الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > إذا تلفت اللقطة بعد الحول بلا تفريط
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ اللُّقطةَ ما لَم تَكنْ تافِهًا يَسيرًا أو شيئًا لا بَقاءَ له فإنَّها تُعرَّفُ حَولًا.
وأجمَعُوا على أنَّ صاحِبَها إنْ جاءَ فهو أَحقُّ بها مِنْ مُلتقِطِها إذا ثبَتَ له أنَّه صاحِبُها.
وأجمَعُوا على أنَّه إذا أكَلَها بعدَ الحَولِ مُلتقِطُها فأَرادَ صاحِبُها أنْ يُضمِّنَه أنَّ ذلك له، وأنَّه إن تَصدَّقَ بها مُلتقِطُها بعدَ الحَولِ فصاحِبُها مُخيَّرٌ بينَ التَّضمينِ وبينَ أنْ تَكونَ له على أَجرِها، فأيَّ ذلك تَخيَّرَ كانَ له ذلك بالإِجماعِ، ولا تَنطلقُ يدُ مُلتقِطِها عليها بصَدقةٍ ولا تُصرَفُ قبلَ الحَولِ إلا ضالةُ الغَنمِ (١).
إذا تلِفَت اللُّقطةُ بعدَ الحَولِ بلا تَفريطٍ:
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: اللُّقطةُ في الحَولِ أَمانةٌ في يدِ المُلتقِطِ، إنْ تلِفَت بغيرِ تَفريطِه أو نقُصَت فلا ضَمانَ عليه كالوَديعةِ، ومتى جاءَ صاحِبُها فوجَدَها أخَذَها بزِيادتِها المُتصِلةِ والمُنفصِلةِ؛ لأنَّها نَماءُ مُلكِه، وإنْ أتلَفَها المُلتقِطُ أو تلِفَت بتَفريطِه ضمِنَها بمِثلِها إنْ كانَت مِنْ ذَواتِ الأَمثالِ وبقِيمتِها إنْ لَم يَكنْ لها مِثلُ، لا أَعلمُ في هذا خِلافًا.
وإنْ تلِفَت بعدَ الحَولِ ثبَتَ في ذِمتِه مِثلُها أو قِيمتُها بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها دخَلَت في ملكِه وتلِفَت مِنْ مالِه، وسَواءٌ فرَّطَ في حِفظِها أو لَم يُفرطْ، وإنْ
(١) «الإفصاح» (٢/ ٥٩، ٦٠).
وجَدَ العَينَ ناقِصةً وكانَ نَقصُها بعدَ الحَولِ أخَذَ العَينَ وأَرشَ نَقصَها؛ لأنَّ جَميعَها مَضمونٌ إذا تلِفَت فكذلك إذا نقُصَت، وهذا قَولُ أَكثرِ العُلماءِ الذين حكَمُوا بملكِه لها بمُضيِّ حَولِ التَّعريفِ، وأمَّا مَنْ قالَ لا يَملكُها حتى يَتملكَها لَم يُضمِّنْه إيَّاها حتى يَتملكَها، وحُكمُها قبلَ تَملكِه إيَّاها حُكمُها قبلَ مُضيِّ حَولِ التَّعريفِ، ومَن قالَ لا تُملَكُ اللُّقطةُ بحالٍ لَم يُضمِّنْه إيَّاها، وبهذا قالَ الحَسنُ والنَّخَعيُّ وأَبو مِجلزِ والحارِثُ العُكليُّ ومالِكٌ وأَبو يُوسفَ، قالُوا: لا يُضمَّنُ وإنْ ضاعَت بعدَ الحَولِ، وقد ذكَرْنا فيما تَقدمَ دَليلَ دُخولِها في ملكِه، وقالَ داودُ: إذا تَملَّكَ العَينَ وأتلَفَها لَم يَضمَنْها.
وحَكى ابنُ أَبي مُوسى عن أَحمدَ أنَّه لوَّحَ إلى مِثلِ هذا القَولِ؛ لحَديثِ عِياضِ بنِ حِمارٍ عن الَّنبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «فإنْ جاءَ ربُّها وإلا فهي مالُ اللهِ يُؤتِيه مَنْ يشاءُ» فجعَلَه مُباحًا، وقَولُه في حَديثِ أُبيِّ بنِ كَعبٍ: «فإنْ جاءَ مَنْ يُعرِّفُها وإلا فهي كسَبيلِ مالِكٍ» وفي حَديثِ زَيدٍ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فشَأنَك بها»، ورُويَ «فهي لك» ولَم يَأمرْه بردِّ بدلِها.
ولنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «فإنْ لم تَعرِفْ فاستَنفِقْها ولتَكنْ وَديعةً عندَك، فإنْ جاءَ طالِبُها يومًا مِنْ الدَّهرِ فادفَعْها إليه»، وقالَ الأَثرمُ: قالَ أَحمدُ: أَذهبُ إلى حَديثِ الضَّحاكِ بنِ عُثمانَ جوَّدَه ولَم يَروِه أَحدٌ مِثلَ ما رَواه: «إنْ جاءَ صاحِبُها بعدَ سَنةٍ وقد أنفَقَها ردَّها إليه»؛ لأنَّها عَينٌ يَلزمُ ردُّها لو كانَت باقِيةُ فيَلزمُه ضَمانُها إذا أتلَفَها كما قبلَ الحَولِ،
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
مسألة:
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَهُ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرُمَهُ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ مَا رَوَيْنَا فَاللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ. فَالضَّوَالُّ الْحَيَوَانُ لِأَنَّهُ يَضِلُّ بِنَفْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَاللُّقَطَةُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهَا لَهَا وَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تُوجَدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إِذَا ادَّعَاهَا.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ فَعَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خَرَابٍ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.
وَقَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ يَعْنِي مَمْلُوكَةً قَدِيمَةً سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَرُوِيَ فِي طَرِيقٍ مَأْتَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
باب في اللقيط
وَأَمَّا إِذَا قَبَضَهَا مُغْتَالًا لَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا، وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ هَذَا الْوَجْهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، فَهُوَ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ ثَوْبًا فَيَأْخُذَهُ، وَهُوَ يَظُنُّهُ لِقَوْمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ، فَهَذَا إِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَلَا ادَّعَوْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَتَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا، وَهُوَ الْعَبْدُ يَسْتَهْلِكُ اللُّقَطَةَ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ إِمَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ سَيِّدُهُ فِيهَا، وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهَا، هَذَا إِذَا كَانَ اسْتِهْلَاكُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَإِنِ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ السَّيِّدُ فَهُوَ الضَّامِنُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا السَّيِّدُ كَانَتْ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى اللُّقَطَةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: مُلْتَقِطُ اللُّقَطَةِ مُتَطَوِّعٌ بِحِفْظِهَا فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ اللُّقَطَةِ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ عَنْ إِذْنِ الْحَاكِمِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مِنْ أَحْكَامِ الِالْتِقَاطِ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ بِحَسَبِ غَرَضِنَا فِي هَذَا الْبَابِ.
بَابٌ فِي اللَّقِيطِ
بَابٌ
فِي اللَّقِيطِ.
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.