الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > الحالة الأولى: أن يجدها في الصحراء أو مهلكة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةإلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا هل يَغرمُها لصاحِبها إذا أكَلَها أم لا؟ وهذا له حالَتانِ: بعدَ إِجماعِهم على أنَّ مالِكَها لو جاءَ قبلَ أنْ يَأكلَها الواجِدُ أخَذَها منه (١).
الحالةُ الأُولى: أنْ يَجدَها في الصَّحراءِ أو مَهلَكةٍ:
فذهَبَ جَماهيرُ أَهلِ العِلمِ الحَنفيةُ وسحنُونٌ وابنُ عبدِ البرِّ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ وغيرِهم إلى أنَّه متى أرادَ أَكلَها حفِظَ صِفتَها، فمتى جاءَ صاحِبُها غَرمَها له؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَو يا رَسولَ اللَّهِ فكيفَ تَرى في ضالَّةِ الغَنمِ؟ قالَ: «طَعامٌ مَأكولٌ لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ احبِسْ على أَخيك ضالَّتَه» (٢)، ففيه دَليلٌ على أنَّ الشَّاةَ على مِلكِ صاحِبِها، ولأنَّها لُقطةٌ لها قِيمةٌ، وتَتبعُها النَّفسُ فتَجبُ غَرامتُها لصاحِبِها إذا جاءَ كغيرِها، ولأنَّها مِلكٌ لصاحِبِها فلَم يَجزْ تَملكُها عليه بغيرِ عِوضٍ مِنْ غيرِ رِضاه، كما لو كانَت بينَ البُنيانِ، ولأنَّها عينٌ يَجبُ ردُّها معَ بَقائِها، فوجَبَ غُرمُها إذا أتلَفَها كلُقطةِ الذَّهبِ، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ: «هي لك» لا يَمنعُ وُجوبَ غَرامتِها، فإنَّه قد أذِنَ في لُقطةِ الذَّهبِ والوَرِقِ بعدَ تَعريفِها في أَكلِها وإِنفاقِها وقالَ: «كسائِرِ مالِكِ» ثُم أجمَعْنا على وُجوبِ غَرامتِها، كذلك الشَّاةُ.
(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٥٥١).
(٢) رواه البيهقي (١١٨٤٨)، والدارقطني (٤٦٢٧)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٢/ ١٥٩).
وليسَ قولُه ﷺ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» على مَعنى التَّمليكِ، كما أنَّه إذا قالَ: أو للذِّئبِ لَم يُردْ به التَّمليكَ؛ لأنَّ الذِّئبَ لا يَملِكُ، وإنَّما يَأكلُها على مِلكِ صاحِبِها، فيَنزلُ على أَجرِ مُصيبِها، فكذلك الواجِدُ إنْ أكَلَها أكَلَها على مِلكِ صاحِبِها، فإنْ جاءَ ضمِنَها له.
وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ صاحِبَها لو جاءَ قبلَ أنْ يَأكلَها الواجِدُ له أَخذُها مِنه، وكذلك لو ذبَحَها أخَذَها مِنه مَذبوحةً، وكذلك لو أكَلَ بَعضَها أخَذَ ما وجَدَ مِنها، فدَلَّ على أنَّها على مِلكِ صاحِبِها في الفَلواتِ وغيرِها، ولا يَزولُ مِلكُه عنها إلا بإِجماعٍ، ولا فَرقَ بينَ قولِه في الشَّاةِ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» وبينَ قَولِه في اللُّقطةِ: «فشَأنَك بها»، بل هذا أَشبهُ بالتَّمليكِ؛ لأنَّه لَم يُشركْ معَه في لَفظِ التَّمليكِ ذِئبًا ولا غيرَه.
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: وقد أجمَعَ عُلماءُ المُسلمِينَ في اللُّقطةِ أنَّ واجِدَها يَغرَمُها إذا استهلَكَها بعدَ الحَولِ إنْ جاءَ صاحِبُها طالِبًا لها، فالشَّاةُ أَولى بذلك قِياسًا ونَظرًا.
وقد شبَّه بعضُ المُتأخِّرينَ مِنْ أَصحابِنا الشَّاةَ المَوجودةَ بالفَلاةِ بالرِّكازِ، وهذه غَفلةٌ شَديدةٌ؛ لأنَّ الرِّكازَ لَم يَصحْ عليه مِلكٌ لأَحدٍ قبلَ واجِدِه، والشَّاةُ مِلكُ ربِّها لها صَحيحٌ مُجتَمعٌ عليه، فلا يَزولُ مِلكُه عنها إلا بإِجماعٍ مِثلِه أو سُنةٍ لا إِشكالَ فيها، وهذا مَعدومٌ في هذه المَسألةِ فوجَبَ الضَّمانُ فيها.
وقد قالَ سحنُونٌ [في المُستَخرَجة]: إنْ أكَلَ الشَّاةَ واجِدُها بالفَلاةِ أو تَصدَّقَ بها ثُم جاءَ صاحِبُها ضمِنَها له، وهذا هو الصَّحيحُ وباللهِ التَّوفيقِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّه إذا وجَدَها في الصَّحراءِ ولَم يَستطعْ نَقلَها إلى العُمرانِ جازَ له أَكلُها ولا غُرمَ عليه لصاحِبِها ولا تَعريفَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» وفي رِوايةٍ: «خُذْها؛ فإنَّما هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» وهذا تَنبيهٌ يَدلُّ على أنَّها في حُكمِ المُتلَفةِ، وذلك يَنفي تَعلقَّ الضَّمانِ بها، ولأنَّه لما جازَ له أَخذُها ولَم يُكلَّفْ سوقَها لَم يَجزْ أنْ يُشترطَ عليه الضَّمانُ، ولأنَّ الضَّمانَ إنَّما يَكونُ فيما له قِيمةٌ حالَ وُجودِه بعدَ التَّعريفِ؛ فلَم يَبقَ إلا سُقوطُ الضَّمانِ.
ولَم يُوجبْ فيها تَعريفًا ولا غُرمًا، ولأنَّه سوَّى بينَه وبينَ الذِّئبِ، والذِّئبُ لا يُعرِّفُ ولا يَغرَمُ.
فإنْ تَيسرَ حَملُها وجَبَ عليه حَملُها وتَعريفُها، فإنْ حمَلَها حيَّةً وجَبَ عليه تَعريفُها، وعلى ربِّها أُجرةُ حَملِها، وإنْ حمَلَها مَذبوحةً فربُّها أحقُّ بها إنْ علِمَ قبلَ أَكلِها، وعليه أُجرةُ حَملِها (٢).
(١) «الاستذكار» (٧/ ٢٥٣)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٥٥٠، ٥٥١)، و «فتح الباري» (٥/ ٨٣)، و «المغني» (٦/ ٢٨، ٣٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٠٣، ٣٠٤).
(٢) «الإشراف» (٣/ ٢٦٩، ٢٧٠)، رقم (١١١٢)، و «المعونة» (٢/ ٢٢٦)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٤٠، ٤١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤١)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٦٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٣٠، ٥٣١).
قالَ ابنُ رشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا ضالَّةُ الغَنمِ فإنَّ العُلماءَ اتَّفقُوا على أنَّ لواجِدِ ضالةِّ الغَنمِ في المَكانِ القَفرِ البَعيدِ مِنْ العُمرانِ أنْ يَأكلَها؛ لقَولِه عليه الصلاة والسلام في الشَّاةِ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» (١).
واختلَفُوا هل يَضمنُ قِيمتَها لصاحِبِها أم لا؟ فقالَ جُمهورُ العُلماءِ إنَّه يَضمنُ قِيمتَها، وقالَ مالِكٌ في أَشهرِ الأَقاويلِ عنه إنَّه لا يَضمنُ.
وسَببُ الخِلافِ مُعارضةُ الظاهِرِ كما قُلنا للأَصلِ المَعلومِ مِنْ الشَّريعةِ، إلا أنَّ مالِكًا هنا غلَّبَ الظاهِرَ فجَرى على حُكمِ الظاهِرِ، ولَم يَجزْ كذلك التَّصرُفُ فيما وجَبَ تَعريفُه بعدَ العامِ لقُوةِ اللَّفظِ ههنا.
وعنه رِوايةٌ أُخرى أنَّه يَضمنُ، وكذلك كلُّ طَعامٍ لا يَبقى إذا خُشيَ عليه التَّلفُ إنْ ترَكَه (٢).
قالَ ابنُ بَطالٍ: والحُجةُ لمالِكٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أذِنَ في أَكلِ الشَّاةِ، وأَقامَ الذي وجَدَها مقامَ ربِّها، وقالَ: «لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» فإذا أكَلَها بإِذنِ النَّبيِّ ﷺ لَم يَجزْ أنْ يَغرمَ في حالٍ ثانٍ إلا بحُجةٍ مِنْ كِتابٍ أو سُنةٍ أو إِجماعٍ، قالُوا: وهذا أَصلٌ في كلِّ ما يوجدُ مِنْ الطَّعامِ الذي لا يَبقى ويُسرعُ إليه الفَسادُ، فلمَن وجَدَه أكلُه إذا لَم يُمكنْه تَعريفُه ولا يَضمنُه؛ لأنَّه في مَعنى الشَّاةِ، والشَّاةُ في حُكمِ المُباحِ الذي لا قِيمةَ له، ألا تَرى أنَّ النَّبيَّ عليه السلام وجَدَ تَمرةً فقالَ: «لولا أنِّي أَخشى أنْ تَكونَ مِنْ
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٠، ٢٣١).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٦٠، ٢٣١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللقطة
٩٤٩ - مسألة؛ قال: (ولا يتعرض لبعير، ولا لما فيه قوة يمنع عن نفسه)
في ضَالَّةِ الغَنَمِ: "خُذْهَا، فإنَّما هِىَ لَكَ، أو لِأَخِيكَ، أو لِلذِّئْبِ" . وهذا تَجْوِيزٌ لِلأَكلِ، فإذا جازَ فيما هو مَحْفُوظٌ بِنَفْسِه، ففيما يَفْسُدُ بِبَقَائِه أَوْلَى.
٩٤٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَتَعَرَّضُ لِبَعِيرٍ، وَلَا لِمَا فيهِ قُوَّةٌ يَمْنَعُ عَنْ نَفْسِهِ)
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.