النفقة على الحيوان

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > النفقة على الحيوان

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

النفقة على الحيوان - الأقوال والأدلة

وأمَّا الحَنفيةُ فيُجوزُ عندَهم التِقاطُ سائِرِ الحَيواناتِ؛ لأنَّه مالٌ يُتوهَّمُ ضَياعُه فيُستحبُّ أَخذُه ليَردَّه على صاحِبِه صِيانةً لأَموالِ النَّاسِ (١).

النَّفقةُ على الحَيوانِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُلتقطَ إذا أنفَقَ على اللُّقطةِ التي تَحتاجُ إلى نَفقةٍ مُتبرعًا بالنَّفقةِ أنَّه لا رُجوعَ له على ربِّها.

إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو أنفَقَ عليها غيرَ مُتبَرعٍ، هل يَرجعُ بالنَّفقةِ؟ أم لا بدَّ مِنْ استِئذانِ الحاكِم أو الإِشهادِ؟

قالَ المالِكيةُ: المُلتقطُ إذا أنفَقَ على اللُّقطةِ نَفقةً مِنْ عندِه -أي كلُّ النَّفقةِ أو بعضُها، وذلك كما لو أَكراها فنقَصَ الكِراءُ عن نَفقتِها وأكمَلَ المُلتقطُ نَفقتَها- ثُم جاءَ صاحِبُها فليسَ له أَخذُها مَجانًا، ولكنْ يُخيَّرُ بينَ أَمرَينِ:

الأولُ: أنْ يَفتَكَّ اللُقطةَ فيَدفعَ للمُلتقِطِ مثلَ نَفقتِه؛ لأَّنه قامَ عنه بوَاجبٍ، وسَواءٌ أنفَقَ عليها بإِذنِ السُّلطانِ أو بغيرِ إِذنِه.

والثانِي: أنْ يَتركَ اللُّقطةَ لمَن التقَطَها في نَفقتِه التي أنفَقَها عليها، وذلك لأنَّ النَّفقةَ في ذاتِ اللُّقطةِ لا في ذِمةِ ربِّها.

فإنْ أَرادَ أَخذَها بعدَ ذلك ودفَعَ مِثلَ النَّفقةِ لَم يَكنْ له ذلك، قالَه

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٣٤٦، ٣٤٧)، و «الهداية» (٢/ ١٧٦)، و «العناية» (٨/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «الاختيار» (٣/ ٣٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٩٣، ١٩٤)، و «اللباب» (١/ ٦٦٤).

أَشهبُ؛ لأنَّه ملَّكَها للمُلتقِطِ برِضاه، وكذا عكسُه -أي إذا دفَعَ له النَّفقةَ ثُم أَرادَ أنْ يُسلِّمَها له ويَأخذَ مِنه النَّفقةَ- فليسَ له ذلك.

فلو ظهَرَ على صاحِبِها دَينٌ فإنَّ المُلتقطَ يُقدَّمُ بنَفقتِه على الغُرماءِ -كالرَّهنِ- حتى يَستوفِيَ نَفقتَه (١).

وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: قالَ مالِكٌ فيما ذكَرَ ابنُ القاسِمِ عنه: إنْ أنفَقَ المُلتقطُ على الدَّوابِّ والإِبلِ وغيرِها فله أنْ يَرجعَ على صاحِبِها بالنَّفقةِ، وسَواءٌ أنفَقَ عليها بأَمرِ السُّلطانِ أو بغَيرِ أَمرِه. قالَ: وله أنْ يحبسَ بالنَّفقةِ ما أنفَقَ عليه ويَكونُ أَحقَّ به كالرَّهنِ. قالَ: ويَرجعُ على صاحِبِ اللُّقطةِ بكِراءِ حَملِها (٢).

وجاءَ في «المُدونَة الكُبرى»: (قلتُ): فإنْ جاءَ ربُّها وقد أنفَقَ على هذه الدَّوابِّ، أيَكونُ عليه نَفقتُها؟ (قالَ) قالَ مالِكٌ: نَعم، على صاحِبِها ما أنفَقَ هذا عليها، ولا يَأخذُها حتى يُعطيَه ما أنفَقَ عليها، وقالَ مالِكٌ في الإِبلِ إذا اعتَرفَها صاحِبُها وقد كانَ أسلَمَها وقد أَنفقَ عليها أنَّ له ما أنفَقَ عليها إنْ أَرادَ صاحِبُها أنْ يَأخذَها، وإنْ أَرادَ أنْ يُسلمَها فليسَ عليه شيءٌ. (قلتُ): وكذلك البَقرُ والغَنمُ إذا التقَطَها في فَلواتِ الأَرضِ أو في غيرِ فَلواتِ الأَرضِ

(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٤٢)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٢٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٣٢)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤٢)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ٢٧٤، ٢٧٥).
(٢) «التمهيد» (٣/ ١٢٨)، و «تفسير القرطبي» (٩/ ١٣٧).

فأنفَقَ عليها فاعترَفَها ربُّها، أيَكونُ له نَفقتُها التي أنفَقَ عليها في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ في «المَتاع»: يَلتقطُه الرَّجلُ فيَحملُه إلى مَوضعٍ مِنْ المَواضعِ ليُعرِّفَه فيُعرِّفُه ربُّه، قالَ مالِكٌ: أَراه لصاحِبِه، ويَدفعُ إلى هذا الكِراءَ الذي حمَلَه له، فكذلك الغَنمُ والبَقرُ إذا التَقطَها رَجلٌ فأنفَقَ عليها ثُم أَتى ربُّها، فإنَّه يَغرمُ ما أنفَقَ عليها المُلتقطُ، إلا أنْ يَشاءَ ربُّها أنْ يُسلمَها. (قلتُ) أرَأيتَ ما أنفَقَ هذا المُلتقِطُ على هذه الأَشياءِ التي التقَطَها بغيرَ أَمرِ السُّلطانِ، أيَكونُ ذلك على ربِّ هذه الأَشياءِ إنْ أَرادَ أَخذَها في قولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعم، إذا أَرادَ صاحِبُها أَخذَها لَم يَكنْ له أنْ يَأخذَها حتى يَغرمَ لهذا ما أنفَقَ عليها بأَمرِ السُّلطانِ أو بغيرِ أَمرِ السُّلطانِ (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا أنفَقَ على اللُّقطةِ فليسَ له حقُّ الرُّجوعِ إلا إذا استَأذنَ الحاكِمُ.

وقالَ الحَنفيةُ: إذا أنفَقَ المُلتقِطُ على اللُّقطةِ بغيرِ إِذنِ الحاكِمِ فهو مُتبَرِّعٌ؛ لقُصورِ وِلايتِه عن ذِمةِ المالِكِ، وإنْ أنفَقَ بأَمرِه كانَ ذلك دَينًا على صاحِبِها؛ لأنَّ للقاضِي وِلايةً في مالِ الغائِبِ نظرًا له، وقد يَكونُ النَّظرُ في الإِنفاقِ.

وإذا رفَعَ ذلك إلى الحاكِمِ نظَرَ فيه، فإنْ كانَ للبَهيمةِ مَنفعةٌ آجرَها وأنفَقَ عليها مِنْ أُجرتِها؛ لأنَّ فيه إِبقاءَ العَينِ على مِلكِه مِنْ غيرِ إِلزامِ الدَّينِ عليه.

(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٧٦).

وإنْ لَم تَكنْ لها مَنفعةٌ وخافَ أنْ تَستغرقَ النَّفقةُ قِيمتَها باعَها وأمَرَ بحِفظِ ثَمنِها؛ إِبقاءً له معنًى عندَ تَعذرِ إِبقائِه صُورةً.

وإنْ كانَ الأَصلحُ الإِنفاقَ عليها أَذنَ الحاكِمُ في ذلك وجعَلَ النَّفقةَ دَينًا على مالِكِها؛ لأنَّه نصَبَ ناظِرًا، وفي هذا نَظرٌ من الجانِبينِ، قالُوا: إنَّما يَأمرُ بالإِنفاقِ يَومينِ أو ثَلاثةَ أَيامٍ على قَدرِ ما يَرى رَجاءَ أنْ يَظهرَ مالِكُها، فإذا لَم يَظهرْ يَأمرُ ببَيعِها؛ لأنَّ استِدامةَ النَّفقةِ مُستأصَلةٌ فلا نَظرَ في الإِنفاقِ مدةً مَديدةً.

وإذا حضَرَ مالِكُها فللمُلتقِطِ أنْ يَمنعَها مِنه حتى يُحضرَ النَّفقةَ؛ لأنَّه أَحيا مِلكَه بنفَقتِه فصارَ كأنَّه استَفادَ المِلكَ مِنْ جِهتهِ فأَشبهَ المَبيعَ؛ وأَقربُ مِنْ ذلك رادُّ الآبقِ، فإنَّ له الحَبسَ لاستِيفاءِ الجُعلِ لمَا ذكَرْنا، ثُم لا يَسقطُ دَينُ النَّفقةِ بهَلاكِه في يدِ المُلتقطِ قبلَ الحَبسِ، ويَسقطُ إذا هلَكَ بعدَ الحَبسِ؛ لأنَّه يَصيرُ بالحَبسِ شَبيهَ الرَّهنِ (١).

قالَ الشافِعيةُ: إنْ أنفَقَ على اللُّقطةِ مُدةَ التَّعريفِ، فإنْ أَرادَ الرُّجوعَ استَأذنَ الحاكِمُ فإنْ لَم يَجدْه أشهَدَ (٢).

وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: وقالَ الشافِعيُّ فيما رَواه عنه الرَّبيعُ في البُويطيِّ: إذا أنفَقَ على الضَّوالِّ مَنْ أخَذَها فهو مُتطوعٌ، فإنْ أَرادَ أنْ يَرجعَ

(١) «الهداية» (٢/ ١٧٦)، و «العناية» (٨/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «الاختيار» (٣/ ٣٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٩٣، ١٩٤)، و «اللباب» (١/ ٦٦٤)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٤٤٦).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٢١٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥١٠)، و «الديباج» (٢/ ٥٥٦).

على صاحِبِها فليذهَبْ إلى الحاكِمِ حتى يَفرضَ له النَّفقةَ ويوكِلَ غيرَه بأنْ يَقبضَ تلك النَّفقةَ مِنه ويُنفقَ عليها، ولا يَكونُ للسُّلطانِ أنْ يَأذنَ له أنْ يَنفقَ عليها إلا اليَومَ واليَومينِ، فإنْ جاوزَ ذلك أَمرَ بَبيعِها. وقالَ المُزنِيُّ عنه: إذا أمَرَ الحاكِمُ بالنَّفقةِ كانَت دَينًا، وما ادَّعى قُبلَ مِنه إذا كانَ مِثلَه قَصدًا، وقالَ المُزنِيُّ: لا يُقبلُ قَولُه وليسَ بالأَمينِ (١).

وعندَ الحَنابِلةِ: إنْ أحَبَّ أنْ يُنفقَ على اللُّقطةِ مُحتسِبًا بالنَّفقةِ على مالِكِها وأشهَدَ على ذلك فهل له أنْ يَرجعَ بالنَّفقةِ؟ على رِوايتينِ:

قالَ ابنُ قُدامةَ: إِحداهما: يَرجعُ به، نصَّ عليه في رِوايةِ المَروذيِّ في طَيرةِ مَنٍّ أفرَخَت عندَ قِومٍ، فقَضى أنَّ الفِراخَ لصاحِبِ الطَّيرةِ ويَرجعُ بالعَلفِ إذا لَم يَكنْ مُتطوعًا، وقَضى عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ فيمَن وجَدَ ضالَّةً فأنفَقَ عليها وجاءَ ربُّها بأنَّه يَغرمَ له ما أنفَقَ، وذلك لأنَّه أنفَقَ على اللُّقطةِ لحِفظِها فكانَ مِنْ مالِ صاحِبِها كمُؤنةِ الرُّطبِ والعِنبِ.

والرِّوايةُ الثانيةُ: لا يَرجعُ بشيءٍ، وهو قَولُ الشَّعبيِّ والشافِعيِّ، ولَم يُعجبِ الشَّعبيَّ قَضاءُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ؛ لأنَّه أنفَقَ على مالِ غيرِه بغيرِ إِذنِه فلَم يَرجعْ، كما لو بَنى دارَه، ويُفارقُ العِنبَ والرُّطبَ، فإنَّه ربَّما كانَ تَجفيفُه والإِنفاقُ عليه في ذلك أَحظَّ لصاحِبِه؛ لأنَّ النَّفقةَ لا تَتكررُّ

(١) «التمهيد» (٣/ ١٢٨).

والحَيوانُ يَتكرَّرُ الإِنفاقُ عليه، فربَّما استَغرقَ قِيمتَه فكانَ بَيعُه أو أَكلُه أَحظَّ، فلذلك لَم يَحتسبْ المُنفقُ عليها بما أنفَقَ (١) ..

وقالَ الإِمامُ ابنُ رشدٍ رحمة الله عليه: واختلَفُوا، هل يَرجعُ المُلتقِطُ بما أنفَقَ على اللُّقطةِ على صاحِبِها أم لا؟

فقالَ الجُمهورُ: مُلتقطُ اللُّقطةِ مُتطوعٌ بحِفظِها، فلا يَرجعُ بشيءٍ مِنْ ذلك على صاحِبِ اللُّقطةِ.

وقال الكُوفيونَ: لا يَرجعُ بما أنفَقَ إلا أنْ تَكونَ النَّفقةُ عن إِذنِ الحاكِمِ، وهذه المَسألةُ هي مِنْ أَحكامِ الالتِقاطِ (٢).

(١) «المغني» (٦/ ٢٩).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٢).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 331 - 336

ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل