ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح

الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح - الأقوال والأدلة

وقالَ المَراوِزةُ مِنْ الشافِعيةِ: لا بُدَّ مِنْ جرحٍ في الخاصِرةٍ مُذفِّفٍ.

ومِن أصحابِ الشافِعيِّ مَنْ اشتَرطَ الجرحَ المُذفِّفَ مُطلَقًا.

وقالَ مالِكٌ: لا تَنتقلُ ذَكاتُه ولا يُستباحُ بعَقرٍ في مَوضعٍ في بَدنِه، وإنما يُستباحُ بالذبحِ والنَّحرِ، ولا ذَكاةَ إلا في الحَلقِ واللبَّةِ.

ورَوى ابنُ حَبيبٍ خاصةً عنهُ أنه يَكونُ له حُكمُ الوَحشِ، فيُستباحُ بما يُستباحُ به الوَحشُ، فإنْ أصابَ منه العَاقِر أبيحَ بهِ (١).

قالَ الموصليُّ رحمة الله عليه: البَعيرُ النادُّ لو رَماهُ فقتَلَه حَلَّ أكلُه؛ لأنَّ الجرحَ في غيرِ المَذبحِ أُقيمَ مَقامِ الذبحِ عندَ تعذُّرِ الذَّبحِ للحاجةِ، والبَقرُ والبَعيرُ لو نَدَّا في الصحراءِ أو المِصرِ بمَنزلةِ الصَّيدِ، وكذلكَ الشاةُ في الصحراءِ، ولو نَدَّتْ في المِصرِ لا تَحلُّ بالعَقرِ؛ لأنه يُمكِنُ أخذُها، أما البَقرُ والبَعيرُ فرُبَّما عضَّهُ البَعيرُ ونطَحَه البقرُ، فتَحقَّقَ العَجزُ فيها؛ والمُتردِّي في بئرٍ لا يُقدَرُ على ذَكاتِه في العُروقِ كالصَّيدِ؛ إذْ لا يُتوهَّمُ مَوتُه بالماءِ (٢).

ذَبحُ ما يُنحَرُ ونَحرُ ما يُذبَحُ:

الأصلُ أنَّ الذبحَ يَكونُ في بَقرٍ وغَنمٍ وطَيرٍ وصَيدٍ مَقدورٍ عليهِ.

والنَحرُ -وهو الطَّعنُ بحَربةٍ ونحوِها في الوَهْدةِ التي بينَ أصلِ العُنقِ والصَّدرِ- يكونُ في إبلٍ.

ولو نحَرَ ما يُذبَحُ وذبَحَ ما يُنحرُ يَحلُّ؛ لوُجودِ فَريِ الأوداجِ، ولكنَّه

(١) «الإفصاح» (٢/ ٣٤٦، ٣٤٧).
(٢) «الاختيار» (٥/ ١٠).

يُكرهُ عندَ الحَنفيةِ؛ لأنَّ السُّنةَ في الإبلِ النَّحرُ، وفي غيرِها الذبحُ، ألَا ترَى أنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَ في الإبلِ النحرَ وفي البقرِ والغنمِ الذبحَ فقالَ : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)[الكوثر: ٢]، قيلَ في التأويلَ: أيِ انحَرِ الجَزورَ، وقالَ اللهُ عَزَّ شَأنُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وقالَ تعالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)[الصافات: ١٠٧]، والذِّبحُ بمَعنى المَذبوحِ، كالطَّحنِ بمَعنى المَطحونِ، وهو الكَبشُ الذي فَدَى به سيِّدَنا إسماعيلَ، وكذا النبيُّ عليه الصلاة والسلام نحَرَ الإبلَ وذبَحَ البَقرَ والغنَمَ، فدلَّ أنَّ ذلكَ هو السُّنةُ (١).

وهذا قَولُ الجُمهورِ، أنه يَجوزُ نَحرُ ما يُذبحُ وذَبحُ ما يُنحرُ، خِلافًا للمالِكيةِ الذينَ أوجَبُوا النحرَ في الإبلِ خاصَّةً إذا لم تَكنْ ضَرورةٌ (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ بطَّال رحمة الله عليه: فأمَّا البَقرُ فالأئمَّةُ مُجمِعونَ على جَوازِ النَّحرِ والذَّبحِ فيها، قالَ تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، ورَوتْ عَمرةُ عن عائِشةَ أنها قالَت: «دخلَ علينا يَوم النَّحرِ بلَحمٍ، فقيلَ: نحَرَ رَسولُ اللهِ عن أزواجِه البقَرةَ» فجازَ فيها الوَجهانِ …

واختَلفُوا في ذَبحِ ما يُنحرُ مِنْ الإبلِ ونَحرِ ما يُذبحُ مِنْ الغَنمِ، فأجازَ أكثَرُ الفُقهاءِ أيَّ ذلكَ فعَلَ المُذكِّي، قالَ ابنُ المُنذرِ: رُويَ ذلكَ عن عَطاءٍ والزُّهريِّ وقَتادةَ، وقالَ أبو حَنيفةَ والثوريُّ واللَّيثُ والشافِعيُّ نحوَ ذلكَ

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٤١).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٦٦)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣١٢).

ويَكرهونَه، ولم يَكرهْه أحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ، وهو قَولُ عبدِ العَزيزِ بنِ أبي سَلمةَ في ذَبحِ الإبلِ أو نَحرِ ما يُذبحُ مِنْ طيرٍ أو غيرِه مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، وقالَ أشهَبُ: إنْ ذبَحَ بَعيرًا مِنْ غيرِ ضَرورةٍ لم يُؤكلْ، واعتَلَّ أصحابُه بأنَّ النبيَّ بيَّنَ وَجهَ الذَّكاةِ فنحَرَ الإبلَ وذبَحَ الغنَمَ والطيرَ، ولا يَجوزُ تَحويلُ شيءٍ مِنْ ذلكَ عن مَوضعِه مع القُدرةِ عليهِ إلا بحُجةٍ واضِحةٍ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: لا أعلَمُ أحَدًا حرَّمَ أكْلَ ما نُحرَ ممَّا يُذبحُ أو ذُبحَ ما يُنحرُ، وإنما كَرهَ ذلكَ مالِكٌ ولم يُحرِّمْه، وقد يَكرهُ المرءُ الشيءَ ولا يُحرِّمُه، وحُجةُ الجُمهورِ أنه لمَّا جازَ في البَقرِ والخَيلِ الذبحُ والنَّحرُ، جازَ ذلكَ في كلِّ ما تَجوزُ تَذكيتُه، ألَا تَرى قولَ ابنِ عبَّاسٍ: «الذَّكاةُ جائزةٌ في الحَلقِ واللبَّةِ»، ولم يَخصَّ شَيئًا مِنْ ذلكَ دونَ شيءٍ، فهو عامٌّ في كلِّ ذِي حَلقٍ وكلِّ ذي لبَّةٍ، والناسُ على هذا، ولم يُخالِفْ ذلكَ غيرُ مالِكٍ وحْدَه، وأما قَولُ ابنِ عبَّاسٍ: «إنَّ الذَّكاةَ في الحَلقِ واللَّبةِ» فمَعناهُ أنَّ الذكاةَ لا تَكونُ إلا في هَذينِ المَوضعينِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ المُستحَبَّ نَحرُ الإبلِ وذَبحُ ما سِواها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)[الكوثر: ٢]، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، قالَ مُجاهِدٌ: أُمِرْنا بالنَّحرِ وأُمِرَ بَنو إسرائيلَ بالذَّبحِ، فإنَّ النبيَّ بعثَ في قَومٍ ماشِيتُهم الإبلُ فسَنَّ النَّحرَ، وكانَتْ بَنو إسرائيلَ ماشِيتُهم البقرُ

(١) «شرح صحيح البخاري» (٥/ ٤٢١، ٤٢٢)، و «حاشية الصاوي» (٤/ ٩١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيد والذبائح
١٧٢٧ - مسألة؛ قال: (فإن ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح فجائز)

مَقْدُورٌ عليه، فلم يُبَحْ بغيرِ الذَّكاةِ، كالبَعِيرِ والبقَرَةِ.

١٧٢٧ - مسألة؛ قال: (فإِنْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ، أَو نَحِرَ مَا يُذْبَحُ فجائِزٌ)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفَةَ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن داودَ، أن الإِبْلَ لا تُباحُ إلَّا بالنَّحْرِ، ولا يُباحُ غيرُها إلَّا بالذَّبْحِ؛ لأنَّ اللَّه تعالَى قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} . والأمْرُ يقْتَضِى الوُجوبَ، وقال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . ولأنّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَرَ البُدْنَ، وذَبَحَ الغَنَمَ، وإنَّما تُؤْخَذُ الأَحْكامُ من جِهَتِه. وحُكِىَ عن مالكٍ ، أنَّه لا يُجْزِئُ فى الإِبلِ إلَّا النَّحْرُ؛ لأنَّ أعناقَها طويلَةٌ، فإذا ذُبحَ تَعَذَّبَ بخُروجِ رُوحِه. قال ابنُ المُنْذِر: إنَّما كرِهَه، ولم يُحرِّمْه. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أمْرِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ" . وقالتْ أسْماءُ: نَحَرْنا فَرَسًا على عهدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأَكَلْناه ونحنُ بالمدينَةِ . وعن عائِشَةَ، قالتْ: نَحَرَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فى حِجَّةِ الوَداعِ بَقرَةً واحدةً . ولأنَّه ذَكاةٌ فى محلِّ الذَّكاةِ، فجازَ أَكْلُه، كالحيوانِ الآخَرِ.

١٧٢٨ - مسألة؛ قال: (وإِذَا ذَبَح فأَتّى عَلَى الْمَقاتِلِ، فَلَمْ تَحْرُج الرُّوحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِى الْمَاءِ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهَا شَىْءٌ، لَمْ تُؤْكَلْ)

يعنى وَطِئَ عليها شىءٌ يقتلُها مِثْلُه غالِبًا، وهذا الذى ذَكَرَه الْخِرَقِىُّ نَصّ عليه أحمدُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 649 - 651

ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 34%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله