ما يباح من سمك البحر وما لا يباح

الإسلام > الأطعمة والصيد > ما اختلف الفقهاء فيه > ما يباح من سمك البحر وما لا يباح

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

ما يباح من سمك البحر وما لا يباح - الأقوال والأدلة

ظاهِرُ هذا أنَّ النَّجاسةَ إذا وقَعَتْ في مائعٍ غيرِ الماءِ نجَّسَتْه وإنْ كَثُرَ، وهذا ظاهِرُ المَذهبِ.

وعن أحمَدَ رِوايةٌ أخرَى أنه لا يَنجسُ إذا كَثُرَ، قالَ حَربٌ: سألْتُ أحمَدَ عن كَلبٍ ولَغَ في سَمنٍ أو زَيتٍ قالَ: «إذا كانَ في آنِيةٍ كَبيرةٍ مِثلَ حبٍّ أو نَحوِه رَجوتُ أنْ لا يَكونَ به بأسٌ، يُؤكلُ، وإذا كانَ في آنيةٍ صَغيرةٍ فلا يُعجبُني أنْ يُؤكلَ»، وسُئلَ عن كَلبٍ وقَعَ في خَلٍّ أكثَرَ مِنْ قُلَّتينِ فخرَجَ منه وهو حَيٌّ فقالَ: هذا أسهَلُ مِنْ أنه لو ماتَ.

وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ: ما أصلُه الماءُ كالخَلِّ التَّمرِي يَدفعُ النَّجاسةَ عن نَفسِه إذا كَثُرَ، وما ليسَ أصلُه الماءُ لا يَدفعُ عن نَفسِه، قالَ المَروذيُّ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: فإنْ وقَعَتِ النَّجاسةُ في خَلٍّ أو دِبسٍ؟ فقالَ: أما الخَلُّ فأصلُه الماءُ، يَعودُ إلى أنْ يَكونَ ماءً إذا حُملَ عليهِ، وقالَ ابنُ مَسعودٍ في فَأرةٍ وقَعَتْ في سَمنٍ: «إنَّما حَرُمَ مِنْ المَيتةِ لَحمُها ودَمُها».

ولنا: ما رَوى أبو هُريرةَ رضي الله عنه عن النبي «أنه سُئلَ عن فَأرةٍ وقَعَتْ في سَمنٍ قالَ: إنْ كانَ جامِدًا فخُذُوها، وما حَولَها فأَلقُوهُ، وإنْ كانَ مائِعًا فلا تَقرَبوهُ»، ولأنَّ غيرَ الماءِ ليسَ بطَهورٍ، فلا يَدفعُ النَّجاسةَ عن نَفسِه (١).

ما يُباحُ مِنْ سَمكِ البَحرِ وما لا يُباحُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يُباحُ مِنْ سَمكِ البَحرِ وما لا يُباحُ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ جَميعَ ما في البَحرِ مِنْ الحَيوانِ مُحرَّمُ الأكلِ،

(١) «المغني» (٩/ ٣٣٩، ٣٤٠).

إلا السَّمكَ خاصَّةً بجَميعِ أنواعِه، الجَريثِ والمَارماهيِّ، فإنه يَحلُّ أكلُه إلا ما طَفَا منه.

وأما غَيرُ السَّمكِ كالسَّرطانِ والسُّلحفاةِ والضُّفدعِ وخِنزيرِ الماءِ وكَلبِه وإنسانِه فلا يَحلُّ أكلُه ولا بَيعُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وما سِوى السَّمكِ خَبيثٌ (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى حِلِّ جَميعِ ما في البَّحرِ في الجُملةِ على تَفصيلٍ عِندَهم تَقدَّمَ في كتابِ الصَّيدِ، ولكنْ لأهَميتِه هُنا أذكُرُه بالتَّفصيلِ.

قالَ المالِكيةُ: صَيدُ البَحرِ كلُّه جائزٌ أكلُه، كَلبُه وخِنزيرُه، ما لَهُ شَبهٌ في البَرِّ وما لا شَبهَ له، لقَولِه تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، فعَمَّ، وقولِه : «هوَ الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه»، ولأنهُ مِنْ صَيدِ البَحرِ كالسَّمكِ.

ولا فصْلَ بينَ ما لهُ شَبهٌ في البَرِّ وبينَ ما لا شبَهَ له في جَوازِ أكلِه مِثلَ كَلبِ الماءِ وخِنزيرِه وغيرِ ذلكَ مِنْ أنواعِ صُورِه؛ لعُمومِ الظَّواهرِ، ولأنه مِنْ صَيدِ البَحرِ كالذي لا شُبه له، ولا يَحتاجُ شَيءٌ منهُ إلى ذَكاةٍ، وهو حَلالٌ حَيًّا ومَيتًا (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٥، ٣٦)، و «الهداية» (٤/ ٦٩)، و «الاختيار» (٥/ ١٨، ١٩)، و «البناية شرح الهداية» (١١/ ٦٠٥، ٦٠٩)، و «عمدة القاري» (٢١/ ١٠٥)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٧٤، ٤٧٥).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ٢٨٤، ٢٨٥)، و «التمهيد» (١٦/ ٢٢٣)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٧٥، ٣٧٦)، و «المعونة» (١/ ٤٦١).

وقالَ الشافِعيةُ: الحيَوانُ الذي لا يُهلِكُه الماءُ ضَربانِ:

أحَدُهما: ما يَعيشُ في الماءِ وإذا خرَجَ منهُ كانَ عَيشُه عَيشَ المَذبوحِ كالسَّمكِ بأنواعِه فهو حَلالٌ، ولا حاجَةَ إلى ذَبحِه بلا خِلافٍ، بل يَحلُّ مُطلَقًا سَواءٌ ماتَ بسَببٍ ظاهرٍ كضَغطةٍ أو صَدمةِ حَجرٍ أو انحِسارِ ماءٍ أو ضَربٍ مِنْ الصيَّادِ أو غيرِه أو ماتَ حَتْفَ أنفِه، سَواءٌ طَفَا على وَجهِ الماءِ أم لا، وكلُّه حَلالٌ بلا خِلافٍ.

وأما ما ليسَ على صُورةِ السُّموكِ المَشهورةِ ففيهِ ثَلاثةُ أوجُهٍ مَشهورةٍ:

أصَحُّها عندَ الأصحابِ: يَحلُّ الجَميعُ، وهو المَنصوصُ للشافِعيِّ في «الأُم» و «مُختصَر المُزَني» و «اختِلاف العِراقيينَ»؛ لأنَّ الصَّحيحَ أنَّ اسمَ السَّمكِ يَقعُ على جَميعِها، وقدْ قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وغَيرُه: «صَيدُه ما صِيدَ، وطَعامُه ما قذَفَ»، ولقَولِه في الحَديثِ الصَّحيحِ: «هو الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه».

والوَجهُ الثاني: يَحرمُ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ.

الثالِثُ: ما يُؤكلُ نَظيرُه في البَرِّ كالبَقرِ والشاةِ وغَيرِهما فحَلالٌ، وما لا يُؤكلُ كخِنزيرِ الماءِ وكَلبِه فحَرامٌ، فعَلى هذا ما لا نَظيرَ له حَلالٌ.

ولا تُشترطُ الذَّكاةُ في الجَميعِ علَى الصَّحيحِ.

الضَّربُ الثاني: ما يَعيشُ في الماءِ وفي البَرِّ أيضًا، فمِنهُ طَيرُ الماءِ كالبَطِّ

والإوزِّ ونَحوِهما، وهو حَلالٌ، ولا يَحلُّ مَيتتُه بلا خِلافٍ، بل تُشترطُ ذَكاتُه، ومِن هذا الضَّربِ الضِّفدعُ والسَّرطانِ، وهُمَا مُحرَّمانِ على المَذهبِ الصَّحيحِ المَنصوصِ، وبه قطَعَ الجُمهورُ؛ لِما رَواهُ سَعيدُ بنُ المُسيبِ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عُثمانَ قالَ: «ذكَرَ طَبيبٌ عندَ رَسولِ اللهِ دَواءً وذكَرَ الضُّفدعَ يُجعلُ فيه، فنَهَى رَسولُ اللهِ عن قَتلِ الضُّفدعِ» (١)، ولو حَلَّ أكلُه لم يَنْهَ عن قَتلِه.

وفيهِما قَولٌ ضَعيفٌ أنها حَلالٌ.

وذَواتُ السُّمومِ الضَّارةِ كالحَيةِ وغيرِها وما يُفضِي إلى مَوتٍ أو سُقمٍ فحَرامٌ بلا خِلافٍ ولا يَحلُّ أنْ يُؤكلَ.

وأما التِّمساحُ فحَرامٌ على الصَّحيحِ المَشهورِ، وكذا السُّلحفاةُ حَرامٌ على أصَحِّ الوَجهينِ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: كلُّ صَيدِ البَحرِ مُباحٌ إلا الضُّفدعَ، ورُويَ عن أبي بَكرٍ الصدِّيقِ رضي الله عنه أنه قالَ في كُلِّ ما في البَحرِ «قد ذكَّاهُ اللهُ لكُم»، وعُمومُ قَولِه تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] يَدلُّ على إباحةِ جَميعِ صَيدِه، ورَوى عَطاءٌ وعَمرُو بنُ دِينارٍ أنهُما بلَغَهُما عن النبيِّ أنه قالَ: «إنَّ اللهَ ذبَحَ كُلَّ شَيءٍ في البَحرِ لابنِ آدَمَ».

(١) صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٥٢٦٩)، وأحمد (١٥٧٩٥).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٥٩، ٦١)، و «المهذب» (١/ ٢٥٠)، و «البيان» (٤/ ٥٢٣)، و «المجموع» (٩/ ٢٨، ٣٠).

فأمَّا الضُّفدعُ «فإنَّ النبيَّ نهَى عن قَتلِه» (١)، فيَدلُّ ذلكَ على تَحريمِه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأما التِّمساحُ فقدْ نُقلَ عنه ما يَدلُّ على أنه لا يُؤكلُ، وقالَ الأوزاعيُّ: لا بأسَ به لمَن اشتَهاهُ، وقالَ ابنُ حامِدٍ: لا يُؤكلُ التِّمساحُ ولا الكَوسَجُ؛ لأنهُما يَأكلانِ النَّاسَ، وقد رُويَ عن إبراهيمَ النخَعيِّ وغيرِه أنه قالَ: كانُوا يَكرهونَ سِباعَ البَحرِ كما يَكرهونَ سِباعَ البَرِّ؛ وذلكَ «لنَهيِ النبيِّ عن كُلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ».

وقالَ أبو عليٍّ النجَّادُ: ما حَرُمَ نَظيرُه في البَرِّ فهو حَرامٌ في البَحرِ ككَلبِ الماءِ وخِنزيرِه وإنسانِه …

وكَلبُ الماءِ مُباحٌ، ورَكِبَ الحَسنُ بنُ عليٍّ رضي الله عنه سرجًا عليهِ جِلدٌ مِنْ جُلودِ كِلابِ الماءِ، وهذا قولُ مالكٍ والشافِعيِّ والليثِ، ويَقتضيهِ قولُ الشعبيِّ والأوزاعيِّ، ولا يُباحُ عندَ أبي حَنيفةَ، وهو قولُ أبي عَليٍّ النجَّادِ وبعضِ أصحابِ الشافِعيِّ.

ولنا: عُمومُ الآيةِ والخبَرِ، قالَ عبدُ اللهِ: «سألتُ أبي عن كَلبِ الماءِ فقالَ: حدَّثَنا يَحيَى بنُ سَعيدٍ عن ابنِ جُريجٍ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ وأبي الزُّبيرِ سَمِعَا شُريحًا -رَجلٌ أدرَكَ النبيَّ يَقولُ: كُلُّ شَيءٍ في البَحرِ فهوَ مَذبوحٌ، قالَ: فذَكَرتُ ذلكَ لعَطاءٍ فقالَ: أما الطَّيرُ فنَذبحُه، وقالَ أبو عبدِ اللهِ: كَلبُ الماءِ نَذبحُه (٢).

(١) صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٥٢٦٩)، وأحمد (١٥٧٩٥).
(٢) «المغني» (٩/ ٣٣٨، ٣٣٩).

وقالَ قبْلَ ذلكَ: كُلُّ ما يَعيشُ في البَرِّ مِنْ دَوابِّ البَحرِ لا يَحلُّ بغَيرِ ذَكاةٍ كطَيرِ الماءِ والسُّلحفاةِ وكَلبِ الماءِ، إلا ما لا دَمَ فيه كالسَّرطانِ فإنه يُباحُ بغَيرِ ذَكاةٍ، قالَ أحمَدُ: السَّرطانُ لا بأسَ به، قيلَ له: يُذبحُ؟ قالَ: لا؛ وذلكَ لأنَّ مَقصودَ الذَّبحِ إنما هو إخراجُ الدَّمِ منهُ وتَطييبُ اللَّحمِ بإزالتِه عنه، فما لا دَمَ فيه لا حاجَةَ إلى ذَبحِه، وأما سائرُ ما ذكَرْنَا فلا يَحلُّ إلا أنْ يُذبحَ، قالَ أحمَدُ: كَلبُ الماءِ يَذبحُه، ولا أرَى بأسًا بالسُّلحفاةِ إذا ذبَحَ، والرَّقُّ -العَظيمُ مِنْ السحَالفِ- يَذبحُه، وقالَ قَومٌ: يَحلُّ مِنْ غيرِ ذَكاةٍ؛ لقَولِ النبيِّ في البَحرِ: «هوَ الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه»، ولأنه مِنْ حَيوانِ البَحرِ، فأُبيحَ بغيرِ ذَكاةٍ كالسَّمكِ والسَّرطانِ، وقالَ أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضي الله عنه: «كلُّ ما في البَحرِ قد ذكَّاهُ اللهُ تعالَى لكُم»، ورَوى الإمامُ أحمَدُ بإسنادِه عن شُريحٍ -رَجلٌ أدرَكَ النبيَّ عن النبيِّ قالَ: «كُلُّ شَيءٍ في البَحرِ مَذبوحٌ»، ورُويَ عن النبيِّ أنه قالَ: «إنَّ اللهَ ذبَحَ كلَّ شَيءٍ في البَحرِ لابنِ آدَمَ».

ولنا: إنه حَيوانُ يَعيشُ في البَرِّ له نَفسٌ سائِلةٌ، فلمْ يُبَحْ بغير ذَبحٍ كالطَّيرِ، ولا خِلافَ في الطَّيرِ فيما عَلِمناهُ، والأخبارُ مَحمولةٌ على ما لا يَعيشُ إلا في البَحرِ كالسَّمكِ وشَبهِه؛ لأنهُ لا يَتمكنُ مِنْ تَذكيتِه؛ لأنه لا يُذبحُ إلا بعدَ إخراجِه مِنْ الماءِ، وإذا خرَجَ ماتَ.

فَصلٌ: فأما ما لا يَعيشُ إلا في الماءِ كالسَّمكِ وشَبهِه فإنهُ يُباحُ بغَيرِ ذَكاةٍ، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا؛ لِمَا ذكَرْنا مِنْ الأخبارِ، وقد رُويَ عن النبيِّ

أنهُ قالَ: «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمَانِ: فأما المَيتَتانِ فالسَّمكُ والجَرادُ»، وقد صَحَّ «أنَّ أبا عُبيدةَ وأصحابَه وَجَدوا على ساحِلِ البَحرِ دابَّةً يُقالَ لها العَنبَرُ مَيتةً، فأكَلُوا منها شَهرًا حتى سَمِنُوا وادَّهَنوا، فلما قَدِموا على النبيِّ أخبَرُوهُ فقالَ: هو رِزقٌ أخرَجَه اللهُ لكُم، فهلْ مَعكُم مِنْ لَحمِه شيءٌ تُطعِمونَا؟» مُتفَقٌ عليهِ (١).

وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا فيما يُباحُ مِنْ دَوابِّ البَحرِ وما لا يُباحُ.

فقالَ أبو حَنيفةَ: لا يُباحُ شَيءٌ منه سِوى السَّمكِ.

وقالَ مالكٌ: يُباحُ جَميعُه، سواءٌ كانَ ممَّا له شَبهٌ في البَرِّ أو ممَّا لا شَبهَ له، مِنْ غيرِ احتِياجٍ إلى ذَكاةٍ، وسَواءٌ تَلفَ بنَفسِه أو بسَببٍ، وسَواءٌ أتلَفَه مُسلمٌ أو مَجوسيٌّ، طَفَا أو لم يَطْفُ، وتَوقَّفَ في خِنزيرِ الماءِ خاصَّةً.

وقالَ أحمَدُ: يُؤكَلُ جَميعُ ما في البَحرِ إلا الضُّفدعُ والتِّمساحُ والكَوشَجُ، ومِن أصحابِه مَنْ منَعَ مِنْ كَلبِ الماءِ وخِنزيرِه وحَيَّتِه وفأرَتِه وعَقربِه، وأنَّ كلَّ ما لهُ شبهٌ في البَرِّ لا يُؤكلُ فإنهُ لا يُؤكلُ في البَحرِ، وهو أبو عَليٍّ النجَّادُ، ويَفتقرُ عندَ أحمَدَ إباحةُ غيرِ السَّمكِ مِنْ ذلكَ إلى الذَّكاةِ كخِنزيرِ الماءِ وكَلبِه وإنسانِه ونحوِ ذلكَ.

واختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ، فمِنهُم مَنْ قالَ: يُؤكلُ جَميعُه إلا الضُّفدعَ، ومنهُم مَنْ منَعَ إباحةَ الكُلِّ سِوى السَّمكِ كقَولِ أبي حَنيفةَ، ومنهُم مَنْ قالَ

(١) «المغني» (٩/ ٣٣٧، ٣٣٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيد والذبائح
١٧٤٦ - مسألة؛ قال: (وما كان مأواه البحر، وهو يعيش فى البر، لم يؤكل إذا مات فى بر أو بحر)

الماءِ، أو تَرَدَّى من جبلٍ، أو وَطِيء عليه شىءٌ. فإِنْ عَلِمَ أَنَّ السَّمَّ لم يُعِنْ على قَتْلِه، لكَوْنِ السَّهْمِ أوْحَى منه، فهو مُباحٌ؛ لانْتِفاءِ المُحَرِّمِ.

١٧٤٦ - مسألة؛ قال: (وَمَا كَانَ مَأْوَاهُ الْبَحْرُ، وَهُوَ يَعيشُ فِى الْبرِّ، لَمْ يُؤكَلْ إذَا مَاتَ فِى بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ)

كل ما يَعِيشُ فى الْبَر مِن دَوابِّ البحرِ، لا يَحِلُّ بغيرِ ذكاةٍ ، كطيرِ الماءِ، والسُّلَحْفاةِ، وكلبِ الماءِ، إلَّا ما لا دَمَ فيه، كالسَّرَطَانِ، فإنَّه يُباحُ بغيرِ ذكاةٍ. قال أحمدُ: السَّرطَانُ لا بأْسَ به. قيلَ له: يُذْبَحُ؟ قال: لا. وذلك لأنَّ مَقْصُودَ الذبْحِ إنَّما هو إخْراجُ الدَّمِ منه، وتَطْيِيبُ اللحمِ بإزالَتِه عنه، فما لا دَمَ فيه، لا حاجَةَ إلى ذَبْحِه. وأمَّا سائِرُ ما ذكَرْنا، فلا يَحِلُّ إلَّا أَنْ يُذْبَحَ. قال أحمدُ: كلبُ الماءِ يذْبَحُه، ولا أرَى بَأسًا بالسُّلَحْفاةِ إذا ذُبِحَ، والرَّقِّ يَذْبَحُه. وقال قومٌ: يحِلُّ من غيرِ ذَكاةٍ؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فى البحرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" . ولأنَّه من حيوانِ البحرِ، فأُبِيحَ بغيرِ ذَكاةٍ، كالسَّمكِ والسَّرَطَانِ. وقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: كلُّ ما فى البحرِ قد ذَكَّاه اللَّه تعالَى لكم . وروى الإِمامُ أحمدُ، بإسْنادِه عن شُرَيْحٍ رجُلٍ أدْرَكَ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: كُلُّ شَىْءٍ فى الْبَحرِ مَذْبوحٌ . ورُوِىَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "إنَّ اللَّه ذَبَحَ كُلَّ شىءٍ فى الْبَحْرِ لِابْنِ آدَمَ" . ولَنا، أَنَّهُ حيوانٌ يَعِيشُ فى البَرِّ، له نفسٌ سائِلَةٌ، فلم يُبَحْ بغيرِ ذَبْحٍ ، كالطَّيْرِ، ولا خِلافَ فى الطَّيْرِ فيما عَلِمْناه، والأَخْبارُ مَحْمُولةٌ على ما لا يَعِيشُ إلَّا

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 784 - 790

ارجع إلى ما اختلف الفقهاء فيه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله