الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > الصورة الثانية: أن يعمل على وجود اللقطة ثم يعلم أن صاحبها قد جعل لمن وجدها جعلا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةبعَملٍ يَستحِقُّ به الأَجرَ، فلا يَجبُ الأَجرُ، وإنْ خصَّصَ بأنْ قالَ لرَجلٍ بعينِه: إنْ دَللتَني عليه فلك كذا، إنْ مَشى له ودلَّه يَجبُ أَجرُ المِثلِ في المَشيَ؛ لأنَّ ذلك عَملٌ يُستحَقُّ بعَقدِ الإِجارةِ، إلا أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ بقَدرٍ فيَجبُ أَجرُ المِثلِ، وإنْ دلَّه بلا مَشيٍ فهو والأوَّلُ سَواءٌ اه.
وبه ظهَرَ أنَّه هنا إن خصَّصَ فالإِجارةُ فاسِدةٌ؛ لكَونِ مَكانُ الردِّ غيرَ مُقدَّرٍ، فيَجبُ أَجرُ المِثلِ، وإنْ عُمِّمَ فباطِلةٌ ولا أَجرَ (١).
الصُّورةُ الثانِيةُ: أنْ يَعملَ على وُجودِ اللُّقطةِ ثُم يَعلمَ أنَّ صاحِبَها قد جعَلَ لمَن وجَدَها جُعْلًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ القائِلونَ بجَوازِ الجُعلِ، كما تقَدمَ فيما إذا جعَلَ ربُّ الضالَّةِ جُعلًا على مَنْ ردَّ عليه اللُّقطةَ فعمَلَ إِنسانٌ وأَتى بها قبلَ أنْ يَبلغَه الجُعلُ، هل يَستحقُّ الجُعلَ أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ وابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيةِ -على تَفصيلٍ عنه سبَقَ في الجُعالةِ- إلى أنَّ مَنْ قالَ: مَنْ ردَّ ضالَتيَ فله كذا فرَدَّه إِنسانٌ لَم يَبلغْه نِداؤُه ولا علِمَ بالجُعلِ أنَّه لا يَستحقُّ شَيئًا.
قالَ الشافِعيةُ: لو قالَ: مَنْ ردَّ آبِقي فله كذا فرَدَّه مَنْ لَم يَبلغْه نِداؤُه لَم يَستحقَّ شَيئًا؛ لأنَّه مُتبَرعٌ، فإنْ قصَدَ العِوضَ لاعتِقادَه أنَّ مِثلَ هذا العَملِ لا يُحبِط لَم يَستحقَّ أيضًا على المَذهبِ، ولا أَثرَ لاعتِقادِه (٢).
(١) «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٤/ ٢٨٠، ٢٨١).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٨٩)، و «البيان» (٧/ ٤١٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤٢)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشبرملسي» (٥/ ٥٣٥).
وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ فعَلَ العَملَ المُجاعَل عليه قبلَ أنْ يَبلغَه الجُّعلُ لَم يَستحقَّ الجُعلَ ولا شَيئًا مِنه؛ لأنَّه مُتبَرِّعٌ بعَملِه، وحرُمَ عليه أَخذُه؛ لأنَّه مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ، إلا إنْ تبَرَّعَ له به ربُّه بعدَ إِعلامِه بالحالِ، وسَواءٌ رَدَّه قبلَ بُلوغِ الجُعلِ أو بعدَه؛ إذ الجُعلُ في مُقابلَةِ العَملِ لا التَّسليمِ، أي: سلَّمَ المَردودَ ونَحوَه (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ المالِكُ: مَنْ أَتى بعَبدِي الآبقِ أو بَعيريَ الشارِدِ فله كذا، فجاءَ به شَخصٌ لَم يَسمعْ كَلامَه، لكنَّ عادتَه طَلبُ الضَّوالِّ والإِباقِ، فإنَّه يَستحقُّ جُعلَ مِثلِه، سَواءٌ كانَ جُعلُ مِثلِه مِثلَ المُسمَّى أو أقلَّ أو أكثرَ مِنه.
فإذا تَخالَفا بعدَ تَمامِ العَملِ في قَدرِ الجُعلِ ولَم يُشبِها فإنَّهما يَتحالَفانِ، ويُرَدُّ العامِلُ إلى جُعلِ مِثلِه، ومَن أَشبَه فالقَولُ قَولُه، وإنْ أشبَها معًا مثلَ ما إذا أَشبَه العامِل فيَكونُ القولُ قولَه، ونُكولُهما كحِلفِهما، ويُقضى للحالِفِ على الناكِلِ.
ولمَن لَم يَسمعْ قولَ المالِكِ «مَنْ جاءَني بعَبدِيَ الآبِقِ فله كذا» فجاءَ به شَخصٌ ليسَ مِنْ عادَتِه طَلبُ الضَّوالِّ والإِباقِ فإنَّه لا جُعلَ له، وليسَ له إلا النَّفقةُ فقط أي: نَفقةُ الآبِقِ، أي: ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأكلٍ ومَركبٍ ولِباسٍ، لا نَفقتَه على نَفسِه ودابتِه مثلًا في زَمنِ تَحصيلِه (٢).
(١) «المغني» (٦/ ٢٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٥٠)، و «الروض المربع» (٢/ ١٥٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٨١)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٠٨).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٣٥)، و «المختصر الفقهي» (١٢/ ٣٦٥، ٣٦٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٦٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٤٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٠٧، ١٠٨).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللقطة
٩٤٥ - مسألة؛ قال: (وإن كان صاحبها جعل لمن وجدها شيئا معلوما، فله أخذه إن كان التقطها بعد أ
لأنَّ الأصْلَ بقاؤُها إلى ما بعدَ الحَوْلِ، ودُخُولُها في مِلْكِه، ووُجُوبُ بَدَلِها عليه. فإن قيل: فقد قُلْتُم إنَّ صاحِبَها لو جاءَ بعد بَيْعِ المُلْتَقِطِ لها، أو هِبَتِه، لم يكُنْ له إلَّا بَدَلُها، فلِمَ قُلْتُم إنَّها إذا انْتَقَلَتْ إلى الوارِثِ يَمْلِكُ صاحِبُها أخْذَها؟ قُلْنا: لأنَّ الوارِثَ خَلِيفةُ المَوْرُوثِ، وإنَّما يَثْبُتُ له المِلْكُ فيها على الوَجْهِ الذي كان ثابتًا لِمَوْرُوثِه، ومِلْكُ مَوْرُوثِه فيها كان مُرَاعاةً مَشْرُوطًا بعَدَمِ مَجىءِ صاحِبِها، فكذلك مِلْكُ وارِثِه، بخِلَافِ مِلْكِ المُشْتَرِى والمُتَّهِبِ، فإنَّهما يَمْلِكَانِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا.
٩٤٥ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَ صَاحِبُهَا جَعَلَ لِمَنْ وَجَدَها شَيْئًا مَعْلُومًا، فَلَهُ أخْذُهُ إنْ كَانَ الْتَقَطَهَا بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ الجُعْلُ)
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
مسألة:
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَهُ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرُمَهُ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ مَا رَوَيْنَا فَاللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ. فَالضَّوَالُّ الْحَيَوَانُ لِأَنَّهُ يَضِلُّ بِنَفْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَاللُّقَطَةُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهَا لَهَا وَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تُوجَدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إِذَا ادَّعَاهَا.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ فَعَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خَرَابٍ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.
وَقَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ يَعْنِي مَمْلُوكَةً قَدِيمَةً سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَرُوِيَ فِي طَرِيقٍ مَأْتَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
الجملة الثانية في أحكام اللقطة
والثَّانِي: لَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا منْشِدٌ، فَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ أَنَّهَا لَا تُرْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يُنْشِدُهَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مَنْ يُنْشِدُهَا لِيُعَرِّفَ النَّاسَ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُعَرَّفُ هَاتَانِ اللُّقَطَتَانِ أَبَدًا
فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ: فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ.
وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا، وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الْإِبِلَ بِاتِّفَاقٍ.
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.