حكم المضطر يأكل من الميتة، وما لا يحل أكله

الإسلام > الأطعمة والصيد > ما اختلف الفقهاء فيه > حكم المضطر يأكل من الميتة، وما لا يحل أكله

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

حكم المضطر يأكل من الميتة، وما لا يحل أكله - الأقوال والأدلة

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: يُباحُ أكلُ الجَرادِ بإجماعِ أهلِ العِلمِ، وقد قالَ عَبدُ اللهِ بنُ أبِي أَوفى: «غَزَونا معَ رَسولِ اللهِ سَبْعَ غَزَواتٍ نأكلُ الجَرادَ» رواهُ البُخاريُّ وأبو داودَ، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَموتَ بسَببٍ أو بغَيرِ سَببٍ في قَولٍ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، منهُم الشافِعيُّ وأصحابُ الحَديثِ وأصحابُ الرأيِ وابنُ المُنذرِ.

وعن أحمَدَ أنه إذا قتَلَه البَردُ لم يُؤكلْ، وعنهُ: لا يُؤكلُ إذا ماتَ بغَيرِ سَببٍ، وهو قولُ مالكٍ، ويُروَى أيضًا عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ.

ولنا: عُمومُ قَولِه عليه السلام: «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمَانِ: فالمَيتتَانِ السَّمكُ والجَرادُ» ولم يُفصِّلْ، ولأنه تُباحُ مَيتتُه، فلمْ يُعتبَرْ له سَببٌ كالسَّمكِ، ولأنه لو افتَقرَ إلى سَببٍ لَافتَقرَ إلى ذَبحٍ وذابحٍ وآلةٍ كبَهيمةِ الأنعامِ (١).

وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: الجَرادُ عندَ مالِكٍ لا يُؤكلُ إلا إذا ماتَ بسَببٍ، وقالَ مُحمدُ بنُ عَبدِ الحَكمِ: يُؤكلُ وإنْ ماتَ بغَيرِ سَببٍ، فوَجهُ قولِ مالِكٍ: أنه مِنْ حَيوانِ البَرِّ كسائرِ الحَيوانِ، ووَجهُ قولِ مُحمدٍ قَولُه : «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ، فذَكَر: السَّمكَ والجَرادَ» (٢).

حُكمُ المُضطرِّ يَأكلُ مِنْ المَيتةِ، وما لا يَحلُّ أكلُه:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على إباحَةِ أكلِ كلِّ ما هو حَرامٌ للمُضطرِّ الذي يَخشَى

(١) «المغني» (٩/ ٣١٥)، ويُنظَر: «الموطأ» برواية محمد بن الحسن (٢/ ٦١٦)، و «أحكام القرآن» (١/ ١٣٥، ١٣٧).
(٢) «المعونة» (١/ ٤٦٣)، و «الكافي» (١/ ١٨٧).

على نَفسِه الهَلاكَ مِنْ الجُوعِ والعَطشِ بمِقدارِ ما يَدفعُ المَوتَ عنهُ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].

وأجمَعُوا على أنه يَحرمُ ما زادَ على الشَّبعِ.

إلا أنهُم اختَلفُوا هل له أنْ يَأكلَ حتَّى يَشبعَ أم لا؟

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأما المَيتةُ فحَلالٌ للمُضطرِّ على كلِّ حالٍ ما دامَ في حالِ الاضطِرارِ بإجماعٍ.

وكذلكَ أكلُه زرْعَ غيرِه، أو إطعامُ غيرِه في تِلكَ الحالِ له حَلالٌ، ولا يَحلُّ لمَن عرَفَ حالَه تِلكَ أنْ يَتركَه يَموتُ وعندَه ما يُمسِكُ به رمَقَه، فإنْ كانَ واحِدًا تعيَّنَ ذلكَ عليهِ، وإنْ كانُوا جَماعةً كانَ قِيامُه به تِلكَ اللَّيلةِ أو اليومِ واللَّيلةِ فَرضًا على جَماعتِهم، فإنْ قامَ به مَنْ قامَ منهُم سقَطَ ذلكَ الفَرضُ عنهُم.

ولا يَحلُّ لمَن اضطُرَّ أنْ يَكفَّ عمَّا يُمسِكُ رمَقَه فيَموتَ، وفي مثلِ هذا قالَ مَسروقٌ: إنْ اضطرَّ إلى المَيتةِ ولم يَأكلْها وماتَ دخَلَ النارَ، فهو فَرضٌ عليهِ وعلى غيرِه فيهِ.

وهذا الذي وصَفْتُ لكَ عليهِ جَماعةُ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخَلفِ، وباللهِ التَّوفيقُ.

إلا أنهُم اختَلفُوا فيمَن أكَلَ شَيئًا له بالٌ وقيمةٌ مِنْ مالِ غيرِه وهو مُضطرٌّ، هل عليهِ ثَمنُ ذلكَ أم لا؟

فقالَ قَومٌ: يَضمنُ ما أحيَا به نفْسَه.

وقالَ الأكثَرُ: لا ضَمانَ عليهِ إذا اضطُرَّ إلى ذلكَ (١).

وقالَ أيضًا: قالَ مالِكٌ: إنَّ أحسَنَ ما سُمعَ في الرَّجلِ يَضطرُّ إلى المَيتةِ أنه يَأكلُ منها حتَّى يَشبعَ ويَتزوَّدَ منها، فإنْ وجَدَ عنها غِنًى طرَحَها.

قالَ أبو عُمرَ: رَوى فُضيلُ بنُ عِياضٍ وأبو مُعاويةَ وسُفيانُ وشُعبةُ عن الأعمَشِ عن مُسلمٍ عن مَسروقٍ قالَ: «مَنْ اضطُرَّ إلى المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ فلمْ يَأكلْ حتَّى ماتَ دخَلَ النارَ»، وهذا لَفظُ حَديثِ فُضيلِ ابنِ عِياضٍ.

واختَلفَ العُلماءُ في مِقدارِ ما يَأكلُ المُضطرُّ مِنْ المَيتةِ:

فقالَ مالِكٌ في «مُوطَّئه» ما ذكَرْنا، وعليهِ جَماعةُ أصحابِه.

وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأصحابُهما: لا يَأكلُ المُضطرُّ مِنْ المَيتةِ إلا مِقدارَ ما يَسدُّ الرَّمقَ والنفسَ.

وقالَ عبدُ اللهِ بنُ الحَسنِ: المُضطرُّ يأكلُ مِنْ المَيتةِ ما يَسدُّ جَوْعتَه.

وحُجةُ هَؤلاءِ أنَّ المُضطرَّ إنما أُبيحَ له أكلُ المَيتةِ إذا خافَ على نَفسِه المَوتَ، فإذا أكَلَ منها ما يُزيلُ الخَوفَ فقدْ زالَتِ الضَّرورةُ وارتَفعَتِ الإباحةُ، فلا يَحلُّ أكلُها.

وحُجةُ مالكٍ أنَّ المُضطرَّ ليسَ ممَّن حُرِّمتْ عليهِ المَيتةُ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقالَ: ﴿إِلَّا مَا

(١) «الاستذكار» (٥/ ٣١٠).

اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فإذا كانَتِ المَيتةُ حَلالًا للمُضطرِّ إليها أكَلَ منها ما شاءَ، حتَّى يَجدَ غيرَها فتَحرمُ عليهِ، وهو قَولُ الحَسنِ.

قالَ الحَسنُ: «إذا اضطُرَّ إلى المَيتةِ أكَلَ منها قُوْتَه».

وقد قيلَ: «مَنْ تَغدَّى لم يَتعشَّ مِنها، ومَن تَعشَّى لم يَتغَدَّ منها.

وفي الحَديثِ المَرفوعِ: «متَى تَحلُّ لنا المَيتةُ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: ما لم تَصطَبِحوا أو تَغتَبِقوا» (١)، والصَّبوحُ: الغَداءُ، والغَبوقُ: العَشاءُ ونحوُ هذا (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ المَيتةَ والدمَ ولَحمَ الخِنزيرِ حَلالٌ لمَن خَشيَ على نَفسِه الهَلاكَ مِنْ الجُوعِ ولم يَأكلْ في أمسِه شَيئًا ولم يَكنْ قاطِعَ طَريقٍ ولا مُسافِرًا سَفرًا لا يَحلُّ له.

واتَّفقُوا أنَّ مِقدارَ ما يَدفعُ به المَوتَ مِنْ ذلكَ حَلالٌ، واختَلفُوا في أكثَرَ وفي الخَمرِ للمُضطرِّ أيَحلُّ له ذلكَ أم لا؟ (٣).

وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ للمُضطرِّ أنْ يَأكلَ المَيتةَ بمِقدارِ ما يُمسكُ رمَقَه إذا لم يَكنِ المَيتةُ لحمَ بَني آدمَ ولم يَجدِ المُضطرُّ غيرَها، فقالَ مالكٌ في المَشهورِ عنه وأحمَدُ: لا يَجوزُ له أكلُه، وقالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ: يَجوزُ له ذلكَ.

(١) رواه أحمد (٢١٩٥١).
(٢) «الاستذكار» (٥/ ٣٠٦، ٣٠٧).
(٣) «مراتب الإجماع» ص (١٥١)، و «الإقناع في مسائل الإجماع» (٢٨١، ٢٨٢).

واختَلفُوا هل يَجوزُ للمُضطرِّ أنْ يَأكلَ مِنْ المَيتةِ غيرَ مَيتةِ الآدَميِّ حتَّى يَشبعَ:

فقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَشبعُ مِنها، وعن مالِكٍ وأحمَدَ رِوايتانِ: إحداهُما: يَجوزُ له الشِّبعُ، وزادَ مالِكٌ جَوازَ التَّزودِ مِنها، والأخرَى: مِقدارُ الجَوازِ مِنْ ذلكَ المُسبلةِ ولا يَنتهِي إلى الشبعِ، وعن الشافِعيِّ قَولانِ كالرِّوايتينِ.

واختَلفُوا فيما إذا وجَدَ المُضطرُّ مَيتةً غيرَ الآدَميِّ وطَعامًا للغيرِ ومالِكُ الطَّعامِ غائِبٌ:

فقالَ مالكٌ وأكثَرُ أصحابِ الشافِعيِّ وبَعضُ أصحابِ أبي حَنيفةَ: يَأكلُ مِنْ مالِ الغَيرِ بشَرطِ الضَّمانِ.

وقالَ أحمَدُ وبَقيةُ أصحابِ أبي حَنيفةَ وأصحابِ الشافِعيِّ: يَأكلُ مِنْ المَيتةِ (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ المُضطرَّ إذا لم يَجدْ طاهِرًا يَجوزُ له أكلُ النَّجاساتِ كالمَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ وما في مَعناها …

واتَّفقُوا على أنَّ المُضطرَّ إذا وجَدَ طاهِرًا يَملكُه لَزمَه أكلُه (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على تَحريمِ المَيتةِ حالَ الاختيارِ، وعلى إباحةِ الأكلِ منها في الاضطِرارِ، وكذلكَ سائِرُ المُحرَّماتِ، والأصلُ في هذا قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ

(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٥٧، ٣٥٨)، و «أحكام القرآن» (١/ ١٦٠، ١٦١).
(٢) «المجموع» (٩/ ٣٧، ٣٨).

الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ويُباحُ له أكلُ ما يَسدُّ الرَّمقَ ويَأمنُ معَه المَوتَ بالإجماعِ.

ويَحرمُ ما زادَ على الشِّبعِ بالإجماعِ أيضًا.

وفي الشِّبعِ رِوايتانِ: أظهَرُهما: لا يُباحُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ وإحدَى الرِّوايتينِ عن مالِكٍ وأحَدُ القَولينِ للشافِعيِّ، قالَ الحَسنُ: يَأكلُ قدْرَ ما يُقيمُه؛ لأنَّ الآيةَ دلَّتْ على تَحريمِ المَيتةِ، واستُثنيَ ما اضطُرَّ إليهِ، فإذا اندَفعَتِ الضَّرورةُ لم يَحلَّ له الأكلُ كحَالةِ الابتِداءِ، ولأنه بعدَ سَدِّ الرَّمقِ غيرُ مُضطرٍّ، فلمْ يَحلَّ له الأكلُ؛ للآيةِ، يُحقِّقُه أنه بعدَ سَدِّ رَمقِه كهوَ قبلَ أنْ يَضطرَّ، وثَمَّ لم يُبَحْ له الأكلُ، كذا هاهنا.

والثانيةُ: يُباحُ له الشِّبعُ، اختارَها أبو بَكرٍ؛ لِما رَوى جابرُ بنُ سَمرةَ «أنَّ رَجلًا نزَلَ الحَرةَ فنفَقَتْ عندَه ناقَةٌ، فقالَت له امرَأتُه: اسلَخْها حتَّى نُقدِّدَ شَحمَها ولَحمَها ونَأكلَه، فقالَ: حتَّى أسأَلَ رَسولَ اللهِ ، فسَألَه فقالَ: هل عِنْدَكَ غِنًى يُغنيكَ؟ قالَ: لا، قالَ: فكُلُوها» (١) ولم يُفرِّقْ، رواهُ أبو داودَ، ولأنَّ ما جازَ سَدُّ الرَّمقِ منه جازَ الشِّبعُ منه كالمُباحِ.

(١) حَسنُ الإسنادِ: رواه أبو داود (٣٨١٦) قالَ: حدَّثَنا مُوسَى بنُ إسماعيلَ ثَنَا حمَّادٌ عن سِماكِ بنِ حَربٍ عن جابرِ بنِ سَمُرةَ «أنَّ رَجلًا نزَلَ الحَرَّةَ ومعَه أهلُه ووَلدُه، فقالَ رَجُلٌ: إنَّ ناقةً لي ضلَّتْ، فإنْ وجَدتَها فأَمسِكْها، فوجَدَها فلمْ يَجِدْ صاحِبَها، فمَرِضَتْ، فقالَتِ امرَأتُه: انحَرْها، فأبَى، فنفَقَتْ، فقالَتْ: اسلُخْها حتَّى نُقدِّدَ شَحمَها ولَحمَها ونَأكلَه، فقالَ: حتَّى أسأَلَ رَسولَ اللهِ ، فأتَاهُ فسَألَه فقالَ: هل عِنْدَكَ غنًى يُغنيكَ؟ قالَ: لا، قالَ: فكُلُوها، قالَ: فجَاءَ صاحِبُها فأخبَرَه الخبَرَ فقالَ: هلَّا كُنْتَ نَحَرتَها؟! قالَ: استَحيَيتُ مِنْكَ».

ويَحتملُ أنْ يُفرِّقَ بينَ ما إذا كانَتِ الضَّرورةُ مُستمرَّةً، وبينَ ما إذا كانَتْ مَرجوَّةَ الزَّوالِ، فما كانَتْ مُستمرةً كحَالةِ الأعرابِيِّ الذي سألَ رَسولَ اللهِ جازَ الشِّبعُ؛ لأنه إذا اقتَصرَ على سَدِّ الرَّمقِ عادَتِ الضَّرورةُ إليه عن قُربٍ، ولا يَتمكنُ مِنْ البُعدِ عن المَيتةِ مَخافةَ الضَّرورةِ المُستقبَلةِ ويُفضِي إلى ضَعفِ بَدنِه، ورُبما أدَّى ذلكَ إلى تَلفِه، بخِلافِ التي ليسَتْ مُستمرةً؛ فإنه يَرجُو الغِنى عنها بما يَحلُّ له، واللهُ أعلَمُ.

إذا ثبَتَ هذا فإنَّ الضَّرورةَ المُبيحةَ هي التي يَخافُ التَّلفَ بها إنْ ترَكَ الأكلَ، قالَ أحمَدُ: إذا كانَ يَخشَى على نَفسِه، سَواءٌ كانَ مِنْ جُوعٍ، أو يَخافُ إنْ ترَكَ الأكلَ عجَزَ عن المَشيِ وانقَطعَ عن الرِّفقةِ فهلَكَ، أو يَعجزُ عن الرُّكوبِ فيَهلكَ، ولا يَتقيَّدُ ذلكَ بزَمنٍ مَحصورٍ.

فَصلٌ: وهل يَجبُ الأكلُ مِنْ المَتيةِ على المُضطرِّ؟ فيهِ وَجهانِ:

أحَدُهما: يَجبُ، وهو قَولُ مَسروقٍ وأحَدُ الوَجهينِ لأصحابِ الشافِعيِّ، قالَ الأثرَمُ: سُئلَ أبو عَبدِ اللهِ عن المُضطرِّ يَجدُ المَيتةَ ولم يَأكلْ، فذكَرَ قَولَ مَسروقٍ: «مَنْ اضطُرَّ فلمْ يَأكلْ ولم يُشربْ فماتَ دخَلَ النارَ»، وهذا اختِيارُ ابنِ حامِدٍ؛ وذلكَ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وتَركُ الأكلِ مع إمكانِه في هذا الحالِ إلقاءٌ بيَدِه إلى التَّهلكةِ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)[النساء: ٢٩]، ولأنه قادِرٌ على إحياءِ نَفسِه بما أحَلَّه اللهُ له، فلَزمَه كما لو كانَ معه طَعامٌ حَلالٌ.

والثاني: لا يَلزمُه؛ لِما رُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ حُذافةَ السَّهميِ صاحبِ رَسولِ اللهِ «أنَّ طاغِيةَ الرُّومِ حبَسَه في بيتٍ وجعَلَ معَه خَمرًا مَمزوجًا بماءٍ ولَحمَ خِنزيرٍ مَشويٍّ ثَلاثةَ إيامٍ فلمْ يَأكلْ ولم يَشربْ، حتَّى مالَ رَأسُه مِنْ الجُوعِ والعَطشِ وخَشَوا مَوتَه، فأخرَجُوهُ فقالَ: قد كانَ اللهُ أحَلَّه لي؛ لأني مُضطرٌّ، ولكنْ لم أكُنْ لِأشمِّتَكَ بدِينِ الإسلامِ»، ولأنَّ إباحةَ الأكلِ رُخصةٌ، فلا تَجبُ عليهِ كسائرِ الرُّخصِ، ولأنَّ له غَرضًا في اجتِنابِ النَّجاسةِ والأخذِ بالعَزيمةِ، ورُبما لم تَطبْ نَفسُه بتَناولِ المَيتةِ، وفارَقَ الحَلالَ في الأصلِ مِنْ هذهِ الوُجوهِ.

فصلٌ: وتُباحُ المُحرَّماتُ عندَ الاضطِرارِ إليها في الحَضرِ والسفرِ جَميعًا؛ لأنَّ الآيةَ مُطلَقةٌ غيرُ مُقيَّدةٍ بإحدَى الحالتَينِ، وقولُه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣] لفظٌ عامٌّ في حقِّ كلِّ مُضطرٍّ، ولأنَّ الاضطِرارَ يَكونُ في الحَضرِ في سَنةِ المَجاعةِ، وسَببُ الإباحةِ الحاجَةُ إلى حِفظِ النَّفسِ عن الهَلاكِ؛ لكَونِ هذهِ المَصلحةِ أعظَمَ مِنْ مَصلحةِ اجتِنابِ النَّجاساتِ والصِّيانةِ عن تَناولِ المُستخبَثاتِ، وهذا المعنَى عامٌّ في الحالتَينِ (١).

(١) «المغني» (٩/ ٣٣٠، ٣٣١).

كتاب الجهاد

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأطعمة
باب ما لا يحل أكله وما يجوز للمضطر من الميتة من غير كتاب

بَابُ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ مِنَ الْمَيْتَةِ مِنْ غَيْرِ كتابٍ

(مَسْأَلَةٌ:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ زيتٍ مَاتَتْ فِيهِ فأرةٌ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ. فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْهَا، فَقَالَ: " أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ " . فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ وَارِدًا فِي السَّمْنِ إِذَا كَانَ جَامِدًا؛ لِأَنَّ إِلْقَاءَ مَا حَوْلَهَا لَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ ذَائِبًا.

وَرَوَى الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنِ السَّمْنِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ، فَقَالَ: " إِنْ كَانَ جَامِدًا، فَأَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَأَرِيقُوهُ " .

وَهَذَا الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ.

فَإِذَا مَاتَتْ فَأْرَةٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنَ الْحَيَوَانِ فِي سَمْنٍ أَوْ غَيْرِهِ مَنْ دُهْنٍ أَوْ دِبْسٍ أَوْ لَبَنٍ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَامِدًا، أَوْ مَائِعًا.

فَإِنْ كَانَ جَامِدًا نَجُسَ بِمَوْتِ الْفَأْرَةِ. مَا حَوْلَهَا مِنَ السَّمْنِ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ لَاقَتْ مَحَلًّا رَطْبًا، فَنَجِسَ بِهَا كَمَا يَنْجُسُ الثَّوْبُ الرَّطْبُ إِذَا لَاقَى نَجِسًا يَابِسًا، وَكَانَ مَا جَاوَزَ مَا حَوْلَ الْمُلَاقِي لِلْفَأْرَةِ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ جُمُودَهُ يَمْنَعُ مِنِ امْتِزَاجِهِ بِالنَّجِسِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 3 - 799

ارجع إلى ما اختلف الفقهاء فيه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل