الإسلام > الأطعمة والصيد > ما اختلف الفقهاء فيه
مسائلُ فقهيةٌ في ما اختلف الفقهاء فيه على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةأكلُ كُلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، هل يَحلُّ أكلُه أم لا؟
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنهُ يُكرهُ أكلُ سِباعِ الوَحشِ مِنْ غيرِ تَحريمٍ، كالسَّبعِ والثَّعلبِ والذِّئبِ والضَّبعِ والهِرِّ الوَحشيِّ ولا الأنسِيِّ ولا شَيئًا مِنْ السِّباعِ وفِيلٍ.
والدَّليلُ على أنَّ السِّباعَ ليسَتْ بمُحرَّمةٍ كالخِنزيرِ اختِلافُ الصَّحابةِ فيها، وقد كانَ ابنُ عبَّاسٍ وعائِشةُ إذا سُئِلا عن أكلِها احتَجَّا بقَولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، ولا يَجوزُ أنْ يَذهبَ التَّحريمُ على مِثلِ ابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ مع مَكانِهما مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ويُدرِكَه غيرَهُما، ولا يَجوزُ أنْ يُنسخَ القُرآنُ بالسُّنةِ إلا بتاريخٍ مُتفَقٍ عليهِ، فوجَبَ مع هذا الخِلافِ ألا نُحرِّمَها كالمَيتةِ، ونَكرهُها؛ لأنه لو ثبَتَ تَحريمُها لَوجَبَ نَقلُه مِنْ حَيثُ يُقطعُ العُذرُ، وقد رُويَ عن الرَّسولِ أنه أجازَ أكْلَ الضَّبعِ وهو ذُو نابٍ، فبانَ بهذا أنه ﷺ أرادَ بتَحريمِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ الكَراهيةَ، فبانَ أنَّ النهيَ الوارِدَ في الأحاديثِ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ نَهيُ كَراهةٍ وليسَ تَحريمٌ.
ولأنَّ كلَّ حَيوانٍ يَطهرُ جِلدُه بذَبحِه فلا يَحرمُ أكلُه (١).
(١) «المدونة الكبرى» (٢/ ٤٤٣)، و «شرح صحيح البخاري» (٥/ ٤٣٧، ٣٤٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٧٨، ٣٧٩)، و «أحكام القرآن» (٣/ ١٢٣، ١٢٤)، و «الإكليل» (٢/ ٢٤٣، ٢٤٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣١) «التاج والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٨٢)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٢٩، ٣٣٠).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والإمامُ مالكٌ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَحلُّ أكلُ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ ولا ذِي مِخلبٍ مِنْ الطيرِ؛ لِما رواهُ الشَّيخانِ عن أبي ثَعلبةَ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ» (١).
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قالَ: «كلُّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ فأكلُه حَرامٌ» (٢).
وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عن كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ وعن كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ» (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: المِخلبُ -بكَسرِ المِيمِ وفَتحِ اللَّامِ- قالَ أهلُ اللُّغةِ: المِخلبُ للطَّيرِ والسِّباعِ بمَنزلةِ الظُّفرِ للإنسانِ في هذهِ الأحاديثِ دَلالةٌ لمَذهبِ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ وداودَ والجُمهورِ أنه يَحرمُ أكلُ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ (٤).
(١) أخرجه البخاري (٥٢١٠)، ومسلم (١٩٣٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٣٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٩٣٤).
(٤) «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ٨٢)، و «المجموع» (٩/ ١٤، ١٦).
فهذهِ الأحادِيثُ نَصٌّ صَريحٌ على حُرمةِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ ومِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه بعدَ أنْ ذكَرَ الحَديثَ: وفيهِ مِنْ الفِقهِ أنَّ النهيَ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ نهيُ تَحريمٍ لا نهيُ أدَبٍ وإرشادٍ، ولو لم يَأتِ هذا اللَّفظِ عن النبيِّ ﷺ لَكانَ الواجِبُ في النَّظرِ أنْ يَكونَ نَهيُه ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ نَهيَ تَحريمٍ، فكيفَ وقد جاءَ مُفسَّرًا في هذا الخبَرِ؛ لأنَّ النهيَ حَقيقتُه الإبعادُ والزَّجرُ والانتهاءُ، وهذا غايةُ التَّحريمِ؛ لأنَّ التَّحريمَ في كَلامِ العَربِ الحِرمانُ والمَنعُ …
إلا أنَّ بعضَ أصحابِنا زعَمَ أنَّ النهيَ عن ذلكَ نَهيُ تَنزُّهٍ وتَقذُّرٍ، ولا أدرِي ما معنَى قَولِه: «نَهيُ تَنزُّهٍ وتَقذُّرٍ»، فإنْ أرادَ به نَهيَ أدَبٍ فهذا ما لا يُوافَقُ عليهِ، وإنْ أرادَ أنَّ كلَّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ يَجبُ التنزُّهُ عنه كما يَجبُ التنزُّهُ عن النَّجاسةِ والأقذارِ فهذا غايةٌ في التَّحريمِ؛ لأنَّ المُسلمينَ لا يَختلفونَ في أنَّ النَّجاساتِ مُحرَّماتُ العَينِ أشَدَّ التَّحريمِ لا يَحلُّ استِباحةُ أكلِ شَيءٍ منها، ولم يُرِدْه القائِلونَ مِنْ أصحابِنا ما حَكَيْنا هذا عنهُم، ولكنَّهم أرادُوا: الوجهُ الذي عندَ أهلِ العِلمِ نَدبٌ وأدبٌ؛ لأنَّ بعضَهم احتَجَّ بظاهِرِ قَولِ اللهِ ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، وذُكرَ أنَّ مِنْ الصَّحابةِ مَنْ استَعملَ هذهِ الآيةَ ولم يُحرِّمْ ما عدَاها، فكأنَّه لا حَرامَ عندَه على طاعِمٍ إلا ما ذُكرَ في هذهِ الآيةِ، ويَلزمُه على أصلِه هذا أنْ يُحِلَّ أكْلَ
الحُمرِ الأهلِيةِ، وهو لا يَقولُ هذا في الحُمرِ الأهليةِ؛ لأنه لا تَعملُ الذَّكاةُ عندَه في لُحومِها ولا في جُلودِها، ولو لم يَكنْ عندَه مُحرَّمًا إلا ما في هذهِ الآيةِ لَكانَتِ الحُمرُ الأهلِيةُ عندَه حَلالًا، وهو لا يَقولُ هذا ولا أحَدٌ مِنْ أصحابِه، وهذهِ مُناقَضةٌ (١).
فليسَ في قولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] حُجةٌ لمَن خالَفَنا؛ لأنَّ سُورةَ الأنعَام مَكيَّةٌ، وقد نزَلَ بعدَ هذا قُرآنٌ فيه أشياءُ مُحرَّماتٌ، ونزَلَتْ سُورةُ المائِدَة بالمَدينةِ وهيَ مِنْ آخِرِ ما نزَلَ، وفيها تَحريمُ الخَمرِ وتَحريمُ المُنخنِقةِ والمَوقوذةِ والمُتردِّيةِ والنَّطيحةِ، وحرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ البُيوعِ أشياءَ كَثيرةً، ونَهيُه ﷺ عن أكلِ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ كانَ بالمَدينةِ؛ لأنه رواهُ عنهُ مُتأخِّرُو أصحابِه أبو هُريرةَ وأبو ثَعلبةَ وابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهم، وقد حرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ نِكاحَ المَرأةِ على عَمَّتِها وخالَتِها، ولم يَقلْ أحَدٌ مِنْ العُلماءِ أنَّ قولَه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يُعارِضُ ذلكَ، بل جعَلُوا نَهيَه عن نِكاحِ المَرأةِ على عَمَّتِها وخالتِها زِيادةَ بَيانٍ على ما في الكِتابِ.
فذُو النابِ مِنْ السِّباعِ الأسدُ والذِّئبُ والنَّمرُ والفَهدُ والثَّعلبُ والضَّبعُ والكَلبُ والسِّنورُ البَريُّ والأهليُّ وكذلكَ الفيلُ وابنُ عُرسٍ مِنْ جُملةِ ذِي النابِ ونَحوُها، وذو المِخلبِ مِنْ الطُّيورِ الصَّقرُ والبازِي والنِّسرُ والعُقابُ والشاهينُ ونحوُها.
(١) «التمهيد» (١/ ١٤٠، ١٤٢)، و «الاستذكار» (٥/ ٢٨٦، ٢٨٨).
ارجع إلى الأطعمة والصيد للاطلاع على جميع الأبواب.