أخذ الجعل على اللقطة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > أخذ الجعل على اللقطة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

أخذ الجعل على اللقطة - الأقوال والأدلة

وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ إلى أنَّه إنْ قصَدَ الخِيانةَ في اللُّقطةِ ولَم يَخنْ ضمَنَ.

ومتى صارَ المُلتقِطُ ضامِنًا في الدَّوامِ بحَقيقةِ الخِيانةِ أو بقَصدِها ثُم أقلَعَ وأرادَ أنْ يُعرِّفَها ويَمتلكَ كانَ له ذلك على الأَصحِّ عن الشافِعيةِ (١).

وأمَّا الحَنفيةُ والمالِكيةُ فلهم تَفصيلٌ تَقدَّمَ في حُكمِ الالتِقاطِ.

أَخذُ الجُعلِ على اللُّقطةِ:

أَخذُ الجُعلِ على اللُّقطةِ لا يَخلو مِنْ حالاتٍ سبَقَ أَكثرُها في كِتابِ الجَعالَةِ من كِتابِنا هذا لمَن أرادَ الرُّجوعَ إليها:

الحالَةُ الأولَى: أنْ يَجعلَ صاحِبَها لمَن وجَدَها شيئًا مَعلومًا، وهذه الحالَةُ لا تَخلو مِنْ إِحدى صورَتينِ:

الصُّورةُ الأولَى: أنْ يَلتقطَها بعدَما بلَغَه الجُعلُ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ رَبَّ اللُّقطةِ إذا جعَلَ لمَن وجَدَها شيئًا مَعلومًا فله أَخذُه إنْ كانَ التَقطَها بعدَ أنْ بلَغَه الجُعلُ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الجَعالَةُ في ردِّ الضالَّةِ والآبقِ وغيرِهما جائِزةٌ، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ ومَالكٍ والشافعِيِّ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا، والأَصلُ في ذلك قَولُ اللهِ ﷿: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، وكانَ حملُ البَعيرِ مَعلومًا عندَهم كالوَسقِ، وشَرعُ مَنْ قبلَنا شَرعٌ لنا ما لَم يَردْ في شَرعِنا ما يُخالفُه.

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٢١٥)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥١٣)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٢٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٥٩)، و «المغني» (٦/ ١١).

ولِما في الصَّحيحَينِ عن أَبي سَعيدٍ رضي الله عنه، قالَ: انطلَقَ نفرٌ مِنْ أَصحابِ النبِيِّ في سَفرَةٍ سافرُوها، حتى نزَلُوا على حيٍّ مِنْ أَحياءِ العَربِ، فاستَضافُوهم فأَبَوا أنْ يُضَيِّفوهم، فلُدغَ سَيدُ ذلكَ الحيِّ، فسَعَوا له بكلِّ شيءٍ لا يَنفعُه شيءٌ، فقالَ بَعضُهم: لو أَتيتُم هؤلاء الرَّهطَ الذين نزَلُوا، لعلَّه أنْ يَكونَ عندَ بَعضِهم شيءٌ، فأَتَوهُم، فقالُوا: يا أيُّها الرَّهطُ إنَّ سيِّدَنا لُدغَ، وسعَيْنا له بكلِّ شيءٍ لا يَنفعُه، فهل عندَ أحدٍ مِنكم مِنْ شيءٍ؟ فقالَ بَعضُهم: نعَم، واللهِ إنِّي لأَرقِي، ولكنْ واللهِ لقد استَضفنَاكم فلَم تُضيِّفُونا، فما أنَا بِراقٍ لكم حتى تَجعلُوا لنا جُعلًا، فصَالَحوهم على قَطيعٍ مِنْ الغَنمِ، فانطَلقَ يَتفِلُ عليه، ويَقرأُ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، فكأنَّما نُشطَ مِنْ عِقالٍ، فانطَلقَ يَمشِي وما به قَلبَةٌ، قالَ: فأَوفَوْهم جُعلَهم الذي صالَحُوهم عليه، فقالَ بَعضُهم: اقسِمُوا، فقالَ الذي رَقى: لا تَفعَلوا حتى نَأتِيَ النَّبيَّ فنَذكُرَ له الذي كانَ، فنَنظُرَ ما يَأمرُنا، فقدِمُوا على رَسولِ اللهِ فذَكَرُوا له، فقالَ: «وما يُدرِيك أنَّها رُقيةٌ»، ثُم قالَ: «قد أصَبتُم، اقسِمُوا، واضرِبُوا لي معَكم سَهمًا» فضحِكَ رَسولُ اللهِ » (١)، والقَطيعُ: ثَلاثونَ رَأسًا مِنْ الغَنمِ.

ولأنَّ الحاجَةَ تَدعُو إلى ذلك، فإنَّ العَملَ قد يَكونُ مَجهولًا، كردِّ الآبِقِ والضَّالةِ ونَحوِ ذلك، ولا تَنعقدُ الإِجارةُ فيه والحاجَةُ داعيَةٌ إلى ردِّهما، وقد لا يَجدُ مَنْ يَتبرعُ به فدَعَت الحاجَةُ إلى إِباحةِ بَذلِ الجُعلِ فيه معَ جَهالةِ العَملِ؛ لأنَّها غيرُ لازِمةٍ بخِلافِ الإِجارةِ، ألا تَرى أنَّ الإِجارةَ لمَّا كانَت

(١) أخرجه البخاري (٢١٥٦)، ومسلم (٢٢٠١).

لازِمةً افتقَرَت إلى تَقديرِ مُدةٍ، والعُقودُ الجائِزةُ كالشَّركةِ والوَكالةِ لا يَجبُ تَقديرُ مُدتِها، ولأنَّ الجائِزةَ لكلِّ واحِدٍ مِنهما تَركُها، فلا يُؤدِّي إلى أنْ يُلزمَه مَجهولٌ عندَه بخِلاف اللازِمةِ (١).

وقالَ في «الدُّرّ المُختار»: (ولا شَيءَ للمُلتقِطِ) لمالٍ أو بَهيمةٍ أو ضالٍّ (مِنْ الجُعلِ أصلًا) إلا بالشَّرطِ، كمَن ردَّه فله كذا، فله أَجرُ مِثلِه «تَتارْخانِية» كإِجارةٍ فاسِدةٍ.

قالَ ابنُ عابدِين رحمة الله عليه: قولُه (فله أَجرُ مثلِه) علَّلَه في المُحيطِ بأنَّها إِجارةٌ فاسِدةٌ.

واعتَرضَه في «البَحرِ» بأنَّه لا إِجارةَ أصلًا؛ لعَدمِ مَنْ يَقبلُ، وأجابَ المَقدِسيُّ بحَملِه على أنَّه قالَ ذلك لجَمعٍ حضَرَ.

قُلت: يُؤيِّدُه ما في إِجاراتِ «الوَلْوالِجيةِ»: ضاعَ له شَيءٌ فقالَ: مَنْ دلَّني عليه فله كذا، فالإِجارَةُ باطِلةٌ؛ لأنَّ المُستأجَرَ له غيرُ مَعلومٍ، والدَّلالةُ ليسَت

(١) يُنْظَر: «المختصر الفقهي شرح حدود ابن عرفة» (١٢/ ٣٦٥)، و «المعونة» (٢/ ١١٩)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٥٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٥٩)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٢٩)، و «منح الجليل» (٨/ ٥٩)، و «المهذب» (١/ ٤١١)، و «البيان» (٧/ ٤٠٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤١)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٣٩)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٥٣٢)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٨٩)، و «المغني» (٦/ ٢٠)، و «الكافي» (٢/ ٣٣٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٢٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٤٧، ٢٤٨)، و «الروض المربع» (٢/ ١٥٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٨٠، ٢٨١)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٠٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
مسألة:

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَهُ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرُمَهُ.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ مَا رَوَيْنَا فَاللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ. فَالضَّوَالُّ الْحَيَوَانُ لِأَنَّهُ يَضِلُّ بِنَفْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَاللُّقَطَةُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهَا لَهَا وَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تُوجَدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إِذَا ادَّعَاهَا.

وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ فَعَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خَرَابٍ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.

وَقَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ يَعْنِي مَمْلُوكَةً قَدِيمَةً سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَرُوِيَ فِي طَرِيقٍ مَأْتَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللقطة
٩٤٥ - مسألة؛ قال: (وإن كان صاحبها جعل لمن وجدها شيئا معلوما، فله أخذه إن كان التقطها بعد أ

لأنَّ الأصْلَ بقاؤُها إلى ما بعدَ الحَوْلِ، ودُخُولُها في مِلْكِه، ووُجُوبُ بَدَلِها عليه. فإن قيل: فقد قُلْتُم إنَّ صاحِبَها لو جاءَ بعد بَيْعِ المُلْتَقِطِ لها، أو هِبَتِه، لم يكُنْ له إلَّا بَدَلُها، فلِمَ قُلْتُم إنَّها إذا انْتَقَلَتْ إلى الوارِثِ يَمْلِكُ صاحِبُها أخْذَها؟ قُلْنا: لأنَّ الوارِثَ خَلِيفةُ المَوْرُوثِ، وإنَّما يَثْبُتُ له المِلْكُ فيها على الوَجْهِ الذي كان ثابتًا لِمَوْرُوثِه، ومِلْكُ مَوْرُوثِه فيها كان مُرَاعاةً مَشْرُوطًا بعَدَمِ مَجىءِ صاحِبِها، فكذلك مِلْكُ وارِثِه، بخِلَافِ مِلْكِ المُشْتَرِى والمُتَّهِبِ، فإنَّهما يَمْلِكَانِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا.

٩٤٥ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَ صَاحِبُهَا جَعَلَ لِمَنْ وَجَدَها شَيْئًا مَعْلُومًا، فَلَهُ أخْذُهُ إنْ كَانَ الْتَقَطَهَا بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ الجُعْلُ)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب اللقطة
أنواع اللقطة

يَصِفْ أَحَدُهُمَا الْعَلَامَةَ يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ ابْنًا لَهُمَا إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ ابْنًا لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ وَهُوَ لِلثَّانِي مِنْهُمَا فَإِنْ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنْ رَجُلَيْنِ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ تُسْمَعُ مِنْ خَمْسَةٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مِنْ اثْنَيْنِ وَلَا تُسْمَعُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تُسْمَعُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَلَا تُسْمَعُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ هَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَادَّعَتْهُ أَنَّهُ ابْنُهَا فَإِنْ صَدَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ شَهِدَتْ لَهَا الْقَابِلَةُ أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ صَحَّتْ دَعْوَتُهَا وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ نَسَبِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ.

وَلَوْ ادَّعَاهُ امْرَأَتَانِ وَأَقَامَتْ إحْدَاهُمَا الْبَيِّنَةَ فَهِيَ أَوْلَى بِهِ وَإِنْ أَقَامَتَا جَمِيعًا فَهُوَ ابْنُهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَكُونُ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ يُجْعَلُ ابْنَهُمَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ لَا يُجْعَلُ ابْنَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا - وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ -.

كِتَابُ اللُّقَطَةِ

أَنْوَاع اللُّقَطَة

(كِتَابُ اللُّقَطَةِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 219 - 221

ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله