الإسلام > الأوقاف والملكية > أجرة المغصوب في مدة الغصب > الحالة الثانية: ألا يستخدم المغصوب في مدة الغصب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةالحالةُ الثانيةُ: ألَّا يَستخدمَ المَغصوبَ في مُدةِ الغَصبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن غصَبَ دارًا أو عَبدًا أو دابَّةً أو سَيارةً أو ثَوبًا أو غيرَ ذلك فلم يَنتفِعْ به بسُكنى ولا استِخدامٍ ولا رُكوبٍ ولا لُبسٍ ولا غيرِ ذلك، ولا أَكراه ولا أغَلَّه، هل تَجبُ عليه أُجرةُ المِثلِ للمُدةِ التي قامَت في يَدِه أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجبُ عليه شَيءٌ ولا يُطالَبُ بأُجرةِ المُدةِ التي بَقيَت غَصبًا في يَدِه؛ لأنَّها مَنافِعُ لم تُستَوفَ من المَغصوبِ فلم يَضمَنْها الغاصِبُ، أصلُه مَنافعُ البُضعِ، وهو أنْ يَحبسَ حُرةً لا يُمكنُها التَّزويجُ ويأخُذَ بَدلَ بُضعِها حتى مَضَت مُدةٌ من الزَّمانِ، فإنَّه لا يَضمَنُ مَهرَ مِثلِها، ولأنَّها مَنافعُ تَلِفَت في يَدِ الغاصِبِ من غيرِ أنْ يَنتفعَ بها أو يأخُذَ لها بَدلًا فلم يَضمَنْها كبُضعِ الأَمةِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبعضُ المالِكيةِ كمُطرِّفٍ وابنِ الماجِشونِ وابنِ عبدِ الحَكمِ وأصبَغَ وابنِ حَبيبٍ إلى أنَّه يَجبُ عليه أُجرةُ المِثلِ للمُدةِ التي قامَت العَينُ في يَدِه فيها، استَوفَى المَنفعةَ أو لم يَستَوفِها
(١) «الهداية» (٤/ ٢٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٤٢)، و «العناية» (١٣/ ٤٠١، ٤٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٤٠)، و «اللباب» (١/ ٦٤٠)، و «المعونة» (٢/ ١٩١، ١٩٢)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٠٩، ٣١٠)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٣٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٦٨)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٩١)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٧٦)، و «الإنصاف» (٦/ ٢١، ٢٠٢).
إذا كانَت تَصحُّ إِجارتُها؛ لأنَّ المَنافعَ مُتقوَّمةٌ فكانَت مَضمونةً بالغَصبِ كالأَعيانِ.
قالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: مَنْ غصَبَ عَينًا لغيرِه، وهو مِنْ أهلِ الضَّمانِ في حَقِّه، وأَقامَت في يَدِه مُدةً لمِثلِها أُجرةٌ، فإنْ كانَ لمِثلِ تلك العَينِ مَنفعةٌ تُملَكُ بالإِجارةِ، كسُكنى الدارِ وزِراعةِ الأرضِ وخِدمةِ العَبدِ والجاريةِ وما أشبَهَ ذلك وجَبَ على الغاصِبِ أُجرةُ مِثلِها لتلك المُدةِ، سَواءٌ انتفَعَ بها أو لم يَنتفِعْ بها، وإنْ كانَت المَنفعةُ لا تُستباحُ بالإِجارةِ كمَنفَعةِ وَطءِ الجاريةِ لم يَجِبْ عليه ضَمانُها؛ لأنَّ الغَصبَ لا يَمنعُ المالِكَ من المُعاوَضةِ على بُضعِها، وهو عَقدُ النِّكاحِ، ويَمنعُه من إِجارتِها، هذا مَذهبُنا، وبه قالَ أَحمدُ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: (لا يَجبُ عليه ضَمانُ أُجرةِ المَنافعِ بحالٍ).
دَليلُنا: أنَّ ما صَحَّ أنْ يُملَكَ بالمُسمَّى في العَقدِ الصَّحيحِ، وبالمِثلِ في العَقدِ الفاسِدِ، وهو ممَّا يُطلَبُ بعَقدِ المُغابَنةِ ضُمِنَ بالغَصبِ كالأَعيانِ.
فقَولُنا: (وهو ممَّا يُطلبُ بعَقدِ المُغابَنةِ) احتِرازٌ من مَنفعةِ الاستِمتاعِ (١).
وقد تَقدَّمَ قَولُهم مُفصَّلًا في الحالةِ الأُولى السابِقةِ.
(١) يُنْظَر: «البيان» (٧/ ١١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٩٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ١٩٤)، و «الديباج» (٢/ ٣٩٢)، و «المغني» (٥/ ١٦٩)، و «المبدع» (٥/ ١٨٥)، و «الإنصاف» (٦/ ٢١، ٢٠٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٦٣، ١٦٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٩١).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الغصب
مسألة
وَالثَّانِي: يَعْنِي أَنَّهَا قَدْ عَمَّتْ بِخَيْرِهَا وَمِنْهُ قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَمَّتْكُمُ النَّخْلَةُ يَعْنِي عَمَّتْ بِخَيْرِهَا وَقِيلَ بَلْ عَنَى أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ فَضْلِ طِينَةِ آدَمَ فَصَارَتْ عَمَّةً فِي النَّسَبِ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْغَصْبِ وَأَنَّ مَنْ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا كَانَ كَافِرًا وَمَنْ فَعَلَهُ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ كَانَ فَاسِقًا.
فَصْلٌ
: فَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْغَصْبِ كَمَا ذَكَرْنَا فَالْغَصْبُ هُوَ مَنْعُ الْإِنْسَانِ مِنْ مِلْكِهِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَيُكْمِلُ الْغَصْبَ بِالْمَنْعِ وَالتَّصَرُّفِ فَإِنْ مَنَعَ وَلَمْ يَتَصَرَّفْ كَانَ تَعَدِّيًا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ضَمَانٌ لِأَنَّهُ تَعَدَّى عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمِلْكِ وَإِنَّ تَصَرَّفَ وَلَمْ يَمْنَعْ كَانَ تَعَدِّيًا وَتَعَلَّقَ بِهِ ضَمَانٌ لِأَنَّهُ تعدٍ عَلَى الْمِلْكِ دُونَ الْمَالِكِ فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَنْعِ والتصرف ثم الْغَصْبُ وَلَزِمَ الضَّمَانُ سَوَاءٌ نَقَلَ الْمَغْصُوبَ عَنْ مَحَلِّهِ أَمْ لَا.
وَقَالَ أبو حنيفة: لَا يَتِمُّ الْغَصْبُ إِلَّا بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ لَمْ يَصِحَّ غَصْبُهُ وَلَمْ يَضْمَنِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ غَيْرَ الْمَنْقُولِ مُخْتَصٌّ بِالْمَنْعِ دُونَ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَحَبْسِ الْإِنْسَانِ عَنْ مِلْكِهِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِغَصْبِ مَالِهِ وَلِأَنَّ الْمَسْرُوقَ لَا يَكُونُ مَسْرُوقًا إِلَّا بِالنَّقْلِ عَنِ الْحِرْزِ فَكَذَا الْمَغْصُوبُ لَا يَصِيرُ مَغْصُوبًا إِلَّا بِالنَّقْلِ وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَصِرِ الْمَالُ بِهِ مَسْرُوقًا لَمْ يَصِرْ بِهِ مَغْصُوبًا كَالْمَنْعِ وَالْإِحَالَةِ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الغصب
الباب الثاني الطوارئ على المغصوب بالزيادة أو النقصان
فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ مِثْلِ الْعَقَارِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ - أَعْنِي أَنَّهَا إِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ ضُمِّنَ قِيمَتَهَا -، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهو الواجب في الغصب، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا لَا اختلَافَ فِيهِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ الْمِثْلَ (أَعْنِي: مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَ صِفَةً وَوَزْنًا) ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُرُوضِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْضَى فِي الْعُرُوضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ اسْتُهْلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُدُ: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ المِثْل وَلَا تَلْزَمُ الْقِيمَةُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَشْهُورُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي قِيمَةَ الْعَدْلِ» الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُ الْمِثْلَ وَأَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ.
وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} المائدة: ٩٥ ; وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ عِنْدَ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الغصب
٨٦٩ - مسألة؛ قال: (وإذا كانت للمغصوب أجرة، فعلى الغاصب رده، وأجر مثله مدة مقامه في يديه)
وَقْتِ إِمْكانِ الرَّدِّ ومُطَالَبَةِ الغاصِبِ بالسَّعْىِ في رَدِّه، وإنَّما يَأْخُذُ القِيمَةَ لأَجْلِ الحَيْلُولةِ بينَه وبينَه، فيُعْتَبرُ ما يَقُومُ مَقَامَه، ولأنَّ مِلْكَهُ لم يَزُلْ عنه، بِخِلَافِ غيرِه.
٨٦٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانتْ لِلْمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ، فَعَلَى الْغاصِبِ رَدُّه، وأَجْرُ مِثْلِه مُدَّةَ مُقَامِهِ في يَديْهِ)
هذه المسألة تَشْتَمِلُ على حُكْمَيْنِ؛ أحدِهما، وُجُوبُ رَدِّ المَغْصُوبِ. والثانى، رَدُّ أُجْرَتِه. أمَّا الأَوَّلُ فإنَّ المَغْصُوبَ متى كان باقِيًا، وَجَبَ رَدُّهُ؛ لقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عَلَى اليَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ" . رَوَاه أبو دَاوُدَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِىُّ ، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى عبدُ اللهِ بن السّائِبِ بن يَزِيدَ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَا يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِه لَاعِبًا جَادًّا، وَمَنْ أخَذَ عَصَا أخَيهِ فَلْيَرُدَّهَا" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ . يَعْنِى أنَّه يَقْصِدُ المَزْحَ مع صَاحِبِه بأَخْذِ مَتَاعِه، وهو جَادٌّ في إدْخَالِ الغَمِّ والغَيْظِ عليه. ولأنَّه أزَالَ يَدَ المالِكِ عن مِلْكِه بغيرِ حَقٍّ، فلَزِمَهُ إعَادَتُها. وأَجْمَعَ العُلَماءُ على وُجُوبِ رَدِّ المَغْصُوبِ إذا كان باقِيًا بحَالِه لم يَتَغَيَّرْ، ولم يَشْتَغِلْ بغَيْرِه. فإن غَصَبَ شيئا، فبَعَّدَه، لَزِمَهُ رَدُّه، وإن غَرِمَ عليه أضْعَافَ قِيمَتِه؛ لأنَّه جَنَى بِتَبْعِيدِه، فكان ضَرَرُ ذلك عليه. فإن قال الغاصِبُ: خُذْ مِنِّى أَجْرَ رَدِّه، وتَسَلَّمْهُ مِنِّى ههُنا. أو بَذَلَ له أكْثَرَ من قِيمَتِه ولا يَسْتَرِدُّه، لم يَلْزَم