الإسلام > الأطعمة والصيد > ما اختلف الفقهاء فيه > أكل الكلب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةفقامَ عليهِم سائِلٌ، فأرادَتْ عائِشةُ أنْ تُعطيَه، فقالَ لها النبيُّ ﷺ: أتُعطينَه ما لا تَأكُلينَ؟!» (١).
ففِي حَديثِ عائِشةَ يبينُ أنَّ امتِناعَ رَسولِ اللهِ ﷺ عن أكلِه لحُرمتِه، لا لأنه كانَ يَعافُه، ألَا ترَى أنه نَهاها عن التصدُّقِ به، ولو لم يَكنْ كَراهيةُ الأكلِ للحُرمةِ لَأمرَها بالتَّصدقِ به كما أمَرَها به في شاةِ الأنصارِيِّ بقَولِه: «أَطعِمُوها الأسارَى».
والحَديثُ الذي فيه دَليلُ الإباحةِ مَحمولٌ على أنهُ كانَ قبلَ ثُبوتِ الحُرمةِ.
ثمَّ الأصلُّ أنه متَى تَعارَضَ الدَّليلانِ أحَدُهما يُوجِبُ الحَظرَ والآخَرُ يُوجبُ الإباحةَ يغلبُ المُوجِبُ للحَظرِ (٢).
أكلُ الكَلبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أكلِ الكَلبِ، هل هو جائزٌ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى حُرمةِ أكلِ الكَلبِ؛ لأنه ذو نابٍ مِنْ السِّباعِ، وهو داخِلٌ في الأحاديثِ التي نهَى فيها عن
(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٤٣٤٥) بإسناد ضعيف قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَبٌّ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أُطْعِمُهُ السُّؤَالَ؟ قَالَ: «لَا تُطْعِمِي السُّؤَالَ مَا لَا تَأْكُلِينَ مِنْهُ».
(٢) «أحكام القرآن» (٤/ ١٨٩)، و «المبسوط» (١١/ ٣٢١)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٨)، و «اللباب» (٢/ ٣٦٦).
أكَلَ كلَّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، ومنها ما رَواهُ الشَّيخانِ عن أبي ثَعلبةَ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نهَى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ» (١).
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قالَ: «كلُّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ فأَكلُه حَرامٌ» (٢).
وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ وعن كلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ» (٣). (٤).
وأما المالِكيةُ فذَهَبوا في المُعتمدِ عندَهم إلى أنه مَكروهٌ وليسَ بحَرامٍ.
قالَ الإمامُ الخرشِيُّ رحمة الله عليه: ومَذهبُ «المُدوَّنة» كَراهةُ أكلِ كَلبِ غيرِ الماءِ (٥).
وقالَ الدِّرديرُ: والمُعتمَدُ أنَّ الكَلبَ الإنسِيَّ مَكروهٌ، وقيلَ: حَرامٌ، ولم يَرِدْ قَولٌ بإباحتِه.
قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: قولُه: (وقيلَ: حَرامٌ): الذي حَصلَه ح في الكَلبِ قَولانِ: الحُرمةُ والكَراهةُ، وصحَّحَ ابنُ عَبدِ البَرِّ التَّحريمَ، قالَ الحَطابُ، ولم أرَ في المَذهبِ مَنْ نقَلَ إباحةَ أكلِ الكِلابِ. اه
(١) أخرجه البخاري (٥٢١٠)، ومسلم (١٩٣٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٣٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٩٣٤).
(٤) «الاختيار» (٥/ ١٦)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٧)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٧٢٣)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٥٤٨)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١٦٤)، و «المغني» (٩/ ٣٢٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٦١)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٧٤).
(٥) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣١).
لكنْ نقَلَ قبلَه القَولَ بإباحتِه، واعتَرضَه فانظُرْه. اه بن (١).
قالَ أبو عُمرَ: لا أعلَمُ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ خِلافًا أنَّ القِردَ لا يُؤكلُ ولا يَجوزُ بَيعُه؛ لأنه ممَّا لا مَنفعةَ فيه، وما عَلِمْنا أحَدًا أرخَصَ في أكلِه، والكَلبُ والفيلُ وذو النابِ كلُّه عندِي مِثلُه، والحُجةُ في قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لا في قَولِ غيرِه، وما يَحتاجُ القِردُ ومِثلُه أنْ يَنهَى عنه؛ لأنه يُنهِي عن نَفسِه بزَجرِ الطِّباعِ والنُّفوسِ لنا عنهُ، ولم يَبلُغْنا عن العَربِ ولا عن غيرِهم أكلُه، وقد زعَمَ ناسٌ أنه لم يَكنْ في العَربِ مَنْ يَأكلُ الكَلبَ الأقومَ، منهُم نَفرٌ مِنْ فَقعسَ، وفي أحَدِهم قالَ الشاعِرُ الأسديُّ:
يا فَقعَسيُّ لِمَ أكَلتَهُ لِمَهْ
لو خافَكَ اللهُ عليهِ حرَّمَهْ
فمَا أكَلْتَ لحَمَه ولا دَمَهْ
قالَ أبو عُمرَ: يَعني قولُه: «لو خافَكَ اللهُ عليهِ حرَّمَه» أي أنَّ الكَلبَ عندَه كانَ ممَّا لا يَأكلُه أحَدٌ ولا يَخافُ أحَدًا على أكلِه إلا المُضطرَّ، واللهُ ﷿ لا يَخافُ أحَدًا على شَيءٍ ولا على غَيرِ شَيءٍ، ولا يَلحقُه الخَوفُ جَلَّ وتعالَى عن ذلكَ، وأظُنَّ الشِّعرَ لأعرابِيٍّ لا يَقفُ على مثلِ هذا مِنْ المعنَى، واللهُ أعلَمُ.
حدَّثَنا أحمَدُ بنُ عبدِ اللهِ قالَ: حدَّثَني أبي قالَ: حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يُونسَ قالَ: حدَّثَنا بَقيُّ بنُ مَخلدٍ قالَ: حدَّثَنا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيبةَ قالَ: حدَّثَنا
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٨٢)، و «حاشية الصاوي» (٤/ ١٥١).
ارجع إلى ما اختلف الفقهاء فيه للاطلاع على جميع المسائل.