الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > النوع الثالث: المختلف فيه بأيهما يلحق، هل بالإبل أم بالشياه؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةمِنْ أَهلِها أو بمَوضعٍ يَستحلُّ أَهلُه أَموالَ المُسلمينَ كوادِي التَّيمِ أو في بَريةٍ لا ماءَ بها ولا مَرعى فالأَولى جَوازُ أَخذِها للحِفظِ ولا ضَمانَ على آخذِها؛ لأنَّ فيه إِنقاذَها مِنْ الهَلاكِ، فأَشبهَ تَخليصَها مِنْ غَرقٍ أو حَريقٍ، فإذا حصَلَت في يدِه سلَّمَها إلى نائبِ الإِمامِ وبَرئَ مِنْ ضَمانِها، ولا يَملكُها بالتَّعريفِ لأنَّ الشَّرعَ لَم يردْ ذلك فيها.
فصلُ: وما يَحصلُ عندَ الإِمامِ مِنْ الضَّوالِّ فإنَّه يَشهدُ عليها ويَسِمُها بأنَّها ضالَّةٌ، ثُم إنْ كانَ له حِمى تَرعَى فيه ترَكَها فيه إنْ رَأَى ذلك، وإنْ رَأَى المَصلحةَ في بَيعِها وحِفظِ ثَمنِها أو لَم يَكنْ له حِمى باعَها بعدَ أنْ يُحليَّها ويَحفظَ صِفاتِها ويَحفظَ ثَمنَها لصاحِبِها، فإنَّ ذلك أَحفظُ لها؛ لأنَّ تَركَها يُفضي إلى أنْ تَأكُلَ جَميعَ ثَمنِها (١).
النوعُ الثالثُ: المُختلفُ فيه بأيِّهما يَلحقُ، هل بالإِبلِ أم بالشِّياهِ؟
١ - التِقاطُ البَقرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التِقاطِ البَقرِ، هل يَجوزُ التِقاطُها كالشَّاةِ كما هو قَولُ الحَنفيةِ؟ أم لا يَجوزُ التِقاطُها كالبَعيرِ كما هو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنبليةِ؟ أم يُفرَّقُ بينَ حالَةِ الخَوفِ عليها وعَدمِ الخَوفِ كما هو مَذهبُ المالِكيةِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجوزُ التِقاطُ البَقرِ كما يَجوزُ التِقاطُ الشَّاةِ؛ لأنَّها لُقطةٌ يُتوهَّمُ ضَياعُها فيُستحَبُّ أَخذُها وتَعريفُها صِيانةً لأَموالِ النَّاسِ
(١) «المغني» (٦/ ٣١) ٣٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٢٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٩٠)، و «الإفصاح» (٢/ ٦٣).
كما في الشَّاةِ، ولأنَّه إذا لَم يُخشَ عليها مِنْ السِّباعِ لَم يُؤمَنْ عليها مِنْ يدٍ خائِنةٍ، فنُدِبَ أَخذُها صِيانةً لها، وما لها مِنْ القُوةِ ربَّما يَكونُ سَببًا للضَّياعِ كما هو سَببُ الصِّيانةِ عن السِّباعِ فتَعارَضا، فأُلحِقَت بالشَّاةِ.
ولأنَّ الأَخذَ حالَ خَوفِ الضَّيعةِ إِحياءٌ لمالِ المُسلِمِ فيَكونَ مُستحَبًّا، وحالَ عدمِ الخَوفِ ضَربُ إِحرازٍ فيَكونَ مُباحًا كما ذكَرْنا.
فإنْ أنفَقَ المُلتقِطُ عليها بغيرِ إِذنِ الحاكِمِ فهو مُتبَرِّعٌ؛ لقُصورِ وِلايتِه عن ذِمةِ المالِكِ، وإنْ أنفَقَ بأَمرِه كانَ ذلك دَينًا على صاحِبِها؛ لأنَّ للقاضِي وِلايةً في مالِ الغائِبِ نَظرًا له، وقد يَكونُ النَّظرُ في الإِنفاقِ.
وإذا رُفعَ ذلك إلى الحاكِمِ نظَرَ فيه، فإنْ كانَ للبَهيمةِ مَنفعةٌ آجرَها وأنفَقَ عليها مِنْ أُجرتِها؛ لأنَّ فيه إِبقاءَ العَينِ على مِلكِه مِنْ غيرِ إِلزامِ الدَّينِ عليه.
وإنْ لَم تَكنْ لها مَنفعةٌ وخافَ أنْ تَستغرقَ النَّفقةُ قِيمتَها باعَها وأمَرَ بحِفظِ ثَمنِها؛ إِبقاءً له معنًى عندَ تَعذرِ إِبقائِه صُورةً.
وإنْ كانَ الأَصلحُ الإِنفاقَ عليها أذِنَ الحاكِمُ في ذلك، وجعَلَ النَّفقةَ دَينًا على مالِكِها؛ لأنَّه نصبَ ناظرًا، وفي هذا نَظرٌ مِنْ الجانِبينِ، قالُوا: إنَّما يَأمرُ بالإِنفاقِ يَومينِ أو ثَلاثةَ أَيامٍ على قَدرِ ما يَرى؛ رَجاءَ أنْ يَظهرَ مالِكُها، فإذا لَم يَظهرْ يَأمرُ ببَيعِها؛ لأنَّ استِدامةَ النَّفقةِ مُستأصَلةٌ فلا نَظرَ في الإِنفاقِ مُدةً مَديدةً.
وإذا حضَرَ مالِكُها فللمُلتقِطِ أنْ يَمنَعَها مِنه حتى يُحضرَ النَّفقةَ؛ لأنَّه أَحيا مِلكَه بنفَقتِه فصارَ كأنَّه استَفادَ المِلكَ مِنْ جِهتِه فأَشبهَ المَبيعَ؛ وأَقربُ مِنْ ذلك رادُّ الآبقِ، فإنَّ له الحَبسَ لاستِيفاءِ الجُعلِ لما ذكَرْنا، ثُم لا يَسقطُ دَينُ النَّفقةِ بهلاكِه في يدِ المُلتقطِ قبلَ الحَبسِ، ويَسقطُ إذا هلَكَ بعدَ الحَبسِ؛ لأنَّه يَصيرُ بالحَبسِ شَبيهَ الرَّهنِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُ البَقرِ، وأنَّ حُكمَها كحُكمِ التِقاطِ الإِبلِ؛ لما رُويَ عن مُنذرِ بنِ جَريرٍ قالَ: كُنت معَ أَبي جَريرٍ بالبَوازيجِ في السَّوادِ، فراجَعت البَقرُ فرَأى بقرَةً أَنكرَها، فقالَ: ما هذه البَقرةُ؟ قالَ: بَقرةٌ لَحقَت بالبَقرِ، فأَمرَ بها فطُرِدَت حتى توارَت، ثُم قالَ: سمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يقولً: «لا يُؤوي الضالَّةَ إلا ضالٌّ» (٢).
فجَريرٌ رضي الله عنه طرَدَ البَقرةَ ولَم يَأخذْها، ولأنَّها تَمتنعُ عن صِغارِ السِّباعِ وتُجزئُ في الأُضحيةِ والهَدي عن سَبعةٍ فأَشبهَت الإِبلَ.
ولأنَّ الأَصلَ عدمُ جوازِ الالتِقاطِ؛ لأنَّه مالُ غيرِه فكانَّ الأَصلُ عدمَ جَوازِ أَخذِه كغيرِ الضالَّةِ، وإنَّما جازَ الأَخذُ لحِفظِ المالِ على صاحِبِه، وإذا كانَ مَحفوظًا لَم يَجزْ أَخذُه.
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٣٤٦، ٣٤٧)، و «الهداية» (٢/ ١٧٦)، و «العناية» (٨/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «الاختيار» (٣/ ٣٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٩٣، ١٩٤)، و «اللباب» (١/ ٦٦٤).
(٢) القصة ضعيفة، والمرفوع منه صحيح: رواه أبو داود (٢٧٢٠)، وابن ماجه (٢٥٠٣)، وأحمد في «المسند» (١٩٢٣٠).
قالَ الشافِعيةُ: فلو أخَذَها للتَّملكِ ضمِنَ قطعًا لتَعدِّيَه، ولا يَبرأُ عن ضَمانِها بردِّها إلى مَوضِعِها ورَفعِ يدِه عنها كما في المَسروقِ، إلا أنْ يَرُدَّ على الحاكِمِ فيَبرأُ على الصَّحيحِ.
وأمَّا في زَمانِ النَّهبِ والفَسادِ فيَجوزُ أَخذُها والتِقاطُها للتَّملكِ قَطعًا في الصَّحراءِ وغيرِها.
وهذا إذا وجَدَ البَقرةَ في الصَّحراءِ، أمَّا إنْ وجَدَها بقَريةٍ أو بَلدةٍ أو ما قرُبَ مِنْ ذلك فالأَصحُّ جَوازُ التِقاطِها للتَّملُّكِ؛ لأنَّها في العُمرانِ تَضيعُ بامتِدادِ اليدِ الخائِنةِ إليها بخِلافِ المَفازةِ، فإنَّ طُروقَ النَّاسِ بها لا يَعمُّ.
الثانِي: المَنعُ كالمَفازةِ؛ لإِطلاقِ الحَديثِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَجوزُ للإِمامِ أَخذُها ليَحفظَها لربِّها لا على أنَّها لُقطةٌ؛ لأنَّ له نَظرًا في حِفظِ مالِ الغائِبِ، وفي أَخذِه لها لذلك مُصلحةٌ لربِّها لصِيانتِها، ولا يَلزمُ الإِمامَ تَعريفُه؛ لأنَّ عُمرَ لَم يَكنْ يَعرفُ الضَّوالَّ (٢).
وأمَّا المالِكيةُ ففرَّقُوا بينَ أنْ يَجدَ البَقرةَ بمكانٍ يَخافُ عليها مِنْ السِّباعِ أو مِنْ الجُوعِ أو العَطشِ فحُكمُها حينَئذٍ حُكمُ الشَّاةِ في الفَيفاءِ، فله أنْ يَأكلَها
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٢١١)، و «النجم الوهاج» (٦/ ١٧، ١٩)، و «مغني المحتاج» (٥٠٩)، و «الديباج» (٢/ ٥٥٤، ٥٥٥)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦١٤، ٦١٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٩٤، ٤٩٦).
(٢) «المغني» (٦/ ٣١)، و «الكافي» (٢/ ٣٥٨)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٢٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٩٠)، و «الإفصاح» (٢/ ٦٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٢٠).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللقطة
٩٤٥ - مسألة؛ قال: (وإن كان صاحبها جعل لمن وجدها شيئا معلوما، فله أخذه إن كان التقطها بعد أ
لأنَّ الأصْلَ بقاؤُها إلى ما بعدَ الحَوْلِ، ودُخُولُها في مِلْكِه، ووُجُوبُ بَدَلِها عليه. فإن قيل: فقد قُلْتُم إنَّ صاحِبَها لو جاءَ بعد بَيْعِ المُلْتَقِطِ لها، أو هِبَتِه، لم يكُنْ له إلَّا بَدَلُها، فلِمَ قُلْتُم إنَّها إذا انْتَقَلَتْ إلى الوارِثِ يَمْلِكُ صاحِبُها أخْذَها؟ قُلْنا: لأنَّ الوارِثَ خَلِيفةُ المَوْرُوثِ، وإنَّما يَثْبُتُ له المِلْكُ فيها على الوَجْهِ الذي كان ثابتًا لِمَوْرُوثِه، ومِلْكُ مَوْرُوثِه فيها كان مُرَاعاةً مَشْرُوطًا بعَدَمِ مَجىءِ صاحِبِها، فكذلك مِلْكُ وارِثِه، بخِلَافِ مِلْكِ المُشْتَرِى والمُتَّهِبِ، فإنَّهما يَمْلِكَانِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا.
٩٤٥ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَ صَاحِبُهَا جَعَلَ لِمَنْ وَجَدَها شَيْئًا مَعْلُومًا، فَلَهُ أخْذُهُ إنْ كَانَ الْتَقَطَهَا بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ الجُعْلُ)
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.