الحالة الثانية: أن يأتي بعلامة ويصفها بصفاتها دون البينة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > الحالة الثانية: أن يأتي بعلامة ويصفها بصفاتها دون البينة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يأتي بعلامة ويصفها بصفاتها دون البينة - الأقوال والأدلة

وفي رِوايةٍ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَفَ عِفاصَها وعَددَها ووِكاءَها فأَعطِها إياه، وإلا فهي لك» (١).

الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَأتيَ بعَلامةٍ ويَصفَها بصِفاتِها دونَ البَينةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ يَأتِي بعَلامةٍ ولَم يَأتِ ببَينةٍ، هل يَجبُ دَفعُ اللُّقطةِ له أم لا يَجبُ؟ وهل يَجوزُ الدَّفعُ بالعَلامةِ دونَ البَينةِ أم لا يَجوزُ؟

فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ البَينةُ، بل تَكفِي العَلامةُ، ويَجبُ على مَنْ أَتى بعَلامةٍ أنْ تُدفعَ إليه.

قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: واختلَفُوا في دَفعِ اللُّقطةِ إلى مَنْ جاءَ بالعَلامةِ دونَ بَينةٍ، فقالَ مالِكٌ: تُستحَقُّ بالعَلامةِ، قالَ ابنُ القاسِمِ: ويُجبَرُ على دَفعِها إليه، فإنْ جاءَ مُستحَقٌّ فاستَحقَّها ببِينةٍ لَم يَضمنْ المُلتقِطُ شيئًا. قالَ مالِكٌ: وكذلك اللُّصوصُ إذا وُجدَ معَهم أَمتعةٌ فجاءَ قَومٌ فادَّعَوها وليسَت لهم بَينةٌ أنَّ السُلطانَ يَتلوَّمُ في ذلك، فإنْ لَم يأتِ غيرُهم دفَعَها إليهم، وكذلك الآبِقُ، وهو قَولُ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ والحَسنِ بنِ حيٍّ أنَّها تُدفَعُ لمَن جاءَ بالعَلامةِ، والحُجةُ لمَن قالَ بهذا القَولِ قَولُه : «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها وعِدتَها، فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَفَها فادفَعْها إليه» وهذا نصٌّ في مَوضعِ الخِلافِ يَوجبُ طَرحَ ما خالَفَه (٢).

(١) أخرجه مسلم (١٧٢٢).
(٢) «التمهيد» (٣/ ١٢٠).

وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: إذا جاءَ طالِبُ اللُّقطةِ وأَعطى عَلامةَ العِفاصِ والوِكاءِ دُفعَت إليه بغيرِ بَينةٍ.

وقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: لا تُدفعُ إلا ببَينةٍ.

فدَليلُنا قَولُه للذي سأَلَه عن اللُّقطةِ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَّفَ عِفاصَها ووِكاءَها فادفَعْها إليه» ورُويَ: «فإنْ جاءَ باغِيها فادفَعْها إليه»، ولأنَّ البَيِّناتِ تَترتبُ في الأُصولِ على حسبِ الأَحوالِ المَشهودِ فيها وما تَدعو الحاجَةُ إليه، فيُجوزُ في الضَّرورةِ ما لا يَجوزُ في غيرِها، وفي هذا المَوضعِ تَدعو الضَّرورةُ إلى ذلك؛ لأنَّ البَينةَ لا تَقوَى على ما يَضيعُ، ولا على صِفةِ أَموالِهم في كلِّ حالٍ، فلو كلَّفنَاهم البَينةَ لأدَّى إلى تَركِ انتِفاعِ النَّاس بأَموالِهم (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ جاءَ ربُّها فوصَفَها له بصِفاتَها المَذكورةِ ولو بعدَ الحَولِ دُفعَت إليه بلا بَينةٍ، وسَواءٌ غلَبَ على ظنِّه صِدقُه أو لَم يَغلبْ؛ لأنَّ في حَديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ قالَ: «اعلَمْ عِدتَها، ووِعاءَها، ووِكاءَها، فإنْ جاءَ أَحدٌ يُخبرُك بعِدتِها، ووِعائِها، ووِكائِها، فأَعْطِها إياه، وإلا فاستَمتِعْ بها» رَواه أَحمدُ ومُسلمٌ والتِّرمِذيُّ.

وفي حَديثِ زَيدٍ: «فإنْ جاءَ طالِبُها يَومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه» وفي رِوايةٍ فيه: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَفَ عِفاصَها وعَددَها ووِكاءَها فأَعْطِها إياه،

(١) «الإشراف» (٣/ ٢٦٦، ٢٦٧)، رقم (١١٠٩).

وإلا فهي لك» (١). يَعني إذا ذكَرَ صِفاتَها؛ لأنَّ ذلك هو المَذكورُ في صَدرِ الحَديثِ، ولَم يَذكرْ البَينةَ في شيءٍ مِنْ الحَديثِ، ولو كانَت شَرطًا للدَّفعِ لَم يَجزْ الإِخلالُ به، ولا أمَرَ بالدَّفعِ بدونِه، ولأنَّ إِقامةَ البَينةِ على اللُّقطةِ تَتعذرُ؛ لأنَّها إنَّما سقَطَت حالَ الغَفلةِ والسَّهوِ فتَوقيفُ دَفعِها مَنعٌ لوُصولِها إلى صاحِبِها أَبدًا، وهذا يُفوتُ مَقصودَ الالتِقاطِ ويُفضي إلى تَضييعِ أَموالِ النَّاسِ، وما هذا سَبيلُه يُسقطُ اعتِبارَ البَينةِ فيه كالإِنفاقِ على اليَتيمِ.

وقَولُ النَّبيِّ : «البَينةُ على المُدعِي» يَعني إذا كانَ ثَم مُنكِرٌ؛ لقَولِه في سِياقِه: «واليَمينُ على مَنْ أَنكرَ» ولا مُنكِرَ ها هنا، على أنَّ البَينةَ تَختلفُ، وقد جعَلَ النَّبيُّ بَينةَ مُدعي اللُّقطةِ وَصفَها، فإذا وصَفَها فقد أَقامَ بَينتَه، وقِياسُ اللُّقطةِ على المَغصوبِ غيرُ صَحيحٍ، فإنَّ النِّزاعَ ثَم في كَونِه مَغصوبًا والأَصلُ عَدمُه، وقَولُ المُنكِرِ يُعارضُ دَعواه، فاحتِيجَ إلى البَينةِ، وها هنا قد ثبَتَ كَونُ هذا المالُ لُقطةً وأنَّ له صاحِبًا غيرَ مَنْ هو في يدِه، ولا مُدعيَ له إلا الواصِفُ، وقد ترجَّحَ صِدقُه فيَنبَغي أنْ يُدفعَ إليه (٢).

وقالَ الحَنفيةُ: إذا حضَرَ رَجلٌ فادَّعى اللُّقطةَ لَم تُدفعْ إليه حتى يُقيمَ البَينةَ؛ لأنَّه مُدَّعٍ فلا يُصدَّقُ بغيرِ بَينةٍ، ولأنَّ اليدَ حقٌّ مَقصودٌ كالمُلكِ فلا يُستحقُّ إلا بحُجةٍ، وهو البَينةُ اعتِبارًا بالمُلكِ، إلا أنَّه يَحلُّ له الدَّفعُ

(١) أخرجه مسلم (١٧٢٢).
(٢) «المغني» (٦/ ١٢، ١٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢١٨).

عندَ إِصابةِ العَلامةِ؛ لقَولِه عليه الصلاة والسلام: «فإنْ جاءَ صاحِبُها وعرَّفَ عِفاصَها وعَددَها فادفَعْها إليه»، وهذا للإِباحةِ؛ عَملًا بالمَشهورِ وهو قَولُه عليه الصلاة والسلام: «البَينةُ على المُدعِي … » الحَديثُ.

فإنْ أَعطى عَلامتَها حَلَّ للمُلتقِطِ أنْ يدفَعَها إليه، ولا يُجبَرُ على ذلك في القَضاءِ، ويأَخذُ مِنه كَفيلًا إذا كانَ يَدفعُه إليه استِيثاقًا، وهذا بلا خِلافٍ؛ لأنَّه يَأخذُ الكَفيلَ لنَفسِه.

وإذا صدَّقَه قيلَ لا يُجبَرُ على الدَّفعِ كالوَكيلِ بقَبضِ الوَديعةِ إذا صدَّقَه.

وقيلَ يُجبَرُ؛ لأنَّ المالِكَ ها هنا غيرُ ظاهِرٍ، والمُودِعُ مالِكٌ ظاهِرًا.

والعَلامةُ: أنْ يُسمِّيَ وَزنَ الدَّراهمِ، وعَددَها، ووِكاءَها، ووِعاءَها.

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: إذا جاءَ صاحِبُها وأَقامَ البَينةَ أنَّها مِلكُه أخَذَها؛ لقَولِه : «مَنْ وجَدَ عَينَ مالِه فهو أَحقُّ به».

وإنْ لمْ يُقمِ البَينةَ ولكنَّه ذكَرَ العَلامةَ، بأنْ وصَفَ عِفاصَها ووِكاءَها ووَزنَها وعَددَها لَم يَجبْ الدَّفعُ إليه لأنَّه مُدَّعٍ، فلا يُصدَّقُ بغيرِ بَينةٍ، إلا أنَّه يَحلُّ للمُلتقِطِ أنْ يَدفعَ إليه، وإنْ شاءَ أخَذَ مِنه كَفيلًا؛ لأنَّ الدَّفعَ بالعَلامةِ مما قد ورَدَ به الشَّرعُ في الجُملةِ كما في اللَّقيطِ، إلا أنَّه هناك يُجبَرُ على الدَّفعِ وهنا لا يُجبَرُ؛ لأنَّه هناك يُجبَرُ على الدَّفعِ بمُجردِ الدَّعوَى فمعَ العَلامةِ أَولَى، وهنا لا عِبرةَ بمُجردِ الدَّعوَى بالإِجماعِ، فجازَ أنْ يُجبَرَ على الدَّفعِ معَ العَلامةِ، ولكنْ يَحلُّ له الدَّفعُ وله أنْ يَأخذَ كَفيلًا لجَوازِ مَجيءِ آخرَ فيَدَّعيَها ويُقيمُ البَينةَ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٩٦)، و «العناية» (٨/ ٢١٤).

وقالَ الشافِعيةُ: إذا ادَّعَى اللُّقطةَ رَجلٌ مثلًا ولَم يَصفْها بصِفاتِها السابِقةِ ولا بَينةَ له بها مما يُثبتُ بها المُلكَ كالشاهِدِ واليَمينِ ولَم يَعلمْ المُلتقِطُ أنَّها له لَم يَجزْ دَفعُها إليه؛ لحَديثِ: «لو أُعطيَ النَّاسُ بدَعواهم … »، فإنْ أَقامَ بَينةً بذلك أو علِمَ أنَّها له وجَبَ عليه دَفعُها إليه، وعليه العُهدةُ لا إنْ ألزَمَه بتَسليمِها بالوَصفِ حاكِمٌ.

وإذا وصَفَها مُدَّعيها وهو واحِدٌ بما يُحيطُ بجَميعِ صِفاتِها وظنَّ مُلتقَطُها صَدقَه جازَ له الدَّفعُ إليه جَزمًا؛ عَملًا بظنِّه، بل نصَّ الشافِعيُّ على استِحبابِه، ولا يَجبُ على المَذهبِ؛ لأنَّه مُدَّعٍ يَحتاجُ إلى بَينةٍ كغيرِه، ومُتهَمٌ باحتِمالِ سَماعِه لوَصفِها مِنْ نَحوِ مالِكِها.

وفي وَجهٍ: يَجبُ؛ لأنَّ إِقامةَ البَينةِ عليها قد تُعسَرُ.

أمَّا إذا وصَفَها جَماعةٌ فقالَ القاضِي أَبو الطَّيبِ: أجمَعْنا على أنَّها لا تُسلَّمُ إليهم.

وأمَّا إذا لَم يُظنُّ صِدقُه فإنَّه لا يَجبُ الدَّفعُ اتِّفاقًا، ولا يَجوزُ على المَشهورِ، ولو قالَ له المالِكُ تَعلمُ أنَّها لي فله أنْ يَحلفَ أنَّه لا يَعلمُ ذلك.

فإنْ دفَعَ اللُّقطةَ لواصِفِها بمُجردِ الوَصفِ مِنْ غيرِ إِجبارِ حاكِمٍ يَراه فأَقامَ آخرُ بَينةً بأنَّها مِلكُه وأنَّها لا تُعلِمُ أنَّها انتقَلَت مِنه حُوِّلَت مِنْ الأَولِ إليه؛ لأنَّ البَينةَ حَجةٌ تُوجبُ الدَّفعَ فقُدِّمَت على الوَصفِ المُجردِ.

فإنْ تلِفَت عندَ الواصِفِ اللُّقطةُ فلصاحِبِ البَينةِ تَضمينُ المُلتقِطِ؛ لأنَّه سلَّمَ ما لَم يَكنْ له تَسليمُه، أمَّا إذا ألزَمَه بالدَّفعِ حاكِمٌ يَراه فلا ضَمانَ عليه؛

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
باب الكلام الذي ينعقد به النكاح والخطبة قبل العقد من الجامع من كتاب التعريض بالخطبة، ومن ك

بَابُ الْكَلَامِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ وَالْخِطْبَةُ قبل العقد من الجامع من كتاب التعريض بالخطبة، ومن كتاب ما يحرم الجمع بينه

قال الشافعي رحمه الله: " أسمى الله تبارك وتعالى النِّكَاحَ فِي كِتَابِهِ بِاسْمَيْنِ النِّكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ وَدَلَّتِ السنة على أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِمَا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ وَلَمْ نجد في كتابٍ ولا سنةٍ إِحْلَالَ نكاحٍ إِلَّا بنكاحٍ أَوْ تزويجٍ وَالْهِبَةُ لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مجمعٌ أن ينعقد له بها النكاح بِأَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لَهُ بِلَا مهرٍ، وَفِي هذا دلالةٌ على أنه لا يجوز النكاح إلا باسم التزويج أو النكاح " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ النِّكَاحُ لَا ينعقد إلا بصريح اللفظ دون كتابته، وَصَرِيحُهُ لَفْظَانِ: زَوَّجْتُكَ، وَأَنْكَحْتُكَ فَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إلا بهما سواء ذُكِرَ فِيهِ مَهْرًا أَوْ لَمْ يُذْكَرْ.

وَقَالَ أبو حنيفة: ينعقد النكاح بالكتابة كَانْعِقَادِهِ بِالصَّرِيحِ، فَجَوَّزَ انْعِقَادَهُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، والتمليك ولم يجزه بالإحلال والإباحة، واختلف الرواة عَنْهُ فِي جَوَازِهِ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، وَسَوَاءً ذَكَرَ الْمَهْرَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 256 - 260

ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله