُنقِ فإنها لا تُؤكَلُ، سَواءٌ فعَلَ ذلكَ في ضَوءٍ أو ظُلمةٍ، عَمدًا أو خَطأً أو غَلبةً؛ لأنَّ مَنْ ذبَحَ مِنْ القَفَا قد قطَعَ النُّخاعَ -وهو المُخُّ الذي في عِظامِ الرَّقبةِ- قبلَ أنْ يَصلَ إلى مَوضعِ الذَّبحِ، فيَكونُ بفِعلِه قد قتَلَ البَهيمةَ بقَطعِه نُخاعَها -إذْ هو مَقتلٌ مِنْ مَقاتلِها- قبلَ أنْ يُذكِّيَها في مَوضعِ ذَكاتِها (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ ذبَحَ حَيوانًا مَقدورًا عليهِ مِنْ قَفاهُ فإنْ أسرَعَ وقطَعَ العُروقَ أو الحُلقومَ والمَريءَ وبه حَياةٌ مُستقِرةٌ حَلَّ أكلُه؛ لأنَّ الذَّكاةَ صَادفتْه وهو حَيٌّ، كما لو قطَعَ يَدَ الحَيوانِ ثمَّ ذكَّاهُ، ولعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ: «ما أنهَرَ الدمَ وذُكرَ اسمُ اللهِ عليهِ فكُلوهُ»، ولأنها ذَكاةٌ حصَلَتْ وفيه حَياةٌ مُستقِرةٌ، فأُبيحَ كما لو قطَعَ رِجلَها ثمَّ ذبَحَها
ولكنْ يَحرمُ عليهِ عندَ الشافِعيةِ، ويُكرَهُ له عِنْدَ الحَنفيةِ؛ لأنه خِلافُ المَسنونِ.
وإلا بأنْ ماتَ قبلَ قَطعِ العُروقِ أو الحُلقومِ والمَريءِ لم يَحلَّ ولم يُؤكلْ؛ لأنه ماتَ قبلَ وُجودِ الذَّكاةِ في مَحلِّها، فلا تُفيدُ الذَّبحَ بعدَ ذلكَ كما لو ماتَ حتْفَ أنفِه (٢).
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥)، رقم (١٦٩١)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢٠١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣، ٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٥٣)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٢٩٩).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٠، ٤٦١)، و «اللباب» (٢/ ٣٦٢)، و «الأم» (٢/ ٢٣٩)، و «البيان» (٤/ ٥٣٣)، و «المجموع» (٩/ ٨١)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٦٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١١٢)، و «المغني» (٩/ ٣١٨، ٣١٩)، و «الكافي» (١/ ٤٨٠)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٥٣، ٢٥٤)، و «الإنصاف» (١٠/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٦٢).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ: «ولو ذبَحَها مِنْ قَفاها فإنْ تَحرَّكتْ بعدَ قَطعِ الرأسِ أُكلَتْ، وإلا لم تُؤكلْ».
قالَ الماوَرديُّ: ذَبحُ الشاةِ مِنْ القفَا مَكروهٌ، وإنما كَرِهناهُ لأمرَينِ: أحَدُهما: لِما فيه مِنْ تَعذيبِها، والثاني: لِما يُخافُ مِنْ مَوتِها قبلَ الوُصولِ إلى ذَكاتِها، فإنْ فعَلَ لم يَخلُ حَالُها مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ يُعلمَ مَوتُها بقَطعِ القَفَا قبلَ وُصولِ السكِّينِ إلى قَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ، فتَكونُ مَيتةً لا تُؤكَلُ، وكذلكَ لو بَقيتْ فيها عندَ وُصولِ السكِّينِ إلى قَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ حَياةٌ غيرُ مُستقرةٍ لحَياةِ المَذبوحِ لم تُؤكلْ، وإنما كانَ كذلكَ لأنَّ الذَّكاةَ لا تُستباحُ إلا بقَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ، وقَطعُ قَفاها يَجرِي في فَواتِ نَفسِها مَجرَى كسرِ صُلبِها وبَقرِ بَطنِها، ولا تَحصلُ به ذَكاةٌ وإنْ وَحى.
والقِسمُ الثاني: إنْ قطَعَ حُلقومَها ومَريئَها فهذهِ ذَكيَّةٌ تُؤكلُ، وقالَ مالِكٌ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ: هيَ مَيتةٌ لا تُؤكلُ، وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ: إنْ فعَلَ ذلكَ عَمدًا لم تُؤكلْ، وإنْ فعَلَه سَهوًا أُكلَتْ؛ احتِجاجًا بأنَّ قطْعَ القَفا مُوحٍ، والذكاةُ بعدَ التَّوحيةِ لا تَصحُّ، كالتي أخرَجَ السَّبعُ حَشوتَها.
ودَليلُنا هو أنَّ ما كانَتْ حَياتُه مُستقِرةٌ وإنْ لم تَدُمْ صَحَّتْ ذكاتُه
كالمَقطوعةِ الأطرافِ، ولأنه لو انتَهى بها النَّزعُ إلى حَدِّ الإياسِ حلَّتْ ذَكاتُها مع استِقرارِ الحَياةِ، فلذلكَ قُطعَ القَفا، وخالَفَ قطْعَ الحَشوةِ؛ لأنَّ بقاءَ الحَياةِ معَها مُستقِرةً كحَياةِ المَذبوحِ.
والقِسمُ الثالِثُ: أنْ يُشكِلَ حالُها عندَ قَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ، هل كانَتْ حَياتُها مُستقِرةً أو غيرَ مُستقِرةٍ؟ ففي إباحةِ أكلِها وَجهانِ:
أحَدُهما: وهو ظاهِرُ قَولِ أبي إسحاقَ المَروزيِّ: أنها غَيرُ مَأكولةٍ؛ لأنَّ الأصلَ الحَظرُ حتَّى تُعلَمَ الإباحةُ.
والوَجهُ الثاني: وهو ظاهِرُ قَولِ أبي عَليٍّ ابنِ أبي هُريرةَ: أنها مَأكولةٌ؛ لأنَّ الأصلَ فيها الحَياةُ حتَّى يُعلَمَ فَواتُها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا ذبَحَها مِنْ قَفاها وهو مُخطِئٌ فأتَتِ السِّكينُ على مَوضعِ ذَبحِها وهيَ في الحَياةِ أُكلَتْ).
قالَ القاضي: معنَى الخَطأِ أنْ تَلتويَ الذَّبيحةُ عليهِ فتأتِيَ السكينُ على القَفا؛ لأنها معَ التِوائِها مَعجوزٌ عن ذَبحِها، فسقَطَ اعتِبارُ المَحلِّ كالمُتردِّيةِ في بئرٍ، فأما مع عَدمِ التِوائِها فلا تُباحُ بذلكَ؛ لأنَّ الجَرحَ في القَفا سَببٌ للزُّهوقِ، وهو في غيرِ مَحلِّ الذَّبحِ، فإذا اجتَمعَ مع الذَّبحِ منَعَ حِلَّه كما لو بقَرَ بَطنَها، وقد رُويَ عن أحمَدَ ما يَدلُّ على هذا المعنَى؛ فإنَّ الفَضلَ بنَ زيادٍ قالَ: سألتُ أبا عَبدِ اللهِ عمَّن ذبَحَ في القَفا، قالَ: عامِدًا أو غيرَ عامِدٍ؟ قلتُ: عامِدًا، قالَ: لا تُؤكلُ، فإذا كانَ غيرَ عامِدٍ كأنِ التَوَى عليهِ فلا بأسَ.
(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٩٩).
فَصلٌ: فإنْ ذبَحَها مِنْ قَفاها اختِيارًا فقدْ ذكَرْنا عن أحمَدَ أنها لا تُؤكلُ، وهو مَفهومُ كَلامِ الخِرقيِّ، وحُكيَ هذا عن عليٍّ وسَعيدِ بنِ المُسيبِ ومالكٍ وإسحاقَ، قالَ إبراهيمُ النخَعيُّ: تُسمَّى هذهِ الذَّبيحةُ القَفِينةُ.
وقالَ القاضي: إنْ بَقيتْ فيها حَياةٌ مُستقرةٌ قبلَ قَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ حلَّتْ، وإلا فلا، ويُعتبَرُ ذلكَ بالحَركةِ القَويةِ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وهذا أصَحُّ؛ لأنَّ الذبحَ إذا أتَى على ما فيهِ حَياةٌ مُستقرةٌ أحَلَّه كأكِيلةِ السَّبعِ والمُتردِّيةِ والنطيحةِ، ولو ضرَبَ عُنقَها بالسَّيفِ فأطارَ رأسَها حلَّتْ بذلكَ، نَصَّ عليهِ أحمَدُ فقالَ: لو أنَّ رَجلًا ضرَبَ رأسَ بَطةٍ أو شَاةٍ بالسيفِ يُريدَ بذلكَ الذَّبيحةَ كانَ له أنْ يَأكلَه، ورُويَ عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قالَ: «تِلكَ ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ»، وأفتَى بأكلِها عِمرانُ بنُ حُصينٍ، وبه قالَ الشَّعبيُّ وأبو حَنيفةَ والثوريُّ.
وقالَ أبو بَكرٍ: لأبي عَبدِ اللهِ فيها قَولانِ: والصَّحيحُ أنها مُباحةٌ؛ لأنه اجتَمعَ قَطعُ ما تَبقَى الحَياةُ معهُ مع الذَّبحِ، فأُبيحَ كما ذكَرْنا مع قَولِ مَنْ ذكَرْنا قولَه مِنْ الصَّحابةِ مِنْ غيرِ مُخالِفٍ.
فَصلٌ: فإنْ ذبَحَها مِنْ قَفاها فلمْ يَعلمْ هل كانَتْ فيها حياةٌ مُستقرةٌ قبلَ قَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ أو لا نَظَرْتَ؛ فإنْ كانَ الغالِبُ بقاءُ ذلكَ لحِدَّةِ الآلةِ وسُرعةِ القَتلِ فالأَولى إباحتُه؛ لأنه بمَنزلةِ ما قُطعَتْ عُنقُه بضَربةِ السيفِ، وإنْ كانَتِ الآلةُ كالَّةً وأبطَأَ قَطعُه وطالَ تَعذيبُه لم يُبَحْ؛ لأنه مَشكوكٌ في وُجودِ ما يُحلِّه، فيَحرمُ كما لو أرسَلَ كلْبَه على الصَّيدِ فوجَدَ معهُ كَلبًا آخَرَ لا يَعرفُه (١).
(١) «المغني» (٩/ ٣١٨، ٣١٩).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الذبائح والصيود
فصل في بيان شرط حل الأكل في الحيوان المأكول
يَتَغَيَّرُ لَحْمُهَا وَيَنْتُنُ فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ كَالطَّعَامِ الْمُنْتِنِ. وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْجَلَّالَةِ أَنْ تُشْرَبَ أَلْبَانُهَا» ؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا إذَا تَغَيَّرَ يَتَغَيَّرُ لَبَنُهَا، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ أَنْ يُحَجَّ عَلَيْهَا وَأَنْ يُعْتَمَرَ عَلَيْهَا وَأَنْ يُغْزَى وَأَنْ يُنْتَفَعَ بِهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ» فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا أَنَتَنَتْ فِي نَفْسِهَا فَيَمْتَنِعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا حَتَّى لَا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِنَتِنِهَا كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ رحمة الله عليه فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الْكَرْخِيِّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا مِنْ الْعَمَلِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنْ تُحْبَسَ أَيَّامًا وَتُعْلَفَ فَحِينَئِذٍ تَحِلُّ.
ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.