أكل الجلالة

الإسلام > الأطعمة والصيد > ما اختلف الفقهاء فيه > أكل الجلالة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

أكل الجلالة - الأقوال والأدلة

بأسًا، وقد كَرِهَ بعضُ أهلِ العِلمِ أكْلَ الأرنَبِ وقالُوا: إنها تُدْمِي (١).

قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقوا على أنَّ الأرنَبَ مُباحٌ أَكلُه (٢).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأكلُ الأرنَبِ حَلالٌ عندَ مالكَ وأبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمَدَ والعُلماءِ كافَّةً، إلا ما حُكيَ عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو ابنِ العاصِ وابنِ أبي ليلَى أنهُما كَرِهاهَا، دَليلُ الجُمهورِ هذا الحَديثُ معَ أحاديثَ مِثلِه، ولم يَثبتْ في النَّهيِ عنها شَيءٌ (٣).

أكلُ الجَلاَّلةِ:

الجَلَّالةُ: هي التي يَكونُ أكثَرُ طَعامِها العَذرةُ، فأمَّا إذا رَعَتِ الكَلَأَ واعتَلفَتِ الحَبَّ وكانَت تَنالُ مع ذلكَ شَيئًا مِنْ الجَلَّةِ فليسَتْ بجَلَّالةٍ، وإنما هي كالدَّجاجِ المُخلَّاةِ ونحوِها مِنْ الحَيوانِ الذي ربَّما نالَ الشَّيءَ منها وغالِبُ غِذائِه وعَلفِه مِنْ غيرِها.

اختَلفَ الفُقهاءُ في أكلِ لُحومِ الجلَّالةِ وألبانِها إذا لم تُحبَسْ، فإنْ حُبِسَتْ وقتًا مِنْ الزَّمنِ وأكَلَتِ الطَّيبِ جازَ أكلُها اتِّفاقًا، وإذا لم تُحبَسْ فاختَلفُوا فيه، هل يَحلُّ مع الكَراهةِ؟ أم يَحرمُ أكلُها حتَّى تُحبَسَ؟ أم يُكرَهُ؟ أم يُباحُ بدُونِ كَراهةٍ؟

(١) «سنن الترمذي» (٤/ ٢٥١).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٣٥٥).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ١٠٤، ١٠٥)، ويُنظَر: «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٩٥)، و «عمدة القاري» (١٣/ ١٣١)، و «الكافي» (١/ ١٨٦)، و «تفسير القرطبي» (٧/ ١٢٣)، و «المجموع» (٩/ ١١، ١٣).

فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ وبَعضُ الشافِعيةِ إلى أنه يَحرمُ أكلُ الجَلَّالةُ، وهيَ التي أكثَرُ عَلفِها النَّجاسةُ، فإنْ كانَ أكثَرُ عَلفِها الطاهرُ لم يَحرمْ أكلُها.

وكذا يَحرمُ لَبنُها وبَيضُها في أصَحِّ الرِّوايتينِ؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما: «نهَى النبيُّ عن أكلِ الجَلَّالةِ وألبانِها»، وفي رِوايةٍ له: «نهَى عن رُكوبِ جَلَّالةِ الإبلِ» (١).

وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «نَهى النبيُّ عن شُربِ لَبنِ الجَلالةِ» (٢)، وبَيضُها كلَبنِها؛ لأنه مُتولِّدٌ منها.

حتَّى تُحبَسَ ثلاثًا وتُطعَمَ الطاهِرَ؛ لأنَّ ابنَ عُمرَ «كانَ إذا أرادَ أكْلَها حبَسَها ثَلاثًا» (٣).

وقيلَ: تُحبَسُ الناقةُ والبَقرةُ أربعِينَ يَومًا، لحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ: «نهَى النبيُّ عن الإبلِ الجلَّالةِ، أنْ لا يُؤكلَ لَحمُها، ولا يُشربَ لَبنُها، ولا يُحمَلَ عليهَا إلا الأدمُ، ولا يَركبَها الناسُ، حتَّى تُعلَفَ أربعِينَ لَيلةً» (٤) والبَقرةُ في مَعناها.

ويُحبَسُ الطائِرُ ثلاثًا؛ لفِعلِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما، والأولُ المَذهبُ (٥).

(١) صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٣١٨٩).
(٢) صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٧٨٦)، والترمذي (١٨٢٥)، والنسائي (٤٤٤٨).
(٣) صَحِيحٌ: انظر: «الإرواء» (٢٥٠٥).
(٤) ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٤٧٥٣).
(٥) «المغني» (٩/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «الكافي» (١/ ٤٩٠)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٥٦)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٤٥، ٢٤٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٨٠، ٣٨١)، و «البيان» (٤/ ٥٠٨).

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ وبَعضُ المالِكيةِ إلى كَراهةِ أكلِ لُحومِ الجَلالةِ التي تَأكلُ العَذرةَ أو يَكونُ أكثَرُ عَلفِها العَذرةَ مِنْ نَاقةٍ أو شاةٍ أو بَقرةٍ أو دِيكٍ أو دَجاجةٍ؛ للنهيِ الوارِدِ فيها عن النبيِّ ، والنهيُ الوارِدُ هو على الكَراهةِ دونَ التَّحريمِ؛ لأنَّ النهيَ عنها وارِدٌ لأجلِ ما تَأكلُه مِنْ الأنجاسِ، وهي تَغتذيهِ في كَرشِها، والعَلفُ الطاهِرُ يَنجسُ في الكَرشِ، فساوَى في حُصولِه منه حالَ النَّجسِ، ولأنَّ لُحومَ ما تَرعَى الأنجاسَ نَتنٌ، وأكلُ اللَّحمِ إذا نَتنَ يَحرمُ، وإذا كانَ هكذا فكُلَّما كانَ أكثَرُ غِذائِه رَعيُ الأنجاسِ كانَ أكلُ لَحمِه وشُربُ لَبنِه مَكروهًا.

فأما رُكوبُه فيُكرهُ إذا كانَ عَرِيًّا؛ لنَتنِ عَرَقِه، ولا يُكرهُ إذا كانَ مُوكَّفًا أو مُسرَّجًا، فإنْ كانَ أكثَرُ ما يَغتذيهِ طاهِرًا -وإنِ اغتَذَى في بَعضِها نَجسًا- لم يُكرهْ؛ اعتِبارًا بالأغلَبِ.

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ويُختارُ في الجلَّالةِ إذا أُريدَ شُربُ لَبنِها أو أَكلُ لَحمِها أنْ تُحبَسَ عن الأقذارِ بالعَلفِ الطاهِرِ في البَعيرِ أربعَينَ يَومًا، وفي البَقرةِ ثَلاثينَ يَومًا، وفي الشاةِ سَبعةَ أيامٍ، وفي الدَّجاجةِ ثَلاثةَ أيامٍ، وليسَتْ هذه المَقاديرُ تَوقيفًا لا يُزادُ عليهِ ولا يُنْقَصُ منهُ؛ لأنَّ المَقصودَ زَوالُ ما أنتَنَ مِنْ أبدانِها، والأغلَبُ أنها تَزولُ بهذهِ المَقاديرِ، فإنْ زالَتْ بأقَلَّ منها زالَتِ الكَراهةُ، وإنْ لم تَزلْ فيها بَقيَتِ الكَراهةُ حتَّى تَزولَ ممَّا زادَ عليهَا، فإنْ أكَلَ منها قبلَ عَلفِها نظَرَ في رائِحةِ لَحمِها، فإنْ لم يَتغيرْ بأكلِ النَّجاسةِ كانَ حَلالًا، وإنْ تَغيَّرَ بها فإنْ كانَ يَسيرًا لم يَستوعِبْ رائِحةَ تلكَ النَّجاسةِ حَلَّ

أكلُه، وإنْ كانَتْ كَثيرةً قد استَوعبَتْ رائِحةُ تلك النجاسةِ أو قارَبَها ففِي إباحةِ أكلِه وَجهانِ حَكاهُما ابنُ أبي هُريرةَ:

أحَدُهما: مُباحٌ؛ لأنه مِنْ أصلٍ مَأكولٍ.

والثَّاني: أنه حَرامٌ؛ لأنه قد صارَ مِنْ الخَبائثِ، وهَكذا نَقولُ في الجَديِ إذا ارتَضعَ مِنْ لَبنِ كَلبةٍ أو خِنزيرةٍ حتَّى نبَتَ له لَحمُه كانَتْ إباحةُ أكلِه على هَذينِ الوَجهينِ (١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أصحابُنا: الجَلَّالةُ: هي التي تَأكلُ العَذرةَ والنَّجاساتِ، وتَكونُ مِنْ الإبلِ والبَقرةِ والغَنمِ والدَّجاجِ، وقيلَ: إنْ كانَ أكثَرُ أكلِها النَّجاسةَ فهي جلَّالةٌ، وإنْ كانَ الطاهِرُ أكثَرَ فلا، والصَّحيحُ الذي عليهِ الجُمهورُ أنه لا اعتِبارَ بالكَثرةِ، وإنما الاعتِبارُ بالرَّائحةِ والنَّتنِ، فإنْ وُجدَ في عُرفِها وغيرِه رِيحُ النَّجاسةِ فجلَّالةٌ، وإلا فَلا، وإذا تَغيَّرَ لَحمُ الجلَّالةِ فهو مَكروهٌ بلا خِلافٍ، وهل هي كَراهةُ تَنزيهٍ أو تَحريمٍ؟ فيه وَجهانِ مَشهورانِ في طَريقةِ الخُراسانيِّينَ: أصَحُّهما عندَ الجُمهورِ وبه قطَعَ المُصنِّفُ وجُمهورُ العِراقيينَ وصحَّحَه الرُّويانِيُّ وغيرُه مِنْ المُعتمدينَ: أنه كَراهةُ تَنزيهٍ، قالَ الرَّافعيُّ: صحَّحَه الأكثَرونَ، والثاني: كَراهةُ تَحريمٍ، قالَه أبو إسحاقَ المَروزيُّ والقفَّالُ وصحَّحَه الإمامُ والغَزاليُّ والبَغويُّ، وقيلَ: هذا الخِلافُ

(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٤٧، ١٤٨)، و «المهذب» (١/ ٢٥٠)، و «البيان» (٤/ ٥٠٨، ٥٠٩)، و «أحكام القرآن» (٤/ ١٩٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢١٧)، و «المبسوط» (١١/ ٢٥٥)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٩، ٤٠)، و «المغني» (٩/ ٣٢٩، ٣٣٠)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٩٤، ٣٩٥)، رقم (١٧٢٥).

فيما إذا وُجِدتْ رائِحةُ النَّجاسةِ بتَمامِها أو قَرُبَتِ الرائحةُ مِنْ الرائِحةِ، فإنْ قلَّتِ الرائِحةُ المَوجودةُ لم تَضُرَّ قَطعًا.

قالَ أصحابُنا: ولو حُبسَتْ بعدَ ظُهورِ النَّتنِ وعُلفَتْ شَيئًا طاهِرًا فزالَتِ الرائِحةُ ثم ذُبحَتْ فلا كَراهةَ فيها قَطعًا.

قالَ أصحابُنا: وليسَ للقَدرِ الذي تعلفُه مِنْ حَدٍّ، ولا لزَمانِه مِنْ ضَبطٍ، وإنما الاعتِبارُ بما يُعلَمُ في العادةِ أو يُظَنُّ أنَّ رائحةَ النجاسةِ تَزولُ به، ولو لم تُعلفْ لم يَزُلِ المنعُ بغَسلِ اللَّحمِ بعدَ الذَّبحِ ولا بالطَّبخِ وإنْ زالَتِ الرائحةُ به، ولو زالَتْ بمُرورِ الزَّمانِ قالَ البَغويُّ: لا يَزولُ المَنعُ، وقالَ غيرُه: يَزولُ.

قالَ أصحابُنا: وكَما مُنعَ لَحمُها يُمنعُ لَبنُها وبَيضُها؛ للحَديثِ الصَّحيحِ في لَبنِها (١).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ليسَ لحَبسِها تَقديرٌ في ظاهرِ الرِّوايةِ، هكذا رُويَ عن مُحمدٍ رحمة الله عليه أنه قالَ: كانَ أبو حَنيفةَ رضي الله عنه لا يُوقِّتُ في حَبسِها، وقالَ: تُحبَسُ حتى تَطيبَ، وهو قَولُهما أيضًا.

ورَوى أبو يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ عليهِ الرَّحمةُ أنها تُحبَسُ ثَلاثةَ أيَّامٍ، ورَوى ابنُ رُستمٍ رحمة الله عليه عن مُحمدٍ في الناقةِ الجلَّالةِ والشاةِ والبَقرِ الجلَّالِ أنها إنما تَكونُ جلَّالةً إذا تَفتَّتتْ وتَغيَّرتْ ووُجدَ منها رِيحٌ مُنتنةٌ فهي الجلَّالةُ حِينئذٍ، لا يُشربُ لَبنُها ولا يُؤكلُ لَحمُها، وبَيعُها وهِبتُها جائِزٌ.

(١) «المجموع» (٩/ ٢٦، ٢٧).

هذا إذا كانَتْ لا تَخلطُ ولا تَأكلُ إلا العَذرةَ غالبًا، فإنْ خَلطَتْ فليسَتْ جلَّالةً فلا تُكرهُ؛ لأنها لا تَنتنُ.

ولا يُكرهُ أكلُ الدَّجاجِ المُخلَّى وإنْ كانَ يَتناولُ النَّجاسةَ؛ لأنه لا يَغلبُ عليهِ أكلُ النَّجاسةِ، بل يَخلطُها بغَيرِها وهو الحَبُّ فيَأكلُ ذا وذا.

وقيلَ: إنما لا يَكرهُ لأنه لا يَنتنُ كما يَنتنُ الإبلُ، والحُكمُ مُتعلِّقٌ بالنَّتنِ، ولهذا قالَ أصحابُنا في جَديٍ ارتَضعَ بلَبنِ خِنزيرٍ حتى كَبِرَ: إنه لا يُكرهُ أكلُه؛ لأنَّ لَحمَه لا يَتغيرُ ولا يَنتنُ.

فهذا يَدلُّ على أنَّ الكَراهةَ في الجلَّالةِ لمَكانَ التَّغيرِ والنَّتنِ، لا لتَناولِ النَّجاسةِ، ولهذا إذا خَلطَتْ لا يُكرهُ وإنْ وُجدَ تَناولُ النَّجاسةِ؛ لأنها لا تَنتنُ، فدَلَّ أنَّ العِبرةَ للنَّتنِ لا لتَناولِ النَّجاسةِ.

والأفضَلُ أنْ تُحبَسَ الدَّجاجُ حتَّى يَذهبَ ما في بَطنِها مِنْ النَّجاسةِ؛ لِما رُويَ «أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ يَحبسُ الدَّجاجَ ثَلاثةَ أيَّامٍ ثم يَأكلُه»، وذلكَ على طَريقِ التنزُّهِ، وهو رِوايةُ أبي يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ عليهِما الرَّحمةُ أنها تُحبَسُ ثَلاثَة أيامٍ، كأنَّه ذهَبَ إلى ذلكَ للخبَرِ ولِما ذكَرْنا أنَّ ما في جَوفِها مِنْ النَّجاسةِ يَزولُ في هذهِ المُدةِ ظاهِرًا وغالِبًا (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يَجوزُ أكلُ لُحومِ الجلَّالةِ مِنْ غيرِ كَراهةٍ، فيَجوزُ أكلُ لَحمِ الماشِيةِ والطَّيرِ الذي يَتغذَّى بالنَّجاسةِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بأنَّ

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٤٠).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 774 - 779

ارجع إلى ما اختلف الفقهاء فيه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده