الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > الخصلة الثانية: أن يمسكها على صاحبها وينفق عليها من ماله ولا يتملكها إلا بعد مدة التعريف كغيره
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالصَّدقةِ لأكَلتُها» (١). فإنَّما نبَّهَ أنَّه يَجوزُ أَكلُها مِنْ مِلكِ الغيرِ لو لَم تَكنْ مِنْ الصَّدقةِ؛ لأنَّها في مَعنى التافِهِ، فكذلك الشَّاةُ في الفلاةِ لا قِيمةَ لها (٢).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَجدَها في البُنيانِ أو القَريةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وجَدَها في البُنيانِ أو القَريةِ هل يَجوزُ له أَكلُها أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصحِّ وابنُ المُنذرِ إلى أنَّه إذا وجَدَها في المِصرِ ليسَ له أَكلُها؛ لأنَّه يُمكنُ بيعُها بخِلافِ الصَّحراءِ، فإنَّه قد لا يَجدُ فيها مَنْ يَشتريَها بخِلافِ العُمرانِ، ويَشقُّ النَّقلُ إليه.
وذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ إلى أنَّه لا فرقَ في إِباحةِ أَكلِها بينَ وجدانِها في الصَّحراءِ أو في المِصرِ؛ لأنَّه لمَّا جازَ أَكلُها في الصَّحراءِ أُبيحَ في المِصرِ كسائِرِ المَأكولاتِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «هي لك» ولَم يُفرقْ، ولأنَّ أكلَها معلَّلٌ بما ذكَرْنا مِنْ الاستِغناءِ عن الإِنفاقِ عليها، وهذا في المِصرِ أشدُّ مِنه في الصَّحراءِ (٣).
الخَصلةُ الثانيةُ: أنْ يُمسكَها على صاحِبِها ويُنفقَ عليها مِنْ مالِه ولا يَتملكُها إلا بعدَ مدةِ التَّعريفِ كغيرِه.
إلا أنَّه إنْ أَحبَّ أنْ يُنفقَ عليها مُحتسبًا بالنَّفقةِ على مالِكِها وأشهَدَ على
(١) أخرجه البخاري (٢٢٩٩)، ومسلم (١٠٧١).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٥٥٠، ٥٥١).
(٣) «المغني» (٦/ ٢٩).
ذلك فهل له أنْ يَرجعَ بالنَّفقةِ؟ على رِوايتينِ عندَ الحَنابِلةِ:
قالَ ابنُ قُدامةَ: إِحداهما: يَرجعُ به، نصَّ عليه في رِوايةِ المَروذيِّ في طَيرةِ مَنٍّ أفرَخَت عندَ قومٍ، فقَضى أنَّ الفِراخَ لصاحِبِ الطَّيرةِ، ويَرجعُ بالعَلفِ إذا لَم يَكنْ مُتطوِّعًا، وقَضى عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ فيمَن وجَدَ ضالةً فأنفَقَ عليها وجاءَ ربُّها بأنَّه يَغرُمُ له ما أنفَقَ، وذلك لأنَّه أنفَقَ على اللُّقطةِ لحِفظِها فكانَ مِنْ مالِ صاحِبِها كمُؤنةِ الرُّطبِ والعِنبِ.
والرِوايةُ الثانيةُ: لا يَرجعُ بشيءٍ، وهو قَولُ الشَّعبيِّ والشافِعيِّ، ولَم يُعجِبْ الشَّعبيَّ قَضاءُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ؛ لأنَّه أنفَقَ على مالِ غيرِه بغيرِ إِذنِه فلَم يَرجعْ، كما لو بَنى دارَه، ويُفارقُ العِنبَ والرُّطبَ، فإنَّه ربَّما كانَ تَجفيفُه والإِنفاقُ عليه في ذلك أَحظَّ لصاحِبِه؛ لأنَّ النَّفقةَ لا تَتكررُ والحَيوانُ يَتكررُ الإِنفاقُ عليه، فربَّما استَغرقَ قِيمتَه فكانَ بَيعُه أو أَكلُه أَحظَّ، فلذلك لَم يَحتسبُ المُنفِقُ عليها بما أَنْفَقَ (١).
(١) «المغني» (٦/ ٢٩)، وقالَ ابنُ القيمِ رحمة الله عليه في «زاد المعاد»: الشاةُ إذا لم يَأتِ صاحبُها فهي ملكُ المُلتقطِ، واستَدلَّ بهذا بعضُ أَصحابِنا على أن الشاةَ ونحوَها مما يَجوزُ التِقاطُه يُخيرُ المُلتقطُ بينَ أكلِه في الحالِ وعليه قيمتُه وبينَ بيعِه وحفظِ ثمنِه وبينَ تركِه والإنفاقِ عليه من مالِه، وهل يَرجعُ به؟ على وَجهينِ؛ لأنه ﷺ جعَلَها له، إلا أن يَظهرَ صاحبُها، وإذا كانَت له خُيِّر بينَ هذه الثلاثةِ، فإذا ظهَرَ صاحبُها دفَعها إليه أو قيمتَها، وأما مُتقدِّمو أَصحابِ أحمدَ فعلى خلافِ هذا، قالَ أبو الحسينِ: لا يَتصرفُ فيها قبلَ الحولِ روايةً واحدةً، قالَ: وإن قُلنا يَأخذُ ما لا يَستقلُّ بنفسِه كالغنمِ فإنه لا يَتصرفُ بأكلٍ ولا غيرِه روايةً واحدةً، وكذلك قالَ ابنُ عَقيلٍ، ونصَّ أحمدُ في روايةِ أَبي =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= طالبٍ في الشاةِ يُعرِّفُها سنةً فإن جاءَ صاحبُها ردَّها إليه، وكذلك قالَ الشَّريفانِ: لا يَملكُ الشاةَ قبلَ الحولِ روايةً واحدةً، وقالَ أبو بكرٍ: وضالَّةُ الغنمِ إذا أخذَها يُعرِّفُها سنةً وهو الواجبُ، فإذا مضَت السَّنةُ ولم يُعرَف صاحبُها كانَت له، والأولُ أَفقهُ وأقربُ إلى مَصلحةِ المُلتقطِ والمالكِ؛ إذ قد يَكونُ تَعريفُها سنةً مُستلزِمًا لتَغريمِ مالكِها أَضعافَ قِيمتِها إن قلنا: يَرجعُ عليه بنَفقتِها، وإن قُلنا: لا يَرجعُ، استَلزمَ تَغريمَ المُلتقطِ ذلك، وإن قيلَ: يَدعُها ولا يَلتقطُها كانَت للذِّئبِ وتلِفَت، والشارعُ لا يَأمرُ بضَياعِ المالِ، فإن قيلَ: فهذا الذي رجَّحتُموه مُخالفٌ لنُصوصِ أَحمدَ وأَقوالِ أَصحابِه وللدَّليلِ أيضًا، أما مُخالفةُ نُصوصِ أَحمدَ فمما تَقدَّمَ حِكايتُه في روايةِ أبي طالبٍ، ونصَّ أيضًا في رِوايتِه في مُضطرٍ وجَدَ شاةً مَذبوحةً وشاةً مَيتةً قالَ: يَأكلُ من المَيتةِ ولا يَأكلُ من المَذبوحةِ، المَيتةُ أُحلَّت والمَذبوحةُ لها صاحبٌ قد ذبَحَها يُريدُ أن يُعرِّفَها، ويَطلبُ صاحبَها، فإذا أوجبَ إبقاءَ المَذبوحةِ على حالِها فإِبقاءُ الشاةِ الحيةِ بطريقِ الأَولى، وأما مُخالفةُ كَلامِ الأَصحابِ فقد تَقدمَ، وأما مُخالفةُ الدَّليلِ ففي حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو: «يا رَسولَ اللهِ كيفَ تَرى في ضالةِ الغنمِ؟ فقالَ: هي لك أو لأخِيك أو للذِّئبِ، احبسْ على أخِيك ضالتَه» وفي لفظٍ: «ردَّ على أخِيك ضالتَه»، وهذا يَمنعُ البيعَ والذبحَ.
قيلَ: ليسَ في نصِّ أحمدَ أكثرُ من التَّعريفِ، ومن يَقولُ إنه مُخيرٌ بينَ أكلِها وبيعِها وحفظِها لا يَقولُ بسُقوطِ التَّعريفِ، بل يُعرِّفُها مع ذلك، وقد عرَّف شِيَتَها وعلامَتَها، فإن ظهَرَ صاحبُها أَعطاه القِيمةَ، فقولُ أحمدَ «يُعرِّفُها» أعمُّ من تَعريفِها وهي باقيةٌ أو تَعريفِها وهي مَضمونةٌ في الذمةِ لمَصلحةِ صاحبِها ومُلتقطِها، ولا سيَّما إذا التَقطَها في السَّفرِ، فإنَّ في إِيجابِ تَعريفِها سنةً من الحرجِ والمَشقةِ ما لا يَرضى به الشارعُ، وفي تَركِها من تَعريضِها للإِضاعةِ والهلاكِ ما يُنافِي أمرَه بأخذِها وإخبارِه أنه إن لم يَأخذْها كانَت للذِّئبِ فيَتعينُ، ولا بدَّ: إما بيعُها وحفظُ ثمنِها وإما أكلُها وضَمانُ قِيمتَها أو مثلَها.
وأما مُخالفةُ الأَصحابِ فالذي اختارَ التَّخييرَ من أكبرِ أَئمةِ الأَصحابِ ومن يُقاسُ =
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللقطة
٩٤٨ - مسألة؛ قال: (وإذا وجد الشاة بمصر، أو بمهلكة، فهى لقطة)
مَلَكَها. وذَكَرَ القاضي، وأبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، رِوَايةً أخرى، أنَّه لا يَمْلِكُها. ولعلَّها الرِّوَايةُ التي مَنَعَ من الْتِقَاطِها فيها. ولَنا، قولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هِىَ لَكَ أو لأَخِيكَ" . فأضَافَها إليه بلَامِ التَّملُّكِ ، ولأنَّها يُبَاحُ الْتِقَاطُها، فمُلِكَتْ بالتَّعْرِيفِ، كالأَثْمانِ، ولأنَّ ذلك إجْمَاعٌ، حكاه ابنُ عبد البَرِّ.
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.