القسم الثاني: الجماد

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > القسم الثاني: الجماد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

القسم الثاني: الجماد - الأقوال والأدلة

القِسمُ الثانِي: الجَمادُ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يَجوزُ التِقاطُ غيرِ الحَيوانِ، وهو الجَمادُ كالنُّقودِ والثِّيابِ والطَّعامِ وغيرِها، وحُكمُها كما مرَّ بالتَّفصيلِ أنَّه يَجبُ تَعريفُها حَولًا ثُم يَتملكُها بعدَ الحَولِ، وإنْ جاءَ صاحِبُها فيَدفعُها إليه عِنْدَ عامَّةِ الفُقهاءِ، وقد تَقدمَ بيَانُ كلِّ هذا مُفصَّلًا.

التِقاطُ ما يُسرعُ إليه الفَسادُ كالطَّعامِ:

نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ المُلتقطَ إذا التقَطَ ما يُسرعُ إليه الفَسادُ مِنْ الطَّعامِ وغيرِه أنَّه يُعرِّفُه في المَكانِ الذي وجَدَه فيه، فإنْ خشِيَ عليه الفَسادَ أكَلَه أو باعَه وحفِظَ ثَمنَه.

قالَ الحَنفيةُ: إنْ كانَت اللُّقطةُ شَيئًا لا يَبقى كالأَطعمةِ المُعدَّةِ للأَكلِ كاللَّحمِ واللَّبنِ والفَواكهِ الرَّطبةِ ونحوِها عرَّفَه إلى أنْ يَخافَ فَسادَه، ثُم يَتصدقُ به خَوفًا مِنْ الفَسادِ، وفيه نَظرٌ لصاحِبِها دُنيا وأُخرى، وله أنْ يَنتفعَ بها لو فَقيرًا، فإنْ جاءَ صاحِبُها بعدَما تَصدقَ بها فهو بالخِيارِ، إنْ شاءَ أَمضى الصَّدقةَ وله ثَوابُها، وإنْ شاءَ ضمَّنَ المُلتقِطَ، وإنْ شاءَ ضمَّنَ المِسكينَ إذا هلَكَ في يدِه، وإذا كان قائِمًا أخَذَه.

قالَ القاضِي أَبو جَعفرَ: إنْ تصدَّقَ بإِذنِ القاضِي ليسَ له أنْ يُضمِّنَه. اه.

وأيُّهما ضمَّنَ المُلتقطَ أو المِسكينَ لا يَرجعُ واحِدٌ مِنهما على صاحِبِه بشيءٍ، ذكَرَه قاضِيخانُ وغيرُه (١).

(١) «مجمع الضمانات» (٤٦٥، ٤٦٦)، و «الهداية» (٣/ ٩١/ ٩٣)، و «الاختيار» (٣/ ٣٨)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٠٤)، و «اللباب» (١/ ٦٦٣).

أما المالِكيةُ فقد جاءَ في «المُدونة» (في لُقطةِ الطَّعامِ):

قلتُ: أرَأَيتَ إنْ التقَطتُ ما لا يَبقى في أَيدي النَّاسِ مِنْ الطَّعامِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: يَتصدقُ به أَعجبُ إليَّ. قلتُ: وإنْ كانَ شيئًا تافِهًا؟ قالَ: التافِهُ وغيرُ التافِهِ يَتصدقُ به أَعجبُ إلى مالِكٍ. قلتُ: فإنْ أكَلَه وأَتى صاحِبَه أو تَصدَّقَ به، أيَضمنُه؟ قالَ: لا يَضمنُه، مثلُ قَولِ مالِكٍ في الشَّاةِ يَجدُها في فَيافي الأَرضِ إلا أنْ يَجدَها مِنْ غيرِ فَيافي الأَرضِ. قلتُ: وهل كانَ مالِكٌ يُوقِّتُ في الطَّعامِ الذي كانَ يَخافُ عليه الفَسادَ وَقتًا في تَعريفِه؟ قالَ: لَم يَكنْ مالِكٌ يُوقِّتُ فيه وَقتًا (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه مُخيَّرٌ بينَ أَمرينِ إنْ كانَ يُسرِعُ فَسادُه ولا يُمكنُ تَجفيفُه، وإلا جفَّفَه.

قالَ الشافِعيةُ: إنِ التقَطَ ما يُسرِعُ فَسادُه كهَريسةٍ وعِنبٍ لا يَتزبَّبُ ورُطبٍ لا يَتتمَّرُ وكذا البُقولِ الرَّطبةِ والشِّواءِ تَخيرَ آخِذُه بينَ خَصلتينِ:

فإنْ شاءَ باعَه استِقلالًا إنْ لَم يَجدْ حاكِمًا وبإِذنِه إنْ وجَدَه، وعرَّفَ المَبيعَ بعدَ بيعِه ليَتملكَ ثَمنَه بعدَ التَّعريفِ، ولا يُعرِّفُ الثَّمنَ.

وإنْ شاءَ تَملكَه في الحالِ وأكَلَه وغرِمَ قِيمتَه، سَواءٌ أوجَدَه في مَفازةٍ أم عُمرانٍ؛ لأنَّه مُعرضٌ للهَلاكِ فيَتخيرُ فيه كالشَّاةِ. والبَيعُ أَولى بالاتِّفاقِ.

(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٧٥).

وقِيلَ إنْ وجَدَه في عُمرانٍ وجَبَ البَيعُ؛ لأنَّه مُتيسرٌ فيه فلا يَجوزُ الأَكلُ في هذه الحالَةِ بل يَتعينُ البَيعُ.

فإذا أكَلَه وجَبَ التَّعريفُ في العُمرانِ بعدَه، وإنْ كانَ في الصَّحراءِ فالظاهِرُ أنَّه لا يَجبُ.

وإنْ أمكَنَ بَقاءُ ما يُسرعُ فَسادُه بعِلاجٍ فيه كرَطبٍ يُمكنُ تَجفيفُه ولَبنٍ يَصيرُ أَقطًا فإنْ كانَت الغِبطةُ في بَيعِه بِيعَ جَميعُه بإذنِ الحاكِمِ إن وجَدَه وإلا استِقلالًا، أو كانَت الغِبطةُ في تَجفيفِه وتبَرَّعَ به الواجِدُ له أو غيرُه جفَّفَه؛ لأنَّه مالُ غيرِه فرُوعيَ فيه المَصلحةُ كوَليِّ اليَتيمِ، وإلا بِيعَ بَعضُه بقَدرٍ ما يُساوي التَّجفيفَ لتَجفيفِ الباقِي طَلبًا للأَحظِّ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: ما يُخشى فَسادُه بتَبقيَتِه كطَبيخٍ وبِطيخٍ وفَاكهةٍ وخَضرواتٍ ونَحوِها فيَلزمُ المُلتقطَ فِعلُ الأَحظِّ:

مِنْ أكلِه وعليه قِيمتُه.

ومِن بَيعِه ولو بلا إِذنِ حاكِمٍ وحِفظِ ثَمنِه؛ لأنَّ في كلٍّ مِنهما حِفظًا لمالِيَّتِه على ربِّه وكالحَيوانِ ولا يَجوزُ إِبقاؤُه لأنَّه يَتلفُ، فإنْ ترَكَ المُلتقطُ ما يَخشى فَسادَه بلا أَكلٍ ولا بَيعٍ حتى تلِفَ ضمِنَه؛ لأنَّه مُفرِّطٌ في حِفظِه فهو كالوَديعةِ.

فإنِ استَويا في نَظرِ المُلتقطِ خُيِّرَ بينَهما، فأيُّهما فعَلَ جازَ له.

(١) «النجم الوهاج» (٦/ ٢٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥١١، ٥١٢)، و «الديباج» (٢/ ٥٥٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
الجملة الثانية في أحكام اللقطة

والثَّانِي: لَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا منْشِدٌ، فَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ أَنَّهَا لَا تُرْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يُنْشِدُهَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مَنْ يُنْشِدُهَا لِيُعَرِّفَ النَّاسَ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُعَرَّفُ هَاتَانِ اللُّقَطَتَانِ أَبَدًا

فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ: فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ.

وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا، وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الْإِبِلَ بِاتِّفَاقٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 337 - 339

ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده