الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > إذا لم يأت صاحب اللقطة بعد السنة ماذا يفعل بها وما الحكم إذا جاء بعد التصدق بها؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 36 دقيقة قراءةولأنَّه مالٌ مَعصومٌ فلَم يَجزْ إِسقاطُ حقِّه مِنه مُطلقًا، كما لو اضطُرَّ إلى مالِ غيرِه (١).
وقالَ العِمرانِيُّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وإذا أَخذَ اللُّقطةَ فعرَّفَها حَولًا، فإنْ قُلْنا: لا يَملكُها إلا باختِيارِ التَّملكِ فهي أَمانةٌ في يدِه، كما كانَت قبلَ انقِضاءِ مُدةِ التَّعريفِ.
وإنْ قُلْنا: إنَّه يَملكُها بمُضيِّ مُدةِ التَّعريفِ، أو قُلْنا: لا يَملكُها إلا باختِيارِ تَملُّكِها، فاختارَ تَملكَها ملكَهَا ببَدلِها في ذِمتِه، فإنْ كانَ لها مِثلٌ ثبَتَ مِثلُها في ذِمتِه، وإنْ لَم يَكنْ لها مِثلٌ ثَبتَت قِيمتُها في ذِمتِه (٢).
إذا لَم يَأتِ صاحِبُ اللُّقطةِ بعدَ السَّنةِ ماذا يُفعلُ بها وما الحُكمُ إذا جاءَ بعدَ التَّصدقِ بها؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في اللُّقطةِ إذا مرَّ على تَعريفِها حَولٌ كامِلٌ ولَم يَأتِ ربُّها ماذا يُفعلُ بها؟ هل يَمتلكُها المُلتقِطُ بمُضيِّ الحَولِ؟ أم لا بدَّ مِنْ نِيةِ التَّملكِ؟ أم لا يَجوزُ له تُملُّكُها؟ أم يَتصدَّقُ بها مُطلقًا سَواءٌ كانَ غنيًّا أو فَقيرًا؟ أم يَمتلكُها إنْ كانَ فَقيرًا ويَتصدَّقُ بها إنْ كانَ غنيًّا؟ على خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المُلتقِطَ إذا عرَّفَ اللُّقطةَ حَولًا ولَم يَحضرْ صاحِبُها مُدةَ التَّعريفِ فهو بالخِيارِ:
(١) «المغني» (٦/ ١٤، ١٥).
(٢) «البيان» (٧/ ٥٣٣).
إنْ شاءَ أمسَكَها إلى أنْ يَحضرَ صاحِبُها، وإنْ شاءَ تَصدقَ بها على الفُقراءِ.
ولو أَرادَ أنْ يَنتفعَ بها فإنْ كانَ غنيًّا لا يَجوزُ أنْ يَنتفعَ بها؛ لما رُويَ عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «وسُئلَ عن اللُّقطةِ؟ فقالَ: لا تَحلُّ اللُّقطةُ، مَنْ التَقطَ شيئًا فليُعَرِّفْه سَنةً، فإنْ جاءَه صاحِبُها فليَردَّها إليه، وإنْ لَم يَأتِ صاحِبُها فليَتصدَّقْ بها، وإنْ جاءَه فليُخيِّرْه بينَ الأَجرِ وبينَ الذي له» (١).
والاستدِلالُ به مِنْ وَجهينِ:
أَحدُهما: أنَّه نَفى الحِلَّ مُطلقًا، وحالَةُ الفَقرِ غيرُ مُرادةٍ بالإِجماعِ، فتَعيَّنَ حالَةُ الغِنى.
والثانِي: أنَّه أمَرَ بالتَّصدقِ، ومَصرِفُ الصَّدقةِ الفَقيرُ دونَ الغَنيِّ، وإنَّ الانتِفاعَ بمالِ المُسلمِ بغيرِ إِذنِه لا يَجوزُ إلا لضَرورةٍ، ولا ضَرورةَ إذا كانَ غَنيًّا.
وإذا تَصدَّقَ بها على الفُقراءِ ثُم جاءَ صاحِبُها كانَ له الخِيارُ:
إنْ شاءَ أَمضى الصَّدقةَ وله ثَوابُها وتَصيرُ إِجازتُه اللاحِقةُ بمَنزلةِ الإِذنِ السابقِ.
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: أخرجه الدارقطني في «سننه» (٤٣٨٩)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٢/ ١٢٨)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ٣٥٣)، برقم (٢٢٠٨)، والطبراني في «الصغير» (١/ ٦٢)، برقم (٧٢).
وإنْ شاءَ ضمَّنَ المُلتقِطَ أو الفَقيرَ إنْ وجَدَه؛ لأنَّ التَّصدقَ كانَ مَوقوفًا على إِجازتِه، وأيَّهما ضمَّنَ لَم يِرجعْ على صاحِبِه كما في غاصِبِ الغاصِبِ، فإذا ضمَّنَ المُلتقِطَ لا يَرجعُ المُلتقِطُ على المِسكينِ؛ لأنَّه بالتَّضمينِ ملَكَها، فظهَرَ أنَّه تَصدَّقَ بمُلكِ نفسِه، فله ثَوابُها.
وإنْ ضمَّنَ المُتصدقَ عليه: لَم يَرجعْ به أيضًا على المُلتقطِ؛ لأنَّ الصَّدقةَ عقدُ تبَرُّعٍ، فإذا ضمَّنَها الذي تبَرَّعَ عليه: لمْ يَرجعْ به على المُتبَرعِ.
وإن كانَ فَقيرًا فإنْ شاءَ تَصدقَ بها على الفُقراءِ وإنْ شاءَ أنفَقها على نفسِه، فإذا جاءَ صاحِبُها خيَّرَه بينَ الأَجرِ وبينَ أنْ يَضمَنَها له على ما ذكَرْنا.
وكذلك إذا كانَ غَنيًّا جازَ له أنْ يَتصدقَ بها على أَبيه وابنِه وزَوجتِه إذا كانُوا فُقراءَ؛ لأنَّه لما جازَ له أنْ يَنتفعَ بها إذا كانَ فَقيرًا جازَ أنْ يَتصدقَ بها على هؤلاء (١).
وقالَ المالِكيةُ: المُلتقِطُ إذا عرَّفَ اللُّقطةَ سَنةً ولَم يَأتِ صاحِبُها فهو مُخيَّرٌ بينَ أُمورٍ ثَلاثةٍ:
١ - إما أنْ يَحبسَها إلى أنْ يَظهرَ ربُّها.
٢ - وإنْ شاءَ تصدَّقَ بها عن ربِّها.
٣ - وإنْ شاءَ تَملَّكَها، ويَدخلُ فيه ما إذا تَصدَّقَ بها عن نفسِه، وإذا جاءَ
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٢)، و «الاختيار» (٣/ ٣٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٩٢، ١٩٧)، و «اللباب» (١/ ٦٦٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٥٢).
ربُّها ضمِنَها له في التَّصدُّقِ بها عن ربِّها وفي التَّملُّكِ، ولا فَرقَ على المَشهورِ بينَ لُقطةِ مَكةَ وغيرِها مِنْ الأَقطارِ في هذه الأَوجهِ الثَّلاثةِ.
واستدَلُّوا على ذلك ما ثبَتَ في الحَديثِ: «عرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحَبُها وإلا فشَأنَك بها»، وفي الصَّحيحِ: «فإنْ لَم يَعرِفْ فاستَنفِقْها»، وفي النِّسائيِّ: «فإنْ لَم يَأتِ صاحِبُها فهو مالُ للهِ يُؤتِيه مَنْ يَشاءُ»، فتَضمَّنَت هذه الأَحاديثُ أنَّ الحُكمَ فيها بعدَ الحَولِ خِلافُه قَبلُه وله أنْ يَتصرفَ فيها لنفسِه، والذي يَقتَضيه قَولُ ابنِ القاسِمِ في «المُدونة» أنَّ له أنْ يَنتفعَ بها غنيًّا كانَ أو فَقيرًا؛ لأنَّ كلَّ ما صحَّ أنْ يُملكَ بالعِوضِ صحَّ أنْ يُملكَ باللُّقطةِ كالفَقيرِ.
وهذا التَّخييرُ إذا كانَ المُلتقِطُ غيرَ الإِمامِ، أما الإِمامُ فليسَ له إلا حبسُها أو بيعُها لصاحِبِها ووضعُ ثَمنِها في بيتِ المالِ، وليسَ له التَّصدقُ بها ولا تَملُّكُها لمَشقَّةِ خلاصِ ما في ذمتِه بخِلافِ غيرِه (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا عرَّفَ المُلتقِطُ اللُّقطةَ سَنةً ولَم يَأتِ صاحبُها فهو مُخيَّرٌ بينَ أَمرينِ:
أنْ يَحفظَها على صاحِبِها إلى أنْ يَظهرَ.
أو أنْ يَختارَ تملُّكَها على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ بلَفظٍ ك «تمَلكتُ ما التَقطُّه»؛ لأنَّه تملَّكَ بعوضٍ فافتَقرَ إلى اختِيارِ التملُّكِ كالبَيعِ.
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٦٧، ٢٦٨)، رقم (١١١٠)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٨، ٣٩)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٢٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٢٨، ٥٢٩)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٨).
وقيلَ تَكفي النِّيةُ مِنْ غيرِ لَفظٍ، وقيلَ: يَملكُ اللُّقطةَ بمُضيِّ السَّنةِ وإنْ لَم يَختَرْ تَملكَها؛ لأنَّ سَببَ التَّملكِ هو التَّعريفُ، فإذا وجَدَ السَّببَ حصلَ المُلكُ كالاصطِيادِ والاحتِشاشِ وإِحياءِ المواتِ.
فإنْ اختارَ تملُّكَها ملَكَها، سَواءٌ كانَ الواجِدُ غنيًّا أو فَقيرًا، وسَواءٌ كانَ مِنْ آل النَّبيِّ ﷺ أو مِنْ غيرِهم؛ لما رُويَ في حَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنيِّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن اللُّقطةِ فقالَ: عرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحِبُها، وإلا فشَأنَك بها» أي: افعَلْ بها ما تَشاءُ، ففوَّضَ الأَمرَ إلى خِيرتِه، ورُويَ: «وإلا فاستَنفِعْ بها» ولَم يُفرِّقْ بينَ الغنيِّ والفَقيرِ.
«ورَوى أُبيُّ بنُ كَعبٍ قالَ: وجَدتُ صُرةً فيها مِائةُ دِينارٍ، فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» ثُم أَتَيتُه، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» -مَرتينِ أو ثَلاثًا- إلى أنْ قالَ: «اعرِفْ عَددَها ووِعاءَها ووِكاءَها، فإنْ جاءَ صاحِبُها، وإلا فاستَمتِعْ بها».
قالَ الشافِعيُّ: (وأُبيُّ بنُ كَعبٍ مِنْ أَيسرِ أَهلِ المَدينةِ، أو كأَيسرِهم).
ولأنَّ مَنْ صحَّ أنْ يَملكَ بالقَرضِ صحَّ أنْ يَملكَ اللُّقطةَ كالفَقيرِ، وعَكسُه العَبدُ.
فإذا تملَّكَها وظهَرَ المالِكُ واتَّفَقا على ردِّ عَينِها فذاك؛ إذ الحقُّ لهما لا يَعدُوهما، ويَجبُ على المُلتقِطِ ردُّها عليه قبلَ الطَّلبِ على الأَصحِّ، ومُؤنةُ الردِّ بعدَ التَّملُّكِ على المُلتقِطِ؛ لأنَّه قبَضَ العَينَ لغَرضِ نفسِه، وقبِلَه على المالِكِ.
وإنْ أَرادَ المالِكُ اللُّقطةَ وأَرادَ المُلتقِطُ العُدولَ إلى بَدلِها أُجيبَ المالِكُ في الأَصحِّ كالقَرضِ بل أَولَى؛ لأنَّ للمالِكِ هنا سَلطنةً شَرعيةً ليسَت للمُقتَرضِ؛ لأنَّه لَم يَرضَ بتملُّكِها عليه.
ومُقابلُ الأَصحِّ: المُجابُ المُلتقِطُ.
فإنْ تلِفَت بعدَ التَّملُّكِ غرِمَ مِثلَها إنْ كانَت مثليَّةً أو قِيمتَها إنْ كانَت مُتقومةً يومَ التَّملكِ، وقيلَ يومَ التَّلفِ، وقيلَ يومَ المُطالبةِ.
وإنْ نقَصَت بعَيبٍ طرَأَ بعدَ التَّملكِ فله أَخذُها معَ الأَرشِ في الأَصحِّ، والثانِي يَقنعُ بها بلا أَرشٍ (١).
(١) «البيان» (٧/ ٥٣٠، ٥٣٢)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٠١)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٧، ٤١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥١٧، ٥١٨)، و «الديباج» (٢/ ٥٦٣)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٣٨، ٦٤٢)، وقالَ الماورديُّ: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «فإن جاءَ صاحبُها وإلا فهي له بعدَ سنةٍ على أنَّه متى جاءَ صاحبُها في حياتِه أو بعدَ موتِه فهو غريمٌ إن كانَ استَهلكَها. قالَ الماورديُّ: إذا استَكملَ تَعريفَها حولًا كانَ بعدَه بالخيارِ بينَ أن يَتملِكَها وبينَ أن تكونَ في يدِه أَمانةً وبينَ أن يَدفعَها إلى الحاكمِ ليَحفظَها على مالكِها بأن يَضعَها في بيتِ المالِ أو على يدِ أمينٍ، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: لا يَجوزُ للواجدِ بعدَ تَعريفِ الحولِ أن يَتملكَها، بل عليه أن يَضعَها في بيتِ المالِ، وقالَ مالكٌ: إن كانَ غنيًّا جازَ له أن يَتملكَها، وإن كانَ فَقيرًا لم يَجزْ لعجزِ الفَقيرِ عن الغرمِ وقُدرةِ الغنيِّ عليه، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ للفَقيرِ أن يَتملكَها دونَ الغني، وقد مَضى الكَلامُ معه والدليلُّ على جميعِهم قولُه ﷺ: «فإن جاءَ صاحبُها وإلا فشأنُك بها»، ورُوي في بعضِ الأخبارِ أنه قالَ: «فإن جاءَ صاحبُها وإلا فهي لك» وقد أذنَ رَسولُ اللهِ ﷺ لعليٍّ عليه السلام أن يَتملكَ الدِّينارَ وهو لا يَجدُ غُرمَه، حتى غرِمَه عنه رَسولُ اللهِ =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ﷺ، فبطَلَ به قولُ مالكٍ، وأذِنَ لأُبيِّ بنِ كعبٍ أن يَتملكَ الصرّةَ وهو غنيٌّ فبطَلَ به قولُ أبي حَنيفةَ، ولأنَّ الواجدَ لو مُنعَ بعدَ الحولِ من تَملكِها أدَّى ذلك إلى أحدِ أَمرينِ: إما أن لا يَرغبَ الواجدُ في أَخذِها، وإما أن تَدخلَ المَشقةُ عليه في استِدامةِ إِمساكِها، فكانَ إِباحةُ التَّمليكِ لها بعدَ التَّعريفِ أحثَّ على أخذِها وأحفظَ على مالكِها؛ لثُبوتِ غُرمِها في ذمتِه، فلا تَكونُ مُعرضةً للتلفِ، وليَكونَ ارتِفاقُ الواجدِ بمَنفعتِها في مُقابلةِ ما عاناه في حفظِها وتَعريفِها، وهذه كلها معانٍ استَوى فيها الغنيُّ والفقيرُ.
ثم مذهبُ الشافعيِّ: لا فرقَ بينَ المُسلمِ والذميِّ في أخذِها للتَّعريفِ وتَملكِها بعدَ الحولِ؛ لأنها كسبٌ يَستوي فيها المُسلمُ والذميُّ. وقالَ بعضُ أَصحابِنا: لا حقَّ للذميِّ فيها، فهو مَمنوعٌ من أخذِها وتَملكِها؛ لأنَّه ليسَ من أهلِ التَّعريفِ لعدمِ ولايتِه على مُسلمٍ، ولا ممن يَملكُ مَرافقَ دارِ الإسلامِ كإحياءِ المَواتِ.
فصلٌ: فإذا ثبَتَ جَوازُ تَملكِها بعدَ الحولِ لكلِّ واحدٍ من غنيٍّ أو فقيرٍ فقد اختَلفَ أَصحابُنا بماذا يَصيرُ مالكًا على ثلاثةِ أَوجهٍ: أحدُها: أنه يَصيرُ مالكًا لها بمُضيِ الحولِ وحدَه، إلا أن يَختارَ أن تَكونَ أَمانةً فلا تَدخلَ في ملكِه، وهذا قولُ أبي حفصٍ ابنِ الوكيلِ؛ لأنه كسبٌ على غيرِ بدلٍ فأشبَه الرِّكازَ والاصطِيادَ.
والوجهُ الثانِي: أنه يَملكُها بعدَ مُضيِ الحولِ باختيارِ التَّملكِ، فإن لم يَخترِ التَّملكَ لم يَملكْ وهذا قولُ أبي إِسحاقَ المَروزيَّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «فإن جاءَ صاحبُها وإلا فشأنُك بها»، فردَّ أمرَها إلى اختيارِه، ولأنه أبيحَ له التَّملكُ بعدَ الحولِ بعدَ أن كانَ مُؤتمنًا فاقتَضى ألا يَنتقلَ عن ما كانَ عليه إلا باختِيارِ ما أبيحَ له.
والوجهُ الثالثُ: أنه لا يَملكُها بعدَ مُضيِ الحولِ إلا بالاختِيارِ والتَّصرفِ، وهو ما لم يَتصرفْ غيرَ مالكٍ؛ لأن التَّصرفَ منه كالقبضِ فأشبَه الهبةَ.
فصلٌ: فإذا صارَ مالكُها كما ذكَرْنا فقد ضمِنَها لصاحبِها، فمن جاءَ طالبًا لها رجَعَ بها إن كانَت باقيةً، وليسَ للمُتملكِ أن يَعدلَ به مع بقائِها إلى بدلِها، وإن كانَت تالفةً رجَعَ =
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا عرَّفَ اللُّقطةَ حَولًا فلَم تُعرَفْ ملَكَها مُلتقِطُها، وصارَت مِنْ مالِه كسائِرِ أَموالِه، غنيًّا كانَ المُلتقِطُ أو فَقيرًا؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ: «فإنْ لَم تَعرفْ فاستَنفِقْها»، وفي لَفظٍ: «وإلا فهي كسَبيلِ مالِكٍ»، وفي لَفظٍ: «ثُم كُلْها»، وفي لَفظٍ: «فانتَفِعْ بها»، وفي لَفظٍ: «فشَأنَك بها»، وفي حَديثِ أُبيِّ بنِ كَعبٍ: «فاستَنفِقْها»، وفي لَفظٍ: «فاستمتِعْ بها»، وهو حَديثٌ صَحيحٌ، ولأنَّ مَنْ ملَكَ بالفَرضِ ملَكَ باللُّقطةِ كالفَقيرِ، ومَن جازَ له الالتِقاطُ ملَكَ به بعدَ التَّعريفِ كالفَقيرِ.
وتَدخلُ اللُّقطةُ في مِلكِه عندَ تَمامِ التَّعريفِ حُكمًا كالمِيراثِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «فإذا جاءَ صاحِبُها وإلا فهي كسَبيلِ مالِكٍ» وقَولُه: «فاستَنفِقْها»، ولو وُقِفَ مِلكُها على تملُّكِها لبيَّنَه له، ولَم يُجوِّزْ له التَّصرفَ قبلَه، وفي لَفظٍ: «فهي لك» وفي لَفظٍ: «كُلْها»، وهذه الأَلفاظُ كلُّها تَدلُّ على هذا، ولأنَّ الالتِقاطَ والتَّعريفَ سَببٌ للتَّمليكِ، فإذا تمَّ وجَبَ أنْ يُثبتَ به الملكُ حُكمًا كالإِحياءِ والاصطِيادِ، ولأنَّه سَببٌ يَملكُ به فلَم يَقفْ المِلكُ بعدَه على قَولِه ولا اختِيارِه كسائِرِ الأَسبابِ، وذلك لأنَّ المكلَّفَ ليسَ إليه
= ببدلِها، فإن كانَت ذاتَ مثلٍ رجَعَ بمثلِها، وإن كانَت غيرَ ذاتِ مثلٍ رجَعَ بقِيمتِها حينَ تمَلكَها؛ لأنه إذ ذاك صارَ ضامنا لها، فإن اختَلفا في القِيمةِ فالقولُ قولُ مُتملِّكِها؛ لأنه غارمٌ، فلو كانَت عندَ مجيءٍ صاحبِها باقيةً بعينِها لكن قد حدَثَ فيها نَماءٌ مُنفصلٌ رجَعَ بالأصلِ دونَ النماءِ؛ لحدوثِ النَّماءِ على ملكِ الواجدِ، فلو عرَفَ الواجدُ صاحبَها وجَبَ عليه إِعلامُه بها ثَمَّ … «الحاوي الكبير» (٨/ ١٤، ١٥).
إلا مُباشرةُ الأَسبابِ، فإذا أَتى بها ثبَتَ الحُكمُ قَهرًا وجبْرًا مِنْ اللهِ تَعالى، غيرُ مَوقوفٍ على اختِيارِ المُكلَّفِ، وأما الاقتِراضُ فهو السَّببُ في نفسِه فلَم يثبُتْ المُلكُ بدونِه.
واختارَ أَبو الخَطابِّ أنَّها لا تَدخلُ في مُلكِه حتى يَختارَ.
وتُملَكُ اللُّقطةُ مِلكًا مُراعى يَزولُ بمَجيءِ صاحِبِها، ويُضمَنُ له بدلُها إن تعذَّرَ ردُّها.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والظاهِرُ أنَّه يَملكُها بغيرِ عِوضٍ يثبُتُ في ذِمتِه، وإنَّما يَتجددُ وُجوبِ العِوضِ بمَجيءِ صاحِبِها كما يَتجدَّدُ زَوالُ المِلكِ عنها بمَجيئِه، وكما يَتجدَّدُ وُجوبُ نِصفِ الصَّداقِ للزَّوجِ أو بَدلِه إنْ تَعذَّرَ ثُبوتُ المِلكِ فيه بالطَّلاقِ، وهذا قَولُ بعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ، وقالَ أَكثرُهم: لا يَملكُها إلا بعِوضٍ يَثبتُ في ذِمتِه لصاحِبِها، وهذا قَولُ القاضِي وأَصحابِه، بدَليلِ أنَّه يَملكُ المُطالبةَ به فأَشبَه الفَرضَ.
ولنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فهي مالُ اللهِ يُؤتِيه مَنْ يشاءُ» فجعَلَها مِنْ المُباحاتِ، ولأنَّه لو ماتَ لَم يُعزَلْ مِنْ تَركتِه بَدلُها، ولا يَستحقُّ أنْ يَأخذَ مِنْ الزَّكاةِ بسَببِ الغُرمِ، ولا يَلزمُه أنْ يُوصيَ به، ولا يَمتنعُ وُجوبُ الزَّكاةِ في مالِه بسَببِ الدَّينِ، ولا يَثبتُ شيءٌ مَنْ أَحكامِ الدَّينِ في حقِّه، وانتِفاءُ أَحكامِه دَليلٌ على انتِفائِه، وقالَ القاضِي: يَمنعُ ذلك وُجوبَ الزَّكاةِ، ولأنَّه لو ملَكَها بعِوضٍ لَم يَزلْ مُلكُه عنها بمَجيءِ صاحِبِها ولو وقَفَ مُلكُه لها على رِضاه بالمُعاوضةِ واختِيارِه لأَحدِهما كالقَرضِ
والأَمرُ بخِلافِ ذلك، وإنَّما يَستحقُّ صاحِبُها المُطالبةَ بعدَ مَجيئِه بشَرطِ تَلفِها، فإنَّها لو كانَت مَوجودةً لأخَذَها ولَم يَستحقْ لها بَدلًا، وإنْ كانَت تالِفةً تَجدَّدَ له مِلكُ المُطالبةِ ببَدلِها كما يَتجدَّدُ له المِلكُ فيها لو كانِت مَوجودةً، وكما يَتجدَّدُ له المِلكُ في نِصفِ الصَّداقِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وفي بدلِه إنْ كانَ مَعدومًا، وهذا أَشبهُ بمَسألتِنا، وبه يَبطلُ ما ذكَرُوه، وأمَّا القَرضُ فإنَّه لما ثبَتَ بدَلُه في الذِّمةِ لَم يَعدِ المِلكُ له في المُقرَضِ إلا برِضا المُقرِضِ واختِيارِه (١).
قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختلَفُوا في حُكمِها بعدَ السَّنةِ، فاتَّفقَ فُقهاءُ الأَمصارِ مالِكٌ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَحمدُ وأَبو عُبيدٍ وأَبو ثورٍ إذا انقَضَت كانَ له أنْ يَأكلَها إنْ كانَ فَقيرًا أو يَتصدقَ بها إنْ كانَ غنيًّا، فإنْ جاءَ صاحِبُها كانَ مُخيَّرًا بينَ أنْ يُجيزَ الصَّدقةَ فيَنزلَ على ثَوابِها أو يُضمِّنَه إِياها.
واختلَفُوا في الغَنيِّ، هل له أنْ يَأكلَها أو يُنفقَها بعدَ الحَولِ؟
فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: له ذلك.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: ليسَ له أنْ يَأكلَها أو يَتصدقَ بها، ورُويَ مِثلُ قَولِه عن عليٍّ وابنِ عَباسٍ وجَماعةٍ مِنْ التابِعينَ.
(١) «المغني» (٦/ ٧، ٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢١٥، ٢١٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٦٦، ٢٦٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٠٠، ٣٠٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٠٧، ٣٠٩).
وقالَ الأَوزاعيُّ: إنْ كانَ مالًا كَثيرًا جعَلَه في بيتِ المالِ.
ورُويَ مِثلُ قَولِ مالِكٍ والشافِعيِّ عن عُمرَ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عُمرَ وعائِشةَ.
وكلُّهم مُتفِقونَ على أنَّه إنْ أكَلَها ضمِنَها لصاحِبِها إلا أَهلَ الظاهِرِ.
واستدَلَّ مالِكٌ والشافِعيُّ بقَولِه عليه الصلاة والسلام: «فشَأنَك بها» ولَم يُفرقْ بينَ غنيٍّ وفَقيرٍ.
ومِن الحُجةِ لهما ما رَواه البُخاريُّ والتِّرمذيُّ عن سُويدِ بنِ غَفلةَ قالَ: لقَيتُ أُويسَ بنَ كَعبٍ فقالَ: وجَدتُ صُرةً فيها مِائةُ دِينارٍ فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: عرِّفْها حَولًا فعرَّفتُها، فلَم أَجدْ، ثُم أَتيتُه ثَلاثًا، فقالَ: «احفَظْ وِعاءَها ووِكاءَها، فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فاستَمتِعْ بها» وخرجَ التِّرمذيُّ وأَبو دَاودَ «فاستَنفِقْها».
فسَببُ الخِلافِ مُعارضةُ ظاهِرِ لَفظِ حَديثِ اللُّقطةِ لأَصلِ الشَّرعِ، وهو أنَّه لا يَحلُّ مالُ امرئٍ مُسلِمٍ إلا عن طِيبِ نَفسٍ مِنه، فمَن غلَّبَ هذا الأَصلَ على ظاهِرِ الحَديثِ وهو قَولُه بعدَ التَّعريفِ «فشَأنَك بها» قالَ: لا يَجوزُ فيها تَصرُّفٌ إلا بالصَّدقةِ فقط، على أنْ يَضمنَ إنْ لَم يُجزْ صاحِبُ اللُّقطةِ الصَّدقةَ، ومَن غلَّبَ ظاهِرَ الحَديثِ على هذا الأَصلِ ورَأى أنَّه مُستَثنى عنه قالَ: تَحلُّ له بعدَ العامِ، وهي مالٌ مِنْ مالِه لا يَضمَنُها إنْ جاءَ صاحِبُها، ومَن توسَّطَ قالَ: يَتصرفُ بعدَ العامِ فيها وإنْ كانَت عَينًا على جِهةِ الضَّمانِ (١).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٢٩، ٢٣٠).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
مسألة:
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَهُ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرُمَهُ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ مَا رَوَيْنَا فَاللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ. فَالضَّوَالُّ الْحَيَوَانُ لِأَنَّهُ يَضِلُّ بِنَفْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَاللُّقَطَةُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهَا لَهَا وَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تُوجَدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إِذَا ادَّعَاهَا.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ فَعَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خَرَابٍ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.
وَقَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ يَعْنِي مَمْلُوكَةً قَدِيمَةً سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَرُوِيَ فِي طَرِيقٍ مَأْتَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب اللقطة
فصل في بيان ما يصنع باللقطة
رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِوَاجِدِ الْبَعِيرِ الضَّالِّ: " أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدَتْهُ " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ وُجُوبِ الضَّمَانِ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يُصْنَعُ بِاللُّقَطَةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُصْنَعُ بِهَا فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «عَرِّفْهَا حَوْلًا» حِينَ سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَ: إنِّي وَجَدْت لُقَطَةً فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً وَرَوَيْنَا عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ أَمَرَ بِتَعْرِيفِ الْبَعِيرِ الضَّالِّ.
ثُمَّ نَقُولُ: الْكَلَامُ فِي التَّعْرِيفِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ مَكَانِ التَّعْرِيفِ أَمَّا مُدَّةُ التَّعْرِيفِ: فَيَخْتَلِفُ قَدْرُ الْمُدَّةِ لِاخْتِلَافِ قَدْرِ اللُّقَطَةِ إنْ كَانَ شَيْئَا لَهُ قِيمَةٌ تَبْلُغُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا يُعَرِّفُهُ حَوْلًا، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةٍ يُعَرِّفُهُ أَيَّامًا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللقطة
٩٣٩ - مسألة؛ قال: (ومن وجد لقطة، عرفها سنة في الأسواق، وأبواب المساجد)
٩٣٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، عَرَّفَها سَنَةً في الأسْواقِ، وأبْوابِ الْمَسَاجِدِ)
وجُمْلَتُه أنَّ في التَّعْرِيفِ سِتَّةَ فُصُولٍ؛ في وُجُوبِه، وقَدْرِه، وزَمَانِه، ومَكَانِه، وكَيْفيَّتِه، ومن يَتَوَلَّاهُ. أمَّا وُجُوبُه، فإنَّه واجِبٌ على كلِّ مُلْتَقِطٍ، سواءٌ أرادَ تَمَلُّكَها أو حِفْظَها لِصَاحِبِها. وقال الشافِعِيُّ: لا تَجِبُ على من أرَادَ حِفْظَها لِصَاحِبِها. ولَنا، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ به زَيْدَ بن خالِدٍ ، وأُبَيَّ بن كَعْبٍ ، ولم يُفَرِّقْ، ولأنَّ حِفْظَها لِصَاحِبِها إنَّما يُقَيَّدُ بإيصَالِها إليه. وطَريقُه التَّعْريفُ ، أما بَقَاؤُها في يَدِ المُلْتَقِطِ من غيرِ وُصُولِها إلى صاحِبِها، فهو وهَلَاكُها سِيَّان، ولأنَّ إمْساكَها من غيرِ تَعْرِيفٍ، تَضْيِيعٌ لها عن صاحِبِها، فلم يَجُزْ، كَرَدِّها إلى مَوْضِعِها، أو إلْقائِها في غيرِه، ولأنَّه لو لم يَجِب التَّعْرِيفُ، لما جازَ الالْتِقَاطُ؛ لأنَّ بَقَاءَها في مَكانِها إذًا أقْرَبُ إلى وُصُولِها إلى صَاحِبِها، إمَّا بأن يَطْلُبَها في المَوْضِعِ الذي ضاعَتْ فيه فيَجِدَها، وإمَّا بأن يَجِدَها مَن يَعْرِفُها، وأَخْذُ هذا لها يُفَوِّتُ الأمْرَيْنِ، فيَحْرُمُ، فلما جازَ الالْتِقاطُ وَجَبَ التَّعْرِيفُ، كيلا يَحْصُلَ هذا الضَّرَرُ. ولأنَّ التَّعْرِيفَ واجِبٌ على مَن أرادَ تَمَلُّكَهَا، فكذلك على مَن أرادَ حِفْظَها، فإنَّ التَّملُّكَ غيرُ واجِبٍ، فلا تَجِبُ الوَسِيلَةُ إليه، فيَلْزَمُ أن يكونَ الوُجُوبُ في المَحَلِّ المُتَّفَقِ عليه، لِصِيَانَتِها عن الضَّيَاعِ عن صَاحِبِها، وهذا مَوْجُودٌ في مَحَلِّ النِّزَاعِ.
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.