أجرة المغصوب في مدة الغصب

الإسلام > الأوقاف والملكية > أجرة المغصوب في مدة الغصب

مسائلُ فقهيةٌ في أجرة المغصوب في مدة الغصب على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

تعريف أجرة المغصوب في مدة الغصب وحكمها

فأَجابَ: أعدَلُ الأَقوالِ في ذلك أنْ يَجعلَ نَماءَ المالِ بينَ المالِك والعامِلِ، كما لو دفَعَه إلى مَنْ يَقومُ عليه بجُزءٍ من نَمائِه، ثم إنَّ الأصلَ ونَصيبَ المالِك إذا تعذَّرَ دَفعُه إلى مالِكِه صرَفَه في مَصالحِ المُسلِمينَ (١).

أُجرةُ المَغصوبِ في مُدةِ الغَصبِ:

إذا غصَبَ الغاصِبُ شَيئًا وكانَ له أجرٌ فهذا لا يَخلو من حالتَينِ: إمَّا أنْ يَستعمِلَه في تلك المُدةِ وإمَّا لا؟

الحالةُ الأُولى: أنْ يَستخدمَ العَينَ المَغصوبةَ في مُدةِ الغَصبِ:

اختَلفَ العُلماءُ فيما لو غصَبَ الغاصِبُ دارًا أو دابَّةً أو سَيارةً أو ثَوبًا وانتفَعَ به بسُكنى أو برُكوبٍ أو بلُبسٍ، هل تَلزمُه أُجرةُ المِثلِ للمُدةِ التي قامَت في يَدِه أو يَردُّه فقط بلا أُجرةٍ؟

فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ عليه أُجرةُ المِثلِ للمُدةِ التي قامَت العَينُ في يَدِه فيها إذا استَوفَى المَنفَعةَ أو لم يَستَوفِها إذا كانَت تَصحُّ إجارَتُه كما سيَأتي.

قالَ الشافِعيةُ: وتُضمَنُ بأُجرةِ المِثلِ مَنفعةُ الدارِ والعَبدِ ونَحوِهما من كلِّ ما له مَنفعةٌ يُستأجَرُ عليها بالتَّفويتِ بالاستِعمالِ، والفَواتُ هو ضَياعُ المَنفعةِ من غيرِ انتِفاعٍ، كإِغلاقِ الدارِ في يَدٍ عاديةٍ؛ لأنَّ المَنافعَ مُتقوَّمةٌ فكانَت مَضمونةً بالغَصبِ كالأَعيانِ، سَواءٌ أكانَ مع ذلك أَرشُ نَقصٍ أم لا، فلو كانَ للمَغصوبِ أُجرةٌ مُتفاوِتةٌ في المُدةِ ضمِنَ كلَّ مُدةٍ بما يُقابِلُها.

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٧٨).

وإنْ كانَ للمَغصوبِ صَنائعُ وجَبَ أُجرةُ أَعلاها إنْ لم يُمكِنْ جَمعُها، وإلا فأُجرةُ الجَميعِ كخياطةٍ وحِراسةٍ وتَعليمِ قُرآنٍ.

أمَّا ما لا مَنفعةَ له أو كانَت مما لا يَجوزُ استِئجارُه لها كحَبةِ حِنطةٍ وكَلبٍ وآلةِ لَهوٍ فلا أُجرةَ له، ولو اصطادَ الغاصِبُ بالكَلبِ شَيئًا فهو له، كما لو اصطادَ بشَبكةٍ أو قَوسٍ غصَبَهما ونصَبَهما؛ لأنَّه آلةٌ فقط، بخِلافِ ما لو غصَبَ رَقيقًا واصطادَ له، فإنَّه يَضمَنُ صَيدَه إنْ وضَعَ يَدَه عليه؛ لأنَّه على مِلكِ مالِكِه وأُجرتَه أيضًا؛ إذْ ربَّما استَعمَله مالِكُه في غيرِ ذلك (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: متى كانَ للمَغصوبِ أجرٌ فعلى الغاصِبِ أجرُ مِثلِه مُدةَ مُقامِه في يَدِه، سَواءٌ استَوفَى المَنافعَ أو ترَكَها تَذهبُ؛ لأنَّ كلَّ ما ضمِنَه بالإِتلافِ في العَقدِ الفاسِدِ جازَ أنْ يَضمنَه بمُجردِ الإِتلافِ كالأَعيانِ، ولأنَّه أتلَفَ مُتقوَّمًا فوجَبَ ضَمانُه كالأَعيانِ، أو نَقولُ: مالٌ مُتقوَّمٌ مَغصوبٌ، فوجَبَ ضَمانُه كالعَينِ، وأمَّا حَديثُ: «الخَراجُ بالضَّمانِ» فوارِدٌ في البَيعِ ولا يَدخلُ فيه الغاصِبُ؛ لأنَّه لا يَجوزُ له الانتِفاعُ بالمَغصوبِ بالإِجماعِ، ولا يُشبهُ الزِّنا لأنَّها رَضيَت بإِتلافِ مَنافعِها بغيرِ عِوضٍ ولا عَقدٍ يَقتَضي العِوضَ، فكانَ بمَنزِلةِ مَنْ أعارَه دارَه، ولو أكرَهَها عليه لزِمَه مَهرُها.

وهذا فيما له مَنافعُ تُستَباحُ بعَقدِ الإِجارةِ كالعَقارِ والثِّيابِ والدَّوابِّ ونَحوِها.

(١) «البيان» (٧/ ١١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٩٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ١٩٤)، و «الديباج» (٢/ ٣٩٢).

فأمَّا الغَنمُ والشَّجرُ والطَّيرُ ونَحوُها فلا شَيءَ فيها؛ لأنَّه لا مَنافعَ لها يَستحِقُّ بها عِوضًا، ولو غصَبَ جاريةً ولم يَطأَها ومَضَت عليها مُدةٌ يُمكِنُ الوَطءُ فيها لم يَضمَنْ مَهرَها؛ لأنَّ مَنافعَ البُضعِ لا تَتلَفُ إلا بالاستِيفاءِ بخِلافِ غيرِها، ولأنَّها لا تُقدَّرُ بزَمنٍ فيَكونُ مُضيُّ الزَّمانِ يُتلِفُها بخِلافِ المَنفعةِ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَلزمُه الأُجرةُ مُدةَ مُقامِها عندَه وإنِ استَعمَلها؛ لأنَّ المَنافعَ لا تُضمَنُ بالغَصبِ إلا أنْ يَنقُصَ باستِعمالِه فيَغرَمَ النُّقصانَ.

فإذا غصَبَ دارًا فسكَنَها أو عَبدًا فاستَعمَله أو دابةً فركِبَها فلا أُجرةَ للمالِك، سَواءٌ استَوفاها أو لم يَستَوفِها؛ لأنَّها حصَلَت على مِلكِ الغاصِبِ لحُدوثِها في إِمكانِه -أي: تَصرُّفِه وقُدرتِه وكَسبِه-؛ إذْ هي لم تَكُنْ حادِثةً في يَدِ المالِكِ؛ لأنَّها أَعراضٌ لا تَبقَى فيَملكُها دَفعًا لحاجَتِه، والإِنسانُ لا يَضمنُ مِلكَه، كيف وهو لا يَتحقَّقُ غَصبُها وإِتلافُها لأنَّه لا بَقاءَ لها، ولأنَّها لا تُماثِلُ الأَعيانَ لسُرعةِ فَنائِها وبَقاءِ الأَعيانِ؟ ولا نُسلِّمُ بأنَّها مُتقوَّمةٌ في ذاتِها، بل تُقوَّمُ ضَرورةً عندَ وُرودِ العَقدِ، ولم يُوجَدِ العَقدُ، إلا أنَّ ما انتقَصَ باستِعمالِه مَضمونٌ عليه لاستِهلاكِه بَعضَ أَجزاءِ العَينِ.

(١) «المغني» (٥/ ١٦٩)، و «المبدع» (٥/ ١٨٥)، و «الإنصاف» (٦/ ٢١، ٢٠٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٦٣، ١٦٤).

وهذا فيما عَدا ثَلاثةَ مَواضعَ فيَجبُ فيها أُجرةُ المِثلِ على اختيارِ المُتأخِّرينَ وعليه الفَتوى، وهي:

أنْ يَكونَ وَقفًا أو ليَتيمٍ أو مُعدًّا للاستِغلالِ بأنْ بَناه أو اشتَراه لذلك (١).

وأمَّا المالِكيةُ فعندَهم تَفصيلٌ، والمَشهورُ عندَهم أنَّ مَنْ غصَبَ عَبدًا أو دابَّةً أو دارًا أو غيرَ ذلك فاستَعمَله بنَفسِه أو كَراهُ فإنَّه يَضمَنُ للمالِكِ ما استغَلَّه، وسَواءٌ هلَكَ المَغصوبُ أو لا، فيأخُذُ المَغصوبُ منه الغَلةَ وقيمةَ الرَّقبةِ.

وقيلَ: يَضمَنُ غَلةَ الرِّباعِ والغَنمِ والبَقرِ والإبِلِ دونَ العَبيدِ والدَّوابِّ، وهو مَذهبُ «المُدوَّنة».

وعن مالِكٍ عَدمُ الضَّمانِ مُطلَقًا.

وعنه: إنْ تَولَّى استِخدامَ الرَّقيقِ واستِعمالَ الدَّوابِّ بنَفسِه لم يَضمَنْ، بخِلافِ ما كَراه من غيرِه.

قالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: إذا انتَفعَ الغاصِبُ بالمَغصوبِ إمَّا بنَفسِه -مِثلَ أنْ يَسكنَ الدارَ أو يَركبَ الدابَّةَ أو يَستخدِمَ العَبدَ أو يَزرعَ الأرضَ- أو بأنْ يُؤاجرَ ذلك يأخُذُ غَلَّتَه فقد اختُلفَ فيه: ففرَّقَ ابنُ القاسِمِ بينَ العَقارِ وبينَ الحَيوانِ فقالَ في الرَّبعِ إنْ سكَنَه بنَفسِه أو زرَعَ الأرضَ لزِمَه

(١) «الهداية» (٤/ ٢٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٤٢)، و «العناية» (١٣/ ٤٠١، ٤٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٤٠)، و «اللباب» (١/ ٦٤٠).

أُجرةُ المِثلِ، وإنْ كانَ أكراها من غيرِه لزِمَ غُرمُ ما كَراها به إنْ كانَ بقَدرِ أُجرةِ المِثلِ، وإنْ كانَ دونَ ذلك لزِمَه تَمامُ الأُجرةِ.

وفي الدَّوابِّ والرَّقيقِ لا رُجوعَ للمالِكِ على الغاصِبِ، لا فيما انتفَعَ به بنَفسِه ولا فيما كَراه واغتَلَّه.

وقيلَ: لا فَرقَ بينَ ذلك كلِّه، ويَرجعُ المالِكُ عليه بكِراءٍ وغَلَّةِ ما اغتَلَّه، ولا يَرجعُ عليه بما ركِبَ بنَفسِه أو استَخدَمَ.

وقيلَ عن مالِكٍ: إنَّ المالِكَ لا يَرجعُ بشَيءٍ أصلًا، لا مِنْ أُجرةٍ ولا مِنْ كِراءٍ، لا فيما انتفَعَ الغاصِبُ بنَفسِه ولا فيما كَراه في كلِّ شَيءٍ من الرِّباعِ والحَيوانِ وغيرِها، وأنَّ المَنافعَ بالضَّمانِ.

فوَجهُ التَّفريقِ بينَ الحَيوانِ والرِّباعِ أنَّ الحَيوانَ غيرُ مَأمونٍ؛ لأنَّ التَّغيُّرَ يُسرعُ إليه، والتَّلفُ غالِبًا يَجوزُ عليه، فيُمكنُ أنْ يَتلَفَ باستِعمالِه فيَلزمُه قيمَتُه فكانَ الخَراجُ له، وليس كذلك الرِّباعُ لأنَّها مَأمونةٌ في الغالِبِ، ولأنَّ الحَيوانَ مُحتاجٌ إلى نَفقةٍ ومُؤنةٍ، والغاصِبُ لا يَرجعُ بما أنفَقَ عليه، فكانَت المَنافِعُ غيرَ مَضمونةٍ عليه، والرِّباعُ يَرجعُ بما أنفَقَ فيها أو عَمَرَه فيأخُذُ منه قيمةَ ما انتفَعَ وأُجرةَ ما اغتَلَّ.

ووَجهُ التَّفريقِ بينَ انتِفاعِه بنَفسِه وبينَ ما كَراه واغتَلَّه في الحَيوانِ والرَّقيقِ أنَّ ما أَكراه عِوضًا في مَنافعِ مِلكِ الغيرِ، فكانَ كالعَينِ القائِمةِ فلزِمَه رَدُّها، وما سكَنَ بنَفسِه لم يأخُذْ عليه عِوضًا يَستحِقُّ رَدَّه عليه، ولأنَّه إنْ

تلِفَ ذلك في استِخدامِه أو رُكوبِه غرِمَ القيمةَ ولم يأخُذْ شَيئًا يُغرَمُ منه، فإنْ أكراه ثم تلِفَ فقد اعتاضَ الكِراءَ الذي يُغرَّمُ منه.

ووَجهُ القَولِ بأنَّ المَنافعَ غيرُ مَضمونةٍ أصلًا قَولُه : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، ولأنَّ الغاصِبَ لمَّا كانَ ضامِنًا للعينِ بقيمَتِها يَومَ الغَصبِ لم يَكُنْ لمَنافعِها حُكمٌ في الضَّمانِ؛ لأنَّها مُتابِعةٌ للعَينِ، فأمَّا إنِ اختارَ المالِكُ أخْذَ العَينِ ولا يَرجعُ بشَيءٍ أو ضمَّنَه قيمَتَها يَومَ الغَصبِ، ولأنَّ الضَّمانَ بالجِنايةِ آكَدُ من الضَّمانِ بالاستِخدامِ وغيرِه، وقد بيَّنَّا أنَّ الغاصِبَ لو جَنى على بَعضِ أَطرافِ المَغصوبِ لم يَكُنْ للمالِكِ إلا أخْذُه ناقِصًا بالأَرشِ، أو إِسلامُه والرُّجوعُ بالقيمةِ يَومَ الغَصبِ، فكانَ بألَّا يَرجعَ في المَنافعِ أوْلى.

ووَجهُ القَولِ بأنَّه يَرجعُ عليه في كلِّ ذلك قَولُه : «لا يَحلُّ مالُ امِرئٍ مُسلمٍ إلا عن طِيبِ نَفسٍ منه» (١)، ولأنَّه انتفَعَ بمِلكِ غيرِه من غيرِ مِلكٍ ولا شُبهةٍ، فلزِمَه قيمةُ ما انتفَعَ به، أصلُه إذا ابتدَأَ الاستِخدامَ والسُّكنى من غيرِ غَصبٍ (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.
(٢) «المعونة» (٢/ ١٩٢، ١٩٣)، ويُنْظَر: «المدونة الكبرى» (١٤/ ٣٤٥)، و «البيان والتحصيل» (١١/ ٢٧٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٠٩، ٣١٠)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٣٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٦٨)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٩١)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٧٦).

مسائل أجرة المغصوب في مدة الغصب الفقهية

ارجع إلى الأوقاف والملكية للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 19%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله