أكل الحشرات والحيات

الإسلام > الأطعمة والصيد > ما اختلف الفقهاء فيه > أكل الحشرات والحيات

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

أكل الحشرات والحيات - الأقوال والأدلة

أكلُ الحَشراتِ والحَيَّاتِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ حَشراتِ الأرضِ والحيَّاتِ، هل يَجوزُ أكلُها أم لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ إلى حِلِّ أكلِ الحَشراتِ والحيَّاتِ؛ لِما رَوى مِلْقَامُ بنُ تَلِبٍ عن أبيهِ قالَ: «صَحِبتُ النبيَّ فلمْ أسمَعْ لحَشرةِ الأرضِ تَحريمًا» (١).

جاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: (قُلتُ) له: فهلْ كانَ يُوسعُ في أكلِ الحيَّاتِ والعَقاربِ؟ (قالَ): لم يَكنْ يَرَى بأكلِ الحيَّاتِ بأسًا، وقالَ: لا يُؤكلُ منها إلا الذَّكيُّ، (قالَ): ولا أحفَظُ في العَقربِ مِنْ قَولِه شَيئًا، ولا أَرَى به بأسًا (٢).

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وجائزٌ عندَ مالِكٍ أكلُ الحيَّاتِ إذا ذُكِّيَتْ، وكذلكَ الأفاعِي والعظايةُ والقُنفذُ والضُّفدعُ (٣).

وقالَ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وجائِزٌ عندَه -أي مالِكٍ- أكلُ الحيَّاتِ إذا ذُكِّيتْ، وهو قَولُ ابنِ أبي ليلَى والأوزاعِيِّ، وكذلكَ الأفاعِي والعَقاربُ والفَأرُ والعظايةُ والقُنفذُ والضُّفدعُ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: ولا بأسَ بأكلِ خَشاشِ الأرضِ وعَقاربِها ودُودِها في قَولِ مالِكٍ؛ لأنه قالَ: مَوتُه في الماءِ لا يُفسِدُه، وقالَ مالِكٌ: لا بأسَ بأكلِ فِراخِ النَّحلِ ودُودِ الجُبنِ والتَّمرِ ونَحوِه.

(١) رواه أبو داود (٣٧٩٨).
(٢) «المدونة الكبرى» (٢/ ٤٤٣).
(٣) «الكافي» (١/ ١٨٦).

والحُجةُ له حَديثُ مِلقامِ بنِ تَلبٍ وقَولُ ابنِ عبَّاسٍ وأبِي الدَّرداءِ: «ما أحَلَّ اللهُ فهو حَلالٌ، وما حرَّمَ فهو حَرامٌ، وما سكَتَ عنه فهو عَفوٌ»، وقالَتْ عائِشةُ في الفَأرةِ: «ما هي بحَرامٍ، وقَرَأتْ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]» (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى حُرمةِ أكلِ الحَشراتِ والحيَّاتِ، فلا يَحلُّ أكلُ حَشراتِ الأرضِ كالحيَّاتِ والعَقاربِ والفَأرِ والخَنافسِ والعِظاءِ والصراصرِ والعَناكبِ والوَزغِ وسامَ أبرَصَ والجُعلانِ والدِّيدانِ وبَناتِ وَردانَ وحِمارِ قبَّانَ؛ لقوله ﷿ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٢).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فَرعٌ في مَذاهبِ العُلماءِ في حَشراتِ الأرضِ كالحيَّاتِ والعَقاربِ والجُعلانِ وبَناتِ وَردانَ والفَأرةِ ونَحوِها: مَذهبُنا أنها حَرامٌ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ وداودُ.

وقالَ مالِكٌ: حَلالٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، وبحَديثِ التَّلِبِ -بتَاءٍ مُثنَّاةٍ فَوقُ مَفتوحةٍ، ثمَّ لامٍ مَكسورةٍ، ثم باءٍ مُوحَّدةٍ، الصَّحابيُّ

(١) «تفسير القرطبي» (٧/ ١٢٠، ١٢١).
(٢) «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ١٩١)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٨، ٤٦٩)، و «اللباب» (٢/ ٣٦٦)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٣٥، ١٤٠)، و «المهذب» (١/ ٢٤٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣١٣)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٧٦).

رضي الله عنه قالَ: «صَحِبتُ النبيَّ فلمْ أسمَعْ لحَشرةِ الأرضِ تَحريمًا» رواهُ أبو داودَ.

واحتَجَّ الشافِعيُّ والأصحابُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهذا ممَّا يَستخبثُه العَربُ، وبقَولِه : «خَمسٌ مِنْ الدَّوابِّ كُلُّهنَّ فاسِقٌ يُقتلْنَ في الحَرمِ: الغُرابُ والحِدأةُ والعَقربُ والفَأرةُ والكَلبُ العَقورُ»، رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ مِنْ رِوايةِ عائِشةَ وحَفصةَ وابنِ عُمرَ.

وعن أمِّ شَريكٍ «أنَّ النبيَّ أمَرَ بقَتلِ الأَوزاغِ» رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ.

وأما قَولُه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، فقالَ الشافِعيُّ وغَيرُه مِنْ العُلماءِ: مَعناهَا: ممَّا كُنْتُمْ تَأكلونَ وتَستطيبونَ، قالَ الشافِعيُّ: وهذا أَولى مَعانِي الآيَةِ استِدلالًا بالسُّنةِ، واللهُ أعلَمُ.

وأما حَديثُ التَّلبِ فإنْ ثبَتَ لم يَكنْ فيه دَليلٌ؛ لأنَّ قَولَه: «لم أسمَعَ» لا يَدلُّ على عَدمِ سَماعِ غيرِه، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ حَشراتِ الأرضِ مُحرَّمةٌ، إلا مالِكًا فإنه كَرِهَها مِنْ غَيرِ تَحريمٍ في إحدَى الرِّوايتينِ، وفي الأُخرى قالَ: هي حَرامٌ (٢).

(١) «المجموع شرح المهذب» (٩/ ١٦).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٣٥٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأطعمة
باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب من معاني الرسالة ومعان أعرف له وغير ذلك

وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونُوا فِي زَمَانِ الْخِصْبِ وَالسَّعَةِ.

فَإِذَا تَكَامَلَتْ فِي قَوْمٍ اسْتَطَابُوا أَكْلَ شَيْءٍ كَانَ حَلَالًا مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهِ، وَإِنِ اسْتَخْبَثُوا أَكْلَ شَيْءٍ كَانَ حَرَامًا مَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِتَحْلِيلِهِ.

(فَصْلٌ:)

فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْأَصْلُ الْمُعْتَبَرُ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى اسْتَطَابَتِهِ، فَيَكُونُ حَلَالًا.

وَالثَّانِي: أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى اسْتِخْبَاثِهِ فَيَكُونُ حَرَامًا.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَطِيبَهُ بَعْضُهُمْ وَيَسْتَخْبِثَهُ بَعْضُهُمْ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَكْثَرُهُمْ، فَإِنِ اسْتَطَابَهُ الْأَكْثَرُونَ كَانَ حَلَالًا، وَلَمْ يَكُنْ لِاسْتِخْبَاثِ الْأَقَلِّينَ تَأْثِيرٌ.

وَإِنِ اسْتَخْبَثَهُ الْأَكْثَرُونَ كَانَ حَرَامًا، وَلَمْ يَكُنْ لِاسْتِطَابَةِ الْأَقَلِّينَ تَأْثِيرٌ.

وَإِنْ تَسَاوَى الْفَرِيقَانِ فِي الِاسْتِطَابَةِ وَالِاسْتِخْبَاثِ، وَلَمْ يُفَضَّلْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ اعْتُبِرَتْ قُرَيْشٌ، لِأَنَّهُمْ قُطْبُ الْعَرَبِ وَفِيهِمُ النُّبُوَّةُ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ خُوطِبَ بِالرِّسَالَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْمُسْتَطِيبِينَ حَلَّ، وَإِنْ كَانُوا فِي الْمُسْتَخْبِثِينَ حَرُمَ، وَإِنْ تَسَاوَتْ قُرَيْشٌ فِيهِمُ اعْتُبِرَتْ شِبْهُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَطَابُ أَشْبَهَ حَلَّ.

وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَخْبَثُ أَشْبَهَ حَرُمَ.

وَإِنْ تَسَاوَى الْأَمْرَانِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، مِنَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي أُصُولِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، هَلْ هِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوِ الْحَظْرِ؟

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 770 - 772

ارجع إلى ما اختلف الفقهاء فيه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله