أكل الضبع والثعلب

الإسلام > الأطعمة والصيد > ما اختلف الفقهاء فيه > أكل الضبع والثعلب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

أكل الضبع والثعلب - الأقوال والأدلة

وما سِوى ذلكَ مِنْ المُستوحشِ مِنْ البَهائمِ والطُّيورِ فهو حَلالٌ كالظَّبيِ وبَقرِ الوَحشِ وحُمرِ الوَحشِ والإبلِ ونَحوِها.

ومِن الطُّيورِ الحَمامُ والعُصفورُ والعقعقُ وغُرابُ الزَّرعِ الذي يَأكلُ الزَّرعَ ولا يَأكلُ الجِيفَ ونَحوَها، إلا أنه يُكرهُ أكلُ الغُرابِ الأبقَعِ والغُرابِ الأسوَدِ الذي يَأكلُ الجِيفَ (١).

أكلُ الضَّبعِ والثَّعلبِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ الذين قالَوا بتَحريمِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، هل يَشملُ هذا الضَّبعَ والثَّعلبَ أم لا؟

فذهَبَ الشافِعيةُ -والحَنابلةُ في المَذهبِ في الضَّبعِ- وهو قَولُ المالِكيةِ كما تَقدَّمَ- إلى أنه لا يَحرمُ الضَّبعُ، وكذا الثعلبُ.

قالَ الشافِعيةُ: المُحرَّمُ مِنْ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ ما كانَ يَعدُو على الناسِ ويَفترسُ، مثلُ الأسَدِ والذِّئبِ والنَّمرِ والكَلبِ العادِي وشَبهِه ممَّا في طَبعِه في الأغلَبِ أنْ يَعدُو، وما لم يَكنْ يَعدُو فلمْ يَدخلْ في النَّهيِ، فلا بأسَ بأكلِه كالضَّبعِ والثعلبِ.

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ١٩٢، ١٩٣)، و «المبسوط» (١١/ ٢٢٠، ٢٢٥)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ٦٥)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٩)، و «الاختيار» (٥/ ١٦)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٦، ٤٦٧)، و «اللباب» (٢/ ٣٦٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٣٥)، و «شرح صحيح البخاري» (٥/ ٤٣٧، ٣٤٨)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٣٧، ١٣٨)، و «المغني» (٩/ ٣٢٦، ٣٢٧).

لِما رواه عَبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي عمَّارٍ قالَ: «سَألتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الضَّبُعِ أصَيدٌ هوَ؟ قالَ: نَعمْ، قلتُ: آكُلُها؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: أشَيءٌ سَمعتَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ؟ قالَ: نعمْ» (١).

وهذا نَصٌّ، وقد ورَدَ عن الصَّحابةِ فيه ما صارَ في الحُجةِ كالإجماعِ، فرُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنهما قالَا: «الضَّبعُ حَلالٌ»، وقالَ أبو هُريرةَ رضي الله عنه: «الضَّبعُ شاةٌ مِنْ الضَّأنِ»، وقالَ أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رضي الله عنه: «الضَّبعُ أحَبُّ إليَّ مِنْ دَجاجةٍ سَمينةٍ»، وقدِ انتَشرَ هذا عنهُم ولم يَظهرْ مُخالِفٌ لهُم، فكانَ مُتردِّدًا بينَ أنْ يكونَ إجماعًا أو حُجةً في كُلِّ واحِدٍ منهُما دَليلٌ، ولأنه حَيوانٌ لا يَنجسُ بالذَّبحِ، فوجَبَ أنْ يَحلَّ أكلُه كالنَّعَمِ (٢).

وذهَبَ الحَنفيةُ -والحَنابلةُ في قَولٍ- إلى أنَّ الضَّبعَ سَبعٌ ذو نابٍ، وكذا الثَّعلبُ في الأصَحِّ عندَ الحَنابلةِ، فيَدخلُ تحتَ الأحاديثِ المَشهورةِ، منها ما رَواهُ الشَّيخانِ عن أبي ثَعلبةَ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ نَهى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ» (٣).

وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ قالَ: «كلُّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ فأكلُه حَرامٌ» (٤).

(١) صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٣٢٣٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٣٦٩٥).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٣٧، ١٣٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣١١)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٣١٠).
(٣) أخرجه البخاري (٥٢١٠)، و «مسلم» (١٩٣٢).
(٤) أخرجه مسلم (١٩٣٣).

وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «نَهى رَسولُ اللهِ عن كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ وعن كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ» (١).

وما رُويَ ليسَ بمَشهورٍ، فالعَملُ بالمَشهورِ أَولى، على أنَّ ما روينَا مُحرِّمٌ، وما رَواهُ مُحلِّلٌ، والمُحرِّمُ يَقضِي على المُبيحِ احتِياطًا (٢).

ومالَ ابنُ القَيِّمِ لمَذهبِ الشافِعيِّ في الضَّبعِ، فقالَ رحمة الله عليه: الفَرقُ بينَ الضَّبعِ وغيرِه مِنْ كلِّ ذِي نابٍ يُوافقُ القِياسَ.

وأمَّا قولُهم: «وحرَّمَ كلَّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وأباحَ الضَّبعَ ولها نابٌ» فلا رَيبَ أنه حَرَّمَ كلَّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وإنْ كانَ بعضُ العُلماءِ خَفيَ عليهِ تَحريمُه فقالَ بمَبلغِ عِلمِه: «وأما الضَّبعُ فرُويَ عنهُ فيها حَديثٌ صحَّحَه كثيرٌ مِنْ أهلِ العِلمِ بالحَديثِ»، فذَهَبوا إليهِ وجَعَلوهُ مُخصِّصًا لعُمومِ أحاديثِ التَّحريمِ، كما خصَّتِ العَرايَا لأحاديثِ المُزابَنةِ، وطائِفةٌ لم تُصحِّحْه وحَرَّموا الضَّبعَ؛ لأنها مِنْ جُملةِ ذاتِ الأنيابِ، وقالَوا: «وقد تَواترَتِ الآثارُ عن النبيِّ بالنهيِ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وصحَّتْ صِحَّةً لا مَطعنَ فيها، مِنْ حَديثِ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وأبي ثَعلبةَ الخُشنيِّ».

(١) أخرجه مسلم (١٩٣٤).
(٢) «المبسوط» (١١/ ٢٢٥)، و «أحكام القرآن» (٤/ ١٨٩)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ٦٥)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٩)، و «الاختيار» (٥/ ١٦)، و «العناية شرح الهداية» (١٤/ ١٥٦)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٨)، و «اللباب» (٢/ ٣٦٦)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٣٥)، و «المغني» (٩/ ٣٢٦، ٣٢٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٧٤).

قالُوا: وأما حَديثُ الضَّبعُ فتَفرَّدَ به عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي عمارةَ، وأحادِيثُ تَحريمِ ذَواتِ الأنيابِ كلُّها تُخالِفُه، قالَوا: ولَفظُ الحَديثِ يَحتملُ مَعنيَينِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ جابرٌ رفَعَ الأكلَ إلى النبيِّ ، وأنْ يَكونَ إنما رفَعَ إليه كَونَها صَيدًا فقطْ، ولا يَلزمُ مِنْ كَونِها صَيدًا جَوازُ أكلِها، فظَنَّ جابرٌ أنَّ كونَها صَيدًا يَدلُّ على أكلِها، فأفتَى به مِنْ قَولِه ورفَعَ إلى النبيَّ ما سَمِعَه مِنْ كَونِها صَيدًا.

ونَحنُ نَذكرُ لفْظَ الحَديثِ ليَتبيَّنَ ما ذكَرْناهُ، فرَوى التِّرمذيُّ في جَامعِه مِنْ حَديثِ عُبيدِ بنِ عُميرٍ اللَّيثيِّ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي عمارةَ قالَ: «قلتُ لجابرِ بنِ عَبدِ اللهِ: آكُلُ الضَّبعَ؟ قالَ: نَعمْ، قلتُ: أصَيدٌ هيَ؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: أسَمعْتَ ذلكَ مِنْ رَسولِ اللهِ ؟ قالَ: نَعمْ» قالَ التِّرمذيُّ: سَألتُ مُحمدَ بنَ إسماعِيلَ عن هذا الحَديثِ فقالَ: هو صَحيحٌ، وهذا يَحتملُ أنَّ المَرفوعَ منهُ هو كَونُها صَيدًا، ويَدلُّ على ذلكَ أنَّ جَريرَ بنَ حازمٍ قالَ: عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ عن ابنِ أبي عمارةَ عن جابرٍ عن رَسولِ اللهِ «أنه سُئلَ عن الضبُعِ فقالَ: هي صَيدٌ وفيها كَبشٌ»، قالَوا: وكذلكَ حَديثُ إبراهيمَ الصائغِ عن عَطاءٍ عن جابرٍ يَرفعُه: «الضَّبعُ صَيدٌ، فإذا أصابَه المُحرِمُ ففيهِ جَزاءٌ كَبشٌ مُسِنُّ، ويُؤكلُ»، قالَ الحاكِمُ: حَديثٌ صَحيحٌ، وقولُه: «ويُؤكلُ» يَحتملُ الوَقفَ والرَّفعَ، وإذا احتَملَ ذلكَ لم تُعارَضْ به الأحاديثُ الصَّحيحةُ الصَّريحةُ التي تَبلغُ مَبلغَ التَّواترِ في التَّحريمِ.

قالُوا: ولو كانَ حَديثُ جابرٍ صَريحًا في الإباحةِ لَكانَ فَردًا، وأحاديثُ تَحريمِ ذَواتِ الأنيابِ مُستفيضةٌ مُتعدِّدةٌ، ادَّعى الطَّحاويُّ وغيرُه تَواترَها، فلا يُقدَّمُ حَديثُ جابرٍ عليهَا.

قالُوا: والضَّبعُ مِنْ أخبَثِ الحَيوانِ وأشرَهِه، وهو مُغرًى بأكلِ لُحومِ الناسِ ونَبشِ قُبورِ الأمواتِ وإخراجِهِم وأكلِهِم، ويَأكلُ الجِيَفَ ويَكسرُ بنابِه، قالَوا: واللهُ سُبحانَه قد حرَّمَ علينا الخَبائثَ، وحرَّمَ رَسولُ اللهِ ذَواتَ الأنيابِ، والضَّبعُ لا يَخرجُ عن هذا وهذا.

وقالُوا: وغايةُ حَديثِ جابرٍ يَدلُّ على أنها صَيدٌ يُفدَى في الإحرامِ، ولا يَلزمُ مِنْ ذلكَ أكلُها، وقد قالَ بَكرُ بنُ مُحمدٍ: سُئلَ أبو عبدُ اللهِ -يعنِي الإمامَ أحمَدَ- عن مُحرِمٍ قتَلَ ثَعلبًا فقالَ: عليهِ الجَزاءُ، هي صَيدٌ، ولكنْ لا يُؤكلُ، وقالَ جَعفرُ بنُ مُحمدٍ: سَمِعتُ أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن الثَّعلبِ فقالَ: الثعلبُ سَبُعٌ، فقدْ نَصَّ على أنه سَبعٌ وأنه يُفدَى في الإحرامِ، ولمَّا جعَلَ النبيُّ في الضَّبعَ كَبشًا ظَنَّ جابرٌ أنه يُؤكلُ فأفتَى بهِ.

والذينَ صَحَّحوا الحَديثَ جَعَلوهُ مُخصِّصًا لعُمومِ تَحريمِ ذي النابِ مِنْ غيرِ فَرقٍ بينَهُما، حتى قالُوا: «ويَحرمُ أكلُ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ إلا الضَّبعَ»، وهذا لا يَقعُ مِثلُه في الشَّريعةِ، أنْ يُخصِّصَ مِثلًا على مِثلٍ مِنْ كلِّ وجهِ مِنْ غَيرِ فُرقانٍ بينَهُما.

وبحَمدِ اللهِ إلى ساعَتِي هذهِ ما رَأيتُ في الشَّريعةِ مَسألةً واحِدةً كذلكَ -أعنِي شَريعةَ التَّنزيلِ، لا شَريعةَ التأويلِ-، ومَن تأمَّلَ ألفاظَه

الكَريمةَ تبيَّنَ له اندِفاعُ هذا السُّؤالِ؛ فإنه إنما حرَّمَ ما اشتَملَ على الوَصفينِ: أنْ يَكونَ له نابٌ، وأنْ يكونَ مِنْ السِّباعِ العادِيَةِ بطَبعِها كالأسَدِ والذِّئبِ والنَّمرِ والفَهدِ، وأما الضَّبعُ فإنَّما فيها أحَدُ الوَصفينِ: وهو كَونُها ذاتُ نابٍ، وليسَتْ مِنْ السِّباعِ العاديَةِ، ولا رَيبَ أنَّ السِّباعَ أخَصُّ مِنْ ذَواتِ الأنيابِ، والسَّبعُ إنما حُرِّمَ لِما فيه مِنْ القُوةِ السَّبُعيةِ التي تُورثُ المُغتذِّي بها شبَهَها؛ فإنَّ الغاذِيَ شَبيهٌ بالمُغتذِّي، ولا رَيبَ أنَّ القُوةَ السبُعيةَ التي في الذِّئبِ والأسَدِ والنَّمرِ والفَهدِ ليسَتْ في الضَّبعُ حتى تَجبَ التَّسويةُ بينَهُما في التَّحريمِ، ولا تُعَدُّ الضبعُ مِنْ السِّباعِ لُغةً ولا عُرفًا، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في الضَّبعِ والثَّعلبِ:

فقالَ أبو حَنيفةَ لا يَحلُّ أكلُهُما، وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ: هُما مُباحانِ.

وقالَ أحمَدُ: الضَّبعُ مُباحٌ رِوايةً واحِدةً.

وفي الثَّعلبِ رِوايتانِ: إحداهُما: تَحريمُه، وهيَ التي اختارَها الخَلَّالُ، والأُخرى: إباحَتُه، وهيَ اختِيارُ عبدِ العَزيزِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما المُحرَّماتُ لعَينِها المُختلَفُ فيها فأربَعةٌ: أحَدُها: لُحومُ السِّباعِ مِنْ الطَّيرِ ومِن ذَواتِ الأربَعِ …

فرَوى ابنُ القاسِمِ عن مالكٍ أنها مَكروهةٌ، وعلى هذا القَولِ عوَّلَ جُمهورُ أصحابِه، وهو المَنصورُ عِندَهم، وذكَرَ مالكٌ في «المُوطَّأ» ما

(١) «إعلام الموقعين» (٢/ ١٣٤، ١٣٦).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٣٥٤).

دَليلُه أنها عندَه مُحرَّمةٌ؛ وذلكَ أنه قالَ بعَقبِ حَديثِ أبي هُريرةَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه قالَ: «أكلُ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ حَرامٌ»: وعلى ذلكَ الأمرُ عندَنا، وإلى تَحريمِها ذهَبَ الشافِعيُّ وأشهَبُ وأصحابُ مالِكٍ وأبو حَنيفةَ.

إلا أنهُم اختَلفُوا في جِنسِ السِّباعِ المُحرَّمةِ:

فقالَ أبو حَنيفةَ: كلُّ ما أكَلَ اللَّحمَ فهو سَبعٌ، حتَّى الفيلُ والضَّبعُ واليَربوعُ عندَه مِنْ السِّباعِ، وكذلكَ السُّنورُ.

وقالَ الشافِعيُّ: يُؤكلُ الضَّبعُ والثعلبُ، وإنما السِّباعُ المُحرَّمةُ التي تَعدُو على الناسِ كالأسَدِ والنَّمرِ والذِّئبِ.

وكلا القَولينِ في المَذهبِ، وجُمهورُهم على أنَّ القِردَ لا يُؤكلُ ولا يُنتفعُ بهِ، وعندَ الشافِعيِّ أيضًا أنَّ الكَلبَ حَرامٌ لا يُنتفعُ به؛ لأنه فَهِمَ مِنْ النهيِ عن سُؤرِه نَجاسةَ عَينِه.

وسَببُ اختِلافِهم في تَحريمِ لُحومِ السِّباعِ مِنْ ذَواتِ الأربَعِ مُعارَضةُ الكِتابِ للآثارِ؛ وذلكَ أنَّ ظاهِرَ قولِه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة: أنَّ ما عَدَا المَذكورَ في هذهِ الآيةِ حَلالٌ.

وظاهِرُ حَديثِ أبي ثَعلبةَ الخُشنيِّ أنه قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ عن أكلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ» أنَّ السِّباعَ مُحرَّمةٌ، هكذا رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ.

وأما مالِكٌ فما رَواهُ في هذا المَعنى مِنْ طَريقِ أبي هُريرةَ هو أبيَنُ في المُعارَضةِ، وهو أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «أكلُ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ حَرامٌ»، وذلكَ أنَّ الحَديثَ الأولَ قد يُمكِنُ الجَمعُ بينَه وبينَ الآيةِ بأن يُحمَلَ النهيُ المَذكورُ فيه على الكَراهيةِ.

وأما حَديثُ أبي هُريرةَ فليسَ يُمكِنُ الجَمعُ بينَه وبينَ الآيةِ، إلا أنْ يُعتقدَ أنه ناسِخٌ للآيةِ عندَ مَنْ رَأى أنَّ الزِّيادةَ نَسخٌ وأنَّ القُرآنَ يُنسَخُ بالسُّنةِ المُتواتِرةِ.

فمَن جمَعَ بينَ حَديثِ أبي ثَعلبةَ والآيَةِ حمَلَ حَديثَ لُحومَ السِّباعِ على الكَراهيةِ.

ومَن رَأى أنَّ حَديثَ أبي هُريرةَ يَتضمَّنُ زِيادةً على ما في الآيَةِ حرَّمَ لُحومَ السِّباعِ.

ومَن اعتَقدَ أنَّ الضَّبعَ والثعلبَ مُحرَّمانٍ فاستِدلالًا بعُمومِ لَفظِ السِّباعِ.

ومَن خصَّصَ مِنْ ذلكَ العاديَةَ فمَصيرًا لِما رَوى عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمَّارٍ قالَ: «سَألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ عن الضبُعِ آكلُها؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: أصَيدٌ هيَ؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: فأنتَ سَمِعتَ ذلكَ مِنْ رَسولِ اللهِ ؟ قالَ: نعَمْ»، وهَذا الحَديثُ وإنْ كانَ انفَردَ به عَبدُ الرَّحمنِ فهو ثِقةٌ عندَ جَماعةِ أئمَّةِ الحَديثِ، ولِما ثبَتَ مِنْ إقرارِه عليه الصلاة والسلام على أكلِ الضَّبِّ بينَ يَديهِ (١).

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٤٢، ٣٤٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الذبائح والصيود
فصل في بيان ما يكره من الحيوانات

كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُونَ لُحُومَ الْخَيْلِ فِي مَغَازِيهِمْ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَهَا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ كَمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ رحمة الله عليه ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا عَمَلًا بِالدَّلِيلِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ أَوْ يَتَرَجَّحُ الْحَاظِرُ عَلَى الْمُبِيحِ احْتِيَاطًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا حُجَجُ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُ لَحْمِ الْخَيْلِ.

(وَأَمَّا) عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ وَلَمْ يُطْلَقْ التَّحْرِيمُ لِاخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي الْبَابِ وَاخْتِلَافِ السَّلَفِ فَكُرِهَ أَكْلُ لَحْمِهِ احْتِيَاطًا لِبَابِ الْحُرْمَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 747 - 754

ارجع إلى ما اختلف الفقهاء فيه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده