المسألة الثانية: قدر تعريف اللقطة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > المسألة الثانية: قدر تعريف اللقطة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

المسألة الثانية: قدر تعريف اللقطة - الأقوال والأدلة

المَسألةُ الثانِيةُ: قَدرُ تَعريفِ اللُّقطةِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ اللُّقطةَ إذا كانَت ذا بالٍ ولها قِيمةٌ تَبلغُ عَشرةَ دَراهمَ فصاعِدًا وجَبَ تَعريفُها حَولًا كامِلًا لخَبَرِ الصَّحيحينِ عن زَيدِ بنِ خالدٍ الجُهنِيِّ رضي الله عنه قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ فسأَلَه عن اللُّقطةِ فقالَ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فشَأنَك بها»، قالَ: فضالَّةُ الغَنمِ، قالَ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ»، قالَ فضالَّةُ الإِبلِ قالَ: «ما لك ولها معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَلقاها رَبُّها» (١).

فالنَّبيُّ أمَرَه بعامٍ واحِدٍ، ولأنَّ السَّنةَ لا تَتأخرُ عنها القَوافلُ ويَمضِي فيها الزَّمانُ الذي تُقصَدُ فيه البِلادُ مِنْ الحَرِّ والبَردِ والاعتِدالِ فصَلُحَت قَدرًا كمُدةِ أَجلِ العِنِّينِ.

ولأنَّ مَنْ ضاعَ مِنه شيءٌ .. ربَّما لَم يَتمكنْ مِنْ طَلبِه في الحالِ لشُغلٍ، أو لأنَّه لَم يَعلمْ إلا بعدَ زَمنٍ، أو لبُعدِه عن المَوضعِ الذي ضاعَ فيه، فلَم يَكنْ بدٌّ مِنْ مُدةٍ، فقُدِّرَت بسَنةٍ؛ لأنَّه يَمرُّ فيها الفُصولُ الأَربعةُ، ولأنَّ الغالِبَ ممَّن ضاعَ مِنه شيءٌ أنَّه يَتمكنُ مِنْ طَلبِه في سَنةٍ، فإذا لَم يوجَدْ له مالِكٌ .. فالظاهِرُ أنَّه لا مالِكَ له.

(١) أخرجه البخاري (٢٢٩٧)، ومسلم (١٧٢٢).

ولأنَّه لو لَم يُعرِّفْ سَنةً لضاعَت الأَموالُ على أَربابِها، ولو جعَلَ التَّعريفَ أَبدًا لامتَنعَ النَّاسُ مِنْ الالتِقاطِ، فكأنَّ في السَّنةِ نَظرًا للفَريقينِ معًا (١).

قالَ العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: فقد رُويَ «عن أُبيِّ بنِ كعبٍ: أنَّه قالَ: وجَدتُ صُرةً فيها مِائةُ دِينارٍ فأتَيتُ بها النَّبيَّ ، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» فعرَّفتُها، ثُم أتَيتُ النَّبيَّ ، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا»، ثُم أتَيتُه فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» فأمَرَه بتَعريفِها ثَلاثةَ أَحوالٍ»؟

قُلنا: عن ذلك أَجوِبةٌ:

أحدُها: أنَّ ابنَ المُنذِرِ قالَ: قد ثبَتَ الإِجماعُ بخِلافِ هذا الحَديثِ، فيُستدَلُّ بالإِجماعِ على نَسخِه.

وأيضًا فإنَّ له ثَلاثةَ تَأويلاتٍ:

أحدُها: أنَّه عرَّفَها حَولًا وقصَّرَ في تَعريفِها فأمَرَه أنْ يُعيدَ التَّعريفَ، فعرَّفَها حَولًا آخرَ وقصَّرَ في التَّعريفِ فأمَرَه أنْ يَأتيَ بالتَّعريفِ الكامِلِ حَولًا.

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٢)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٢٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٥١)، و «الاختيار» (٣/ ٣٨)، و «الاستذكار» (٧/ ٢٤٩)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢٢٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٢٤)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٦٩) و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٢٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٦)، و «شرح السنة للبغوي» (٨/ ٣١١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢١٦)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥١٤)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٣٢)، و «الديباج» (٢/ ٥٦٠)، و «المغني» (٦/ ٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢١٣)، و «الروض المربع» (٢/ ١٦٠)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٢٧)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٠٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
الجملة الثانية في أحكام اللقطة

والثَّانِي: لَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا منْشِدٌ، فَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ أَنَّهَا لَا تُرْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يُنْشِدُهَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مَنْ يُنْشِدُهَا لِيُعَرِّفَ النَّاسَ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُعَرَّفُ هَاتَانِ اللُّقَطَتَانِ أَبَدًا

فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ: فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ.

وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا، وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الْإِبِلَ بِاتِّفَاقٍ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
مسألة:

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَهُ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرُمَهُ.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ مَا رَوَيْنَا فَاللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ. فَالضَّوَالُّ الْحَيَوَانُ لِأَنَّهُ يَضِلُّ بِنَفْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَاللُّقَطَةُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهَا لَهَا وَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تُوجَدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إِذَا ادَّعَاهَا.

وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ فَعَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خَرَابٍ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.

وَقَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ يَعْنِي مَمْلُوكَةً قَدِيمَةً سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَرُوِيَ فِي طَرِيقٍ مَأْتَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب اللقطة
فصل في بيان ما يصنع باللقطة

رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِوَاجِدِ الْبَعِيرِ الضَّالِّ: " أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدَتْهُ " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ وُجُوبِ الضَّمَانِ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يُصْنَعُ بِاللُّقَطَةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُصْنَعُ بِهَا فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «عَرِّفْهَا حَوْلًا» حِينَ سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ.

وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَ: إنِّي وَجَدْت لُقَطَةً فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً وَرَوَيْنَا عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ أَمَرَ بِتَعْرِيفِ الْبَعِيرِ الضَّالِّ.

ثُمَّ نَقُولُ: الْكَلَامُ فِي التَّعْرِيفِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ مَكَانِ التَّعْرِيفِ أَمَّا مُدَّةُ التَّعْرِيفِ: فَيَخْتَلِفُ قَدْرُ الْمُدَّةِ لِاخْتِلَافِ قَدْرِ اللُّقَطَةِ إنْ كَانَ شَيْئَا لَهُ قِيمَةٌ تَبْلُغُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا يُعَرِّفُهُ حَوْلًا، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةٍ يُعَرِّفُهُ أَيَّامًا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 231 - 232

ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله