تحريم كل ذي مخلب من الطير

الإسلام > الأطعمة والصيد > ما اختلف الفقهاء فيه > تحريم كل ذي مخلب من الطير

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

تحريم كل ذي مخلب من الطير - الأقوال والأدلة

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا أنواعُ النَّجاساتِ فإنَّ العُلماءَ اتَّفقُوا مِنْ أعيانِها على أربَعةٍ: مَيتةِ الحَيوانِ ذي الدَّمِ الذي ليسَ بمَائيٍّ، وعلى لَحمِ الخِنزيرِ بأيِّ سَببٍ اتَّفقَ أنْ تَذهبَ حَياتُه (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وحُكمُ الخِنزيرِ حُكمُ الكَلبِ؛ لأنَّ النصَّ وقَعَ في الكَلبِ، والخِنزيرُ شَرٌّ منه وأغلَظُ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى نَصَّ على تَحريمِه، وأجمَعَ المُسلمونَ على ذلكَ، وحَرُمَ اقتناؤُه (٢).

تَحريمُ كلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ، هل يَحرمُ أكلُه أم لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه لا يَحرمُ شَيءٌ مِنْ الطَّيرِ، سَواءٌ كانَ مِنْ سِباعِ الطَّيرِ أو لا، سَواءٌ كانَ له نابٌ أم لا.

جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ) لابنِ القاسِمِ: هل كانَ مالِكٌ يَكرهُ أكْلَ كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطيرِ؟ (قالَ): لم يَكنْ مالِكٌ يَكرهُ أكْلَ كلِّ شَيءٍ مِنْ الطَّيرِ، سِباعِها وغيرِ سِباعِها، (قلتُ): والغُرابُ لم يَكنْ مالِكٌ يَرَى به بأسًا؟ (قالَ): نَعمْ، لا بأسَ به عِندَه، (قلتُ): وكذلكَ الهُدهدُ عندَه والخطَّافُ؟ (قالَ): جَميعُ الطَّيرِ كلُّها فلا بأسَ بأكلِها عندَ مالكٍ (٣).

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٥٥).
(٢) «المغني» (١/ ٤٨).
(٣) «المدونة الكبرى» (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣).

وقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في سِباعِ الطَّيرِ، فرَوى ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ أنه قالَ: لم أسمَعْ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ قَديمًا ولا حَديثًا بأرضِنا يَنهَى عن أكلِ كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ، وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: لا يُؤكلُ، ورَوَوا في ذلكَ حَديثَ شُعبةَ عن الحَكمِ عن مَيمونَ بنِ مَهرانَ عن ابنِ عبَّاسٍ عن النبيِّ : «أنه نهَى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ ومِخلبٍ مِنْ الطيرِ»، ودفَعَ أصحابُ مالِكٍ هذا الحَديثَ وقالُوا: لا يَثبتُ، وقد أوقَفَه جَماعةٌ على ابنِ عبَّاسٍ، ولم يَسمعْه منهُ مَيمونُ، وإنما رَواهُ عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عنهُ، وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ خِلافُه وما يَدلُّ على أنه ليسَ عن النبيِّ ، وإنما هو قَولٌ لابنِ عبَّاسٍ ثمَّ رجَعَ عنه، وقد رَوى عَمرُو بنُ دِينارٍ عن أبي الشَّعثاءِ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ: «كانَ أهلُ الجَاهليةِ يَأكلونَ أشياءَ ويَتركونَ أشياءَ تَقذُّرًا، فبعَثَ اللهُ نَبيَّه وأنزَلَ كِتابَه وأحَلَّ حَلالَه، وحرَّمَ حَرامَه، وما سكَتَ عنُه -يَعني لم يَنزلْ فيه شَيءٌ- فهو مَعفوٌّ، وتَلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيتَينِ، فإنْ صَحَّ حَديثُ النهيِ فيَجوزُ أنْ يكونَ نهَى عنها لأنَّ النفسَ تَعافُها؛ لأكلِها الأنجاسَ في الأغلَبِ، واللهُ أعلَمُ (١).

قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: جائِزٌ عندَ مالِكٍ أكلُ الغُرابِ والحِدَأةِ وكلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ، ولم يَصحَّ عندَه في ذلكَ النهيُ الذي رُويَ عن النبيِّ .

(١) «شرح صحيح البخاري» (٥/ ٤٤٠).

وقد صَحَّ عن أبي بَكرٍ الصِّديقِّ أنه قالَ: «كُلِ الطَّيرَ كُلَّه»، وقد ذكَرْنا الخبَرَ عنه في غيرِ هذا المَوضعِ، وهو قَولُ عَطاءٍ وجَماعةٍ مِنْ العُلماءِ.

وذكَرَ ابنُ وَهبٍ عن خالِدِ بنِ حُميدٍ عن عقيلَ عن ابنِ شِهابٍ أنه سَألَه رَجلٌ عن أكلِ البازِي، فأمَرَه بأكلِه.

قالَ ابنُ وَهبٍ: وأخبَرَني الليثُ قالَ: كَتبتُ إلى يَحيَى بنِ سَعيدٍ في لَحمِ الغُرابِ والحِدأةِ والنَّسرِ والصَّقرِ والبازِي والعُقابِ وأشباهِها، هل يُكرهُ أم لا؟ فقالَ يَحيَى بنُ سَعيدٍ: ليسَ يَنبغي أنْ تُحرِّمَ إلا ما حرَّمَ اللهُ ﷿ أو بما تَكلَّمَ رَسولُ اللهِ بالنَّهيِ عنهُ.

قالَ ابنُ وَهبٍ: وسَألتُ مالِكًا عن أكلِ الغُرابِ والحِدأةِ وقُلتُ له: «إنَّ رَسولَ اللهِ سمَّاهُما فاسقَينِ وأمَرَ المُحرِمَ بقَتلِهما» فقالَ: لم أُدرِكْ أحَدًا يَنهَى عن أكلِهِما، قالَ: ولا بأسَ بأَكلِهما (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَحرمُ أكلُ كلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ وغيرُه عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ عن كُلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وعن كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ» (٢).

قالَ الحَنفيةُ: المُستأنسُ مِنْ الطُّيورِ كالدَّجاجِ والبَطِّ والأوزِّ فيَحلُّ بإجماعِ الأمَّةِ.

(١) «الاستذكار» (٤/ ١٥٤، ١٥٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٣٤).

وأما المُستوحشُ منه فيَحرمُ كلُّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكلُّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيورِ، إلا الأرنَبَ خاصَّةً.

وذو المِخلبِ مِنْ الطُّيورِ الصَّقرُ والبازِي والنَّسرُ والعُقابُ والشاهينُ ونحوُها.

وما سِوى ذلكَ مِنْ الطُّيورِ فهو حَلالٌ، كالحَمامِ والعُصفورِ والعَقعقِ وغَرابِ الزَّرعِ الذي يَأكلُ الزَّرعَ ولا يَأكلُ الجِيفَ ونَحوَها، إلا أنه يُكرهُ أكلُ الغُرابِ الأبقَعِ والغُرابِ الأسوَدِ الذي يَأكلُ الجِيفَ (١).

وقالَ الإمامُ النَّووي رحمة الله عليه بعدَ أنْ ذكَرَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: المِخلبُ -بكَسرِ المِيمِ وفَتحِ اللَّامِ- قالَ أهلُ اللُّغةِ: المِخلبُ للطَّيرِ والسِّباعِ بمَنزلةِ الظُّفرِ للإنسانِ في هذهِ الأحاديثِ دَلالةٌ لمَذهبِ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ وداودَ والجُمهورِ أنه يَحرمُ أكلُ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ (٢).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ: (وكذلكَ تَتركُ أكْلَ النَّسرِ والبازِي والصَّقرِ والشاهينِ، وهي ممَّا يَعدُو على حمَامِ الناسِ وطائِرِهم، وكانَتْ تَتركُ ممَّا لا يَعدُو مِنْ الطائرِ الغُرابَ والحِدأةَ والرَّخمةَ والبُغاثةَ).

(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ٦٥)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٩)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٦، ٤٦٨)، و «اللباب» (٢/ ٣٦٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٣٥).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ٨٢)، و «المجموع» (٩/ ١٤، ١٦).

قالَ الماوَرديُّ: قد مَضَى الكَلامُ في البَهائمِ الماشِيةِ مِنْ الوَحشيةِ والإنسِيةِ، فأما الطَّيرُ فضَربانِ:

أحَدُهما: ما فيه عَدوَى على الطَّائرِ بمِخلبِه وافتِراسٌ له بمَنسِرِه كالبازِي والصَّقرِ والشاهينِ والنَّسرِ والحِدأةِ والعُقابِ، فأكلُ جَميعِها حَرامٌ، وأباحَها مالِكٌ ولم يُحرِّمْ مِنْ الطائرِ كلِّه شَيئًا.

ودَليلُنا: رِوايةُ عاصِمِ بنِ ضَمرةَ عن عليٍّ عليه السلام ورِوايةُ سَعيدِ بنِ جُبيرِ عن ابنِ عبَّاسٍ «أنَّ النبيَّ نَهى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ».

ورُويَ عن النبيِّ أنه قالَ: «يُؤكلُ ما دَفَّ ولا يُؤكلُ ما صَفَّ»، يُريدُ: ما حرَّكَ جَناحَه كالحمَامِ وغيرِه يُؤكلُ، وما صَفَّ جَناحَيهِ ولم يُحرِّكْهما كالصُّقورِ والنُّسورِ لا يُؤكلُ، ومنهُ قَولُه تعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [المُلك: ١٩].

والضَّربُ الثاني: ما لا عَدوَى فيه، فتَنقسمُ ثَلاثةَ أقسامٍ:

أحَدُها: ما اغتَذَى بالمَيتةِ والجِيَفِ كالغباثِ والرَّخمِ، فأكلُه حَرامٌ؛ لخُبثِ غِذائِه.

والقِسمُ الثَّاني: ما كانَ مُستخبَثًا كالخَطاطيفِ والخَشاشيفِ، فأكلُه حَرامٌ؛ لخُبثِ لَحمِه.

والقِسمُ الثالِثُ: ما لم يَخبثْ غِذاؤُه ولا لَحمُه كالحُبَارَى والكَروانِ،

فأكلُه حَلالٌ، رَوى سَفينةُ مَولَى رَسولِ اللهِ قالَ: «أكلْتُ مع رَسولِ اللهِ لَحمْ حُبارَى».

ويُقاسُ على أصلِه هذهِ الأقسامِ الثَّلاثةِ ما في نَظائرِها، فمِن ذلكَ الهُدهدُ أكلُه حَرامٌ، وقد ورَدَ الخبَرُ بالنَّهيِ عنه، وكذلكَ الشَّقرانُ والعَقعقُ؛ ولأنها مُستخبَثةٌ عندَ العَربِ.

فأما الغُرابُ فأكلُه حَرامٌ، الأسوَدُ منه والأبقَعُ سَواءٌ،. وحُكيَ عن الشَّعبيِّ أنه أباحَ أكْلَه، وقالَ في دَجاجةٍ: ما أسمَنَها؟

وقالَ آخَرونَ: «يُؤكلُ منه الأسوَدُ دُونَ الأبقَعِ»، وهذا خَطأٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ أباحَ قتْلَه في الحِلِّ والحَرمِ، وقد رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيهِ عن عائِشةَ أنها قالَتْ: «إنِّي لَأعجَبُ ممَّن يَأكلُ الغُرابَ، وقد أَذِنَ النبيُّ في قَتلِه للمُحرِمِ وسمَّاهُ فاسِقًا، واللهِ ما هو مِنْ الطيِّباتِ» وما يُشبهُ الغُرابَ وليسَ بغُرابٍ الزَّاغُ والغُدَافُ، فأمَّا الزاغُ فهو غُرابُ الزَّرعِ، وأما الغُدَافُ فهوَ أصغَرُ منه أغبَرُ اللَّونِ كالرَّمادِ، ولأصحابِنا في إباحَةِ أكلِها وَجهانِ:

أحَدُهما: أنَّ أكْلَها حَرامٌ؛ لشَبهِها بالغُرابِ وانطِلاقِ اسمِه عليهَا.

والوَجهُ الثَّاني: وبه قالَ أبو حَنيفةَ: أنَّ أكْلَها حَلالٌ؛ لأنهُما يَلقُطانِ الحَبَّ ويَأكلانِ الزَّرعَ ولَحمُهما مُستَطابٌ.

وكُلُّ طائرٍ حَرُمَ أكلُ لَحمِه حَلَّ أكلُ بَيضِه (١).

(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٤٤، ١٤٦).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وكُلُّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ، وهي التي تُعلِّقُ بمَخالبِها الشيءَ وتَصيدُ بها).

هذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وبه قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ ويَحيَى بنُ سَعيدٍ: لا يَحرمُ مِنْ الطَّيرِ شَيءٌ، قالَ مالِكٌ: لم أَرَ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ يَكرهُ سِباعَ الطَّيرِ، واحتَجُّوا بعُمومِ الآياتِ المُبيحةِ وقُولِ أبي الدَّرداءِ وابنِ عبَّاسٍ: «ما سكَتَ اللهُ عنه هو ممَّا عفَا عنهُ».

ولنا: ما رَوى ابنُ عبَّاسٍ قالَ «نَهَى رَسولُ اللهِ عن كُلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ»، وعن خالدِ بنِ الوَليدِ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «حَرامٌ عَليكُم الحُمرُ الأهليَّةُ وكلُّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكلُّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ»، رَواهُما أبو داودَ، وهذا يُخِصُّ عُمومَ الآياتِ ويُقدَّمُ على ما ذَكَروهُ، فيَدخلُ في هذا كُلُّ ما له مِخلبٌ يَعدُو به كالعُقابِ والبازِي والصَّقرِ والشاهينِ والباشقِ والحِدأةِ والبُومةِ وأشباهِها.

فَصلٌ: ويَحرمُ منها ما يَأكلُ الجِيفَ كالنُّسورِ والرَّخمِ وغُرابِ البَينِ -وهو أكبَرُ الغِربانِ- والأبقَعِ، قالَ عُروةُ: «ومَن يَأكلُ الغُرابَ وقد سَمَّاهُ رَسولُ اللهِ فاسِقًا، واللهِ ما هو مِنْ الطيِّباتِ»، ولعَلَّه يَعني قَولَ النبيِّ : «خَمسٌ فَواسِقُ يُقتَلنَ في الحِلِّ والحَرمِ: الغُرابُ والحِدَأةُ والفَأرةُ والعَقربُ والكَلبُ العَقورُ»، فهذهِ الخَمسُ مُحرَّمةٌ؛ لأنَّ النبيَّ أباحَ قتْلَها في الحَرمِ، ولا يَجوزُ قَتلُ صَيدٍ مَأكولٍ في الحَرمِ، ولأنَّ ما يُؤكلُ لا يَحلُّ قَتلُه إذا قُدرَ عليهِ، وإنما يُذبَحُ ويُؤكلُ.

وسُئلَ أحمَدُ عن العَقعقِ فقالَ: إنْ لم يَكنْ يَأكلُ الجِيَفَ فلا بأسَ به، قالَ بَعضُ أصحابِنا: هو يَأكلُ الجِيَفَ، فيَكونُ على هذا مُحرَّمًا.

فَصلٌ: ويَحرمُ الخطَّافُ والخُشافُ والخفَّاشُ وهو الوَطواطُ.

قالَ الشاعِرُ:

مِثلُ النَّهارِ يَزيدُ أبصارَ الورَى نُورًا ويُعمِي أعيُنَ الخفَّاشِ

قالَ أحمَدُ: ومَن يَأكلُ الخُشافَ؟، وسُئلَ عن الخطَّافِ فقالَ: لا أدرِي.

وقالَ النَّخعيُّ: كُلُّ الطَّيرِ حَلالٌ إلا الخفَّاشَ، وإنما حُرَّمتْ هذه لأنها مُستخبَثةٌ لا تَستطيبُها العَربُ ولا تَأكلُها، ويَحرمُ الزَّنابيرُ واليَعاسيبُ والنَّحلُ وأشباهُها؛ لأنها مُستخبَثةٌ غير مُستطابةٍ.

فَصلٌ: وما عَدا ما ذكَرْنا فهو مُباحٌ؛ لعُمومِ النُّصوصِ الدالَّةِ على الإباحةِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ أكْلَ كلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ إذا كانَ قَويًّا يَعدوُ به على غَيرِه كالبازِي والصَّقرِ والعُقابِ والباشِقِ والشاهينِ وكُلِّ ما لا مِخلبَ له مِنْ الطَّيرِ إلا أنه يَأكلُ الجِيَفَ كالنَّسرِ والرَّخمِ والغُرابِ الأبقَعِ والغُرابِ الأسوَدِ الكَبيرِ حَرامٌ، إلا مالِكًا؛ فإنه أباحَ ذلكَ كلَّه على الإطلاقِ (٢).

(١) «المغني» (٩/ ٣٢٦، ٣٢٧).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٣٥٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيد والذبائح
١٧٣٨ - مسألة؛ قال: (وكل ذى مخلب من الطير، وهى التى تعلق بمخالبها الشىء، وتصيد بها)

مُباحٌ. قال أحمد: إنْ لم يكُنْ له نابٌ، فلا بأسَ به. وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: هو سَبُعٌ؛ لأنَّه أشْبَهُ شىءٍ بالسِّباعِ، فلا يُؤْكَلُ. ولَنا، أَنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، ولم يتحقَّقْ وُجودُ المُحرِّمِ ، فيَبْقَى على الأصْلِ، وشَبَهُه بالسِّباعِ إنَّما يُعْتبَرُ فى وُجودِ العِلَّة المُحرِّمَةِ، وهو كَوْنُه ذا نابٍ يَصِيدُ به ويَفْرِسُ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك، كان داخِلًا فى عُمومِ النُّصُوصِ الْمُبِيحةِ. واللَّهُ أعلمُ.

١٧٣٨ - مسألة؛ قال: (وكُلُّ ذِى مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَهِىَ الَّتِى تُعَلِّقُ بِمَخالِبِهَا الشَّىْءَ، وتَصِيدُ بِهَا)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبه قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزَاعِىُّ، ويَحْيَى بنُ سعيد: لا يَحْرُمُ من الطيرِ شىءٌ. قال مالِكٌ: لم أَرَ أحدًا من أهلِ العلمِ يكرَهُ سِباعَ الطَّيْرِ. واحْتَجُّوا بعُمومِ الآياتِ المُبِيحَةِ، وقولِ أبى الدَّرْداءِ وابنِ عبّاسٍ: ما سَكَتَ اللَّهُ عَنْه، فهو ممَّا عَفَا عنه . ولَنا، ما رَوَى ابنُ عبّاسٍ قال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كُلِّ ذِى ناب من السِّباعِ، كلِّ ذِى مِخْلَبٍ من الطَّيْرِ. وعن خالِد بنِ الوليد قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حَرَامٌ عليكُم الحُمُرُ الأَهلِيَّةُ، وكُلُّ ذِى نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وكُلّ ذِى مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ" . روَاهما أبو داودَ . وهذا يَخُصُّ عمومَ الآياتِ، ويُقدَّمُ على ما ذَكَرُوه، فيدْخُلُ فى هذا كُلُّ مالَه مِخْلَبٌ يَعْدُو بِه، كالعُقابِ،

والبازِىِّ، والصَّقْرِ، والشَّاهِين، والباشَقِ ، والحِدَأَة، والبُومَةِ، وأَشْباهِها.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 762 - 769

ارجع إلى ما اختلف الفقهاء فيه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله