النوع الثاني: التقاط الإبل

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > النوع الثاني: التقاط الإبل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

النوع الثاني: التقاط الإبل - الأقوال والأدلة

النوعُ الثانِي: التِقاطُ الإِبلِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التِقاطِ الإِبلِ، هل يَجوزُ التِقاطُها مُطلقًا للحِفظِ وللتَّملكِ كما هو قَولُ الحَنفيةِ؟ أم يَجوزُ التِقاطُها للحِفظِ لا للتَّملكِ كما هو قَولُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ إذا كانَ الحافِظُ الإِمامَ وكذا آحادُ النَّاسِ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ؟ أم لا يَجوزُ التِقاطُها مُطلقًا لا للحِفظِ ولا للتَّملكِ كما هو مَذهبُ المالِكيةِ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجوزُ التِقاطُ البَعيرِ للتَّملكِ.

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ -في الجُملةِ على تَفصيلٍ سَيأتي عندَهم- إلى أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُ الإِبلِ، وكذا كلُّ حَيوانٍ يَقوَى على الامتِناعِ للتَّملُّكِ؛ لخبَرِ الصَّحيحينِ عن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنيِّ رضي الله عنه قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ فسَألَه عن اللُّقطةِ فقالَ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فشَأنَك بها»، قالَ: فضالَّةُ الغَنمِ؟ قالَ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ»، قالَ فضالَّةُ الإِبلِ؟ قالَ: «ما لك ولها معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَردُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَلقاها ربُّها» (١). فنَهى عن التَّعرضِ لها، وأمَرَ بتَركِ الأَخذِ، فدَلَّ على حُرمةِ الأَخذِ.

وحِكمةُ النَّهيِ عن التِقاطِ الإِبلِ أنَّ بَقاءَها حيثُ ضلَّت أَقربُ إلى

(١) أخرجه البخاري (٢٢٩٧)، ومسلم (١٧٢٢).

وجدانِ مالِكِها لها مِنْ تَطلُّبِه لها في رِحالِ النَّاسِ، وفي مَعنى الإِبلِ كلُّ ما امتنَعَ بقُوتِه عن صِغارِ السِّباعِ (١).

وهذا تَفصيلُ كلِّ مَذهبٍ:

قالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ التِقاطُ البَعيرِ كما يَجوزُ التِقاطُ الشَّاةِ؛ لما رَواه الإِمامُ مالِكٌ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ أنَّ ثابتَ بنَ الضَّحاكِ الأَنصاريَّ أخبَرَه «أنَّه وجَدَ بَعيرًا بالحَرَّةِ فعقَلَه، ثُم ذكَرَه لعُمرَ بنِ الخَطابِ فأمَرَه عُمرُ أن يُعرِّفَه ثَلاثَ مَراتٍ، فقالَ له ثابتٌ: إنَّه قد شغَلَني عن ضَيعَتي، فقالَ له عُمرُ: أَرسلْه حيثُ وجَدتَه» (٢).

فهذا عُمرُ بنُ الخَطابِ قد حكَمَ في الضالَّةِ بحُكمِ اللُّقطةِ، وكذلك رُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ في ذلك أيضًا، وهو كما قد رَوى الطَّحاويُّ عن همَّامٍ عن نَافعٍ وابنِ سيرِينَ «أنَّ رَجلًا سألَ عبدَ اللَّهِ بنِ عمرَ فقالَ: إنِّي قد أَصَبتُ ناقَةً. فقالَ: عرِّفْها. فقالَ: عرَّفتُها فلمْ تُعرَفْ. فقالَ: ادفَعْها إلى الوَالي» (٣).

ولأنَّها لُقطةٌ يُتوَّهَمُ ضَياعُها فيُستحبُّ أَخذُها وتَعريفُها صِيانةً لأَموالِ النَّاسِ كما في الشَّاةِ.

ولأنَّه إذا لَم يُخشَ عليها مِنْ السِّباعِ لَم يُؤمَنْ عليها مِنْ يدٍ خائِنةٍ، فنَدبُ

(١) «فتح الباري» (٥/ ٧٠).
(٢) رواه مالك في «الموطأ» (١٤٤٧).
(٣) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٣٨).

أَخذِها صِيانةً لها، وما لها مِنْ القوَّةِ ربَّما يَكونُ سَببًا للضَّياعِ، كما هو سَببُ الصِّيانةِ عن السِّباعِ فتَعارَضا، فأُلحِقَت بالشَّاةِ.

ولأنَّ الأَخذَ حالَ خَوفِ الضَّيعةِ إِحياءٌ لمالِ المُسلِمِ فيَكونُ مُستحبًّا، وحالَ عدمِ الخَوفِ ضَربُ إِحرازٍ فيَكونُ مُباحًا كما ذكَرْنا.

وأمَّا الحَديثُ فلا حُجةَ فيه؛ لأنَّ المُرادَ مِنه أنْ يَكونَ صاحِبُه قَريبًا مِنه، ألا تَرى أنَّه قالَ: «حتى يَلقاها ربُّها»، وإنَّما يُقالُ ذلك إذا كانَ قَريبًا أو كانَ رَجاءُ اللِّقاءِ ثابتًا.

والدَّليلُ عليه أنَّه لمَّا سأَلَه عن ضالَّةِ الغَنمِ قالَ: «خُذْها، فإنَّها لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» دَعاه إلى الأَخذِ ونبَّهَ على المَعنى وهو خَوفُ الضَّيعةِ، وإنَّه مَوجودٌ في الإِبلِ، والنَّصُّ الوَاردُ فيها أَولى أنْ يَكونَ وارِدًا في الإِبلِ وسائِرِ البَهائمِ دَلالةً، إلا أنَّه فصَلَ بينَهما في الجَوابِ مِنْ حيثُ الصُّورةُ لهُجومِ الذِّئبِ على الغَنمِ إذا لَم يَلقَها رَبُّها عادةً بَعيدًا كانَ أو قَريبًا، وكذلك الإِبلُ لأنَّها تَذبُّ عن نفسِها عادةً.

أو يُحملُ أنَّه كانَ في زَمنِ النَّبيِّ حينَ كانَ الخَوفُ مِنْ الافتِراسِ لا مِنْ أَخذِ النَّاسِ؛ أمَّا اليومُ كثُرَ الفَسادُ والخِيانةُ وقِلةُ الأَديانِ والأَمانةِ، فكانَ أَخذُه أَولى، فإنْ أنفَقَ عليه فسيَأتِي حُكمُه في المَسألةِ القادِمةِ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٣٤٦، ٣٤٧)، و «الهداية» (٢/ ١٧٦)، و «العناية» (٨/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «الاختيار» (٣/ ٣٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٩٣، ١٩٤)، و «اللباب» (١/ ٦٦٤).

وقالَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ عندَهم: لا يَجوزُ التِقاطُ الإِبلِ مُطلقًا، سَواءٌ وجَدَها في مَوضعٍ آمنٍ أم لا، وسَواءٌ وجَدَها في العُمرانِ أو في الصَّحراءِ وسَواءٌ خافَ عليها هَلاكًا مِنْ جُوعٍ أو عَطشٍ أو سِباعٍ أم لا، هذا هو الصَّحيحُ المُعتمَدُ؛ لظاهِرِ نصِّ كلامِ النَّبيِّ : «ما لك ولها، معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَلقاها ربُّها» (١).

وقِيلَ: إنْ خِيفَ عليها مِنْ خائِنً أُخذَت وعُرِّفَت، أو بِيعَت ووُقفَ ثَمنُها لصاحِبِها، وهو قَولُ الخِرشيِّ والدَّرديرِ وغيرِهما.

وقِيلَ: إنْ خِيفَ عليها مِنْ السِّباعِ كانَت في حُكمِ الغَنمِ، لواجِدِها أَكلُها.

وقِيلَ: بل تُؤخذُ لتُعرَّفَ؛ إذ لا مَشقةَ في حَملِها، والمُعتمَدُ هو الأَولُ.

فإنْ تَجرأَ وخالَفَ الواجِبَ في التَّركِ وأَخذَ الإِبلَ إلى العُمرانِ تَعدِّيًا عُرِّفَت سَنةً، ثُم بعدَ تَعريفِها سَنةً تُركَت بمَحلِّها الذي أُخذَت مِنه، قالَ الصاويُّ: قد علِمتُ أنَّ هذا في زَمنِ العَدلِ والصَّلاحِ لا في مِثلِ زَمانِنا (٢).

وقالَ الإِمامُ أَبو الوَليدِ بنُ رُشدٍ رحمة الله عليه في «المُقدِّمات» -بعد أنْ ذكَرَ عَدمَ التِقاطِ الإِبلِ-: قيلَ إنَّ ذلك في جَميعِ الزَّمانِ، وهو ظاهِرُ قَولِئ مالِكٍ في «المُدوَّنة» و «العتِبية»، وقِيلَ هو خاصٌّ بزَمنِ العَدلِ وصَلاحِ النَّاسِ، وأمَّا

(١) أخرجه البخاري (٢٢٩٧)، ومسلم (١٧٢٢).
(٢) «حاشية الصاوي» (٩/ ٢٧٢)، ويُنْظَر: «التاج والإكليل» (٥/ ٤١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٢٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٣١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤١).

في الزَّمانِ الذي قد فسَدَ فيه النَّاسُ فالحُكمُ فيه أنَّها تُؤخذُ وتُعرَّفُ، فإنْ لَم يُعرفْ ربُّها بيعَت ووُقفَ ثَمنُها، فإنْ أَيسَ مِنه تَصدقَ به كما فعَلَ عُثمانُ رضي الله عنه لمَّا دخَلَ النَّاسُ في زَمنِه مِنْ الفَسادِ، وقد رُويَ عن مالِكٍ أيضًا (١).

وقالَ الدُّسوقيُّ: قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: وصَميمُ مَذهبِ مالِكٍ عَدمُ التِقاطِها مُطلقًا، لكنْ لا يَخفى أنَّ المَصلحةَ العامَّةَ تَقتضِي الآن ما صنَعَ عُثمانُ، كما لو قالَ في تَضمينِ الخُفراءِ، فلذا اختارَ شَيخُنا ما قالَه الشارِحُ (٢).

ونصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُه للتملُّكِ، ويَجوزُ التِقاطُه للحِفظِ للإِمامِ وللآحادِ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ.

قالَ الشافِعيةُ: الحَيوانُ المَملوكُ المُمتنعُ كالبَعيرِ الكَبيرِ إنْ وُجدَ بمَفازةٍ فللقاضِي التِقاطُه للحِفظِ على مالِكِه لا للتَّملكِ؛ لأنَّ له وِلايةً على أَموالِ الغائِبينَ، وكانَ لعُمرَ رضي الله عنه حَظيرةٌ يَحفظُ فيها الضَّوالَّ، وكذا لغيرِ القاضِي مِنْ الآحادِ في الأَصحِّ المَنصوصِ في الأُمِّ لئلَّا يَأخذَه خائِنٌ.

ومُقابلُ الأَصحِّ: لا؛ إذ لا وِلايةَ للآحادِ على مالِ الغَيرِ.

ومَحلُّ الخِلافِ إذا لَم يَعرفْ مالِكَه، فإنْ عرَّفَه وأخَذَه ليَردَّه عليه كانَ في يدِه أَمانةً جزمًا حتى يَصلَ إليه.

ويُحرمُ ولا يَجوزُ التِقاطُ الإِبلِ، وكذا كلِّ حَيوانٍ مُمتنعٍ زمنَ الأمنِ مِنْ المَفازةِ للتَّملكِ؛ لنَهيه في ضالَّةِ الإِبلِ حيثُ قالَ في حَديثِ زَيدِ

(١) «المقدمات الممهدات» (٢/ ٤١٨).
(٢) «حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٣١).

ابنِ خالِدٍ: «ما لك ولها، معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حَتى يَلقاها ربُّها» (١). فلو أخَذَه للتَّملكِ ضمِنَ قطعًا لتَعدِّيه، ولا يَبرأُ عن ضَمانِه برَدِّه إلى مَوضِعِه ورفعِ يدِه عنه كما في المَسروقِ، إلا أنْ يَردَّ على الحاكِمِ فيَبرأُ على الصَّحيحِ.

وأمَّا في زَمانِ النَّهبِ والفَسادِ فيَجوزُ أَخذُه والتِقاطُه للتَّملكِ قَطعًا في الصحَّراءِ وغيرِها.

وهذا إذا وجَدَ البَعيرَ نادًّا، أما لو وجَدَه وعليه أَمتعةٌ ولا يُمكنُ أَخذُ الأَمتعةِ إلا بأَخذِه، فالظاهرُ أنَّه في هذه الحالةِ يَأخذُه للتَّملكِ تِبعًا للأَمتعةِ، ولأنَّ وُجودَ الأَمتعةِ الثَّقيلةِ عليه يَمنعُه مِنْ وُرودِ الماءِ والشَّجرِ ومِن الفِرارِ مِنْ السِّباعِ.

وإن وُجدَ بقَريةٍ أو بَلدةٍ أو ما قرُبَ مِنْ ذلك فالأَصحُّ جوازُ التِقاطِه للتَّملكِ؛ لأنَّه في العُمرانِ يَضيعُ بامتِدادِ اليدِ الخائِنةِ إليه، بخِلافِ المَفازةِ فإنَّ طُروقَ النَّاسِ بها لا يَعمُّ، ولأنَّها لا تَجدُ مَنْ يَكفيها، ولأنَّ سِياقَ الحَديثِ يَقتَضي المَفازةَ، بدَليلِ «دَعْها تَردُ الماءَ وتَرعى الشَّجرَ».

الثانِي: المَنعُ كالمَفازةِ؛ لإِطلاقِ الحَديثِ.

وخرَجَ بالمَملوكةِ غيرُه ككَلبٍ يُقتَنى فيَحلُّ التِقاطُه، وله الاختِصاصُ والانتِفاعُ به بعدَ تَعريفِه سَنةً.

(١) أخرجه البخاري (٢٢٩٧)، ومسلم (١٧٢٢).

وهذا كلُّه في البَعيرِ الكَبيرِ، أمَّا البَعيرُ الصَّغيرُ الذي لا يَمتنعُ فيَجوزُ التِقاطُه للتَّملكِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَجوزُ التِقاطُ البَعيرِ ولا التَّعرضُ له ولا لمَا فيه قُوةٌ يَمنعُ عن نَفسِه؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ لمَّا سُئلَ عنها قالَ: «ما لك ولها، معَها حِذاؤُها وسِقاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَجدَها ربُّها»، فمُنعَ مِنْ أَخذِ البَعيرِ لكَونِه معَه حِذاؤُه فيَرعى، (وسِقاؤُه) وهو ما يُوعي في بَطنِه مِنْ الماءِ، وهو لكبَرِ جُثتِه لا يَقدرُ عليه الذِّئبُ ونحوُه، فيُؤمَنُ مِنْ تلفِه غالبًا.

وعن مُطرفِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخيرِ عن أَبيه قالَ: «قدِمَ على النَّبيِّ رَهطٌ مِنْ بَني عامِرٍ، فقالُوا: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّا نَجدُ في الطَّريقِ هَوامِي مِنْ الإِبلِ. فقالَ : «ضالَّةُ المُسلِمِ حَرَقُ النَّارِ» (٢).

لكنْ يَجوزُ للإِمامِ أَخذُه ليَحفظَه لربِّه لا على أنَّه لُقطةٌ؛ لأنَّ له نَظرًا في حِفظِ مالِ الغائِبِ، وفي أَخذِه لها لذلك مَصلحةٌ لربِّه لصِيانتَها، ولا يَلزمُ الإِمامَ تَعريفُه؛ لأنَّ عُمرَ لَم يَكنْ يَعرفُ الضَّوالَّ.

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٢١١)، و «النجم الوهاج» (٦/ ١٧، ١٩)، و «مغني المحتاج» (٥٠٩)، و «الديباج» (٢/ ٥٥٤، ٥٥٥)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦١٤، ٦١٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٩٤، ٤٩٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أحمد (١٦٣٥٧)، وابن ماجه (٢٥٠٧)، و «ابن حبان في «صحيحه» (٤٨٨٨).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وللإِمامِ أو نائِبِه أَخذُ الضالَّةِ على وَجهِ الحِفظِ لصاحِبِها؛ لأنَّ عُمرَ رضي الله عنه حَمى مَوضِعًا يُقالُ له النَّقيعُ لخَيلِ المُجاهِدينَ والضَّوالِّ.

ولأنَّ للإِمامِ نَظرًا في حِفظِ مالِ الغائِبِ، وفي أَخذِ هذه حِفظٌ لها عن الهَلاكِ، ولا يَلزمُه تَعريفُها لأنَّ عُمرَ رضي الله عنه لَم يَكنْ يُعرِّفِ الضَّوالَّ، ولأنَّه إذا عرَّفَ ذلك فمَن كانَت له ضالةٌ فإنَّه يَجيءُ إلى مَوضعِ الضَّوالِّ، فإذا عرَفَ ضالَّته أَقامَ البَينةَ عليها وأخَذَها، ولا يَكتَفي فيها بالصِّفةِ؛ لأنَّها ظاهِرةٌ بينَ النَّاسِ، فيَعرفُ صِفاتَها مَنْ رآها مِنْ غيرِ أَهلِها، فلا تَكونُ الصِّفةُ لها دَليلًا على مِلكِه لها، ولأنَّ الضالَّةَ قد كانَت ظاهِرةً بينَ الناسِ حينَ كانَت في يدِ مالِكِها، فلا يَختصُّ هو بمَعرفةِ صِفاتِها دونَ غيرِه، فلَم يَكنْ ذلك دَليلًا، ويُمكنُه إِقامةُ البَينةِ عليها لظُهورِها للناسِ ومَعرفةِ خُلطائِه وجِيرانِه بمِلكِه إيَّاها.

وإنْ أخَذَها غيرُ الإِمامِ أو نائِبُه ليَحفظَها لصاحِبِها لَم يَجزْ له ذلك ولزَمَه ضَمانُها؛ لأنَّه لا وِلايةَ له على صاحِبِها، وهذا ظاهِرُ مَذهبِ الشافِعيِّ، ولأَصحابِه وَجهٌ أنَّ له أَخذَها لحِفظِها قِياسًا على الإِمامِ، ولا يَصحُّ؛ لأنَّ النَّبيَّ منَعَ أَخذَها مِنْ غيرِ تَفريقٍ بينَ قاصِدِ الحِفظِ وقاصِدِ الالتِقاطِ، ولا يَصحُّ القِياسُ على الإِمامِ لأنَّ له وِلايةً وهذا لا وِلايةَ له، وإنْ وجَدَها في مَوضعٍ يَخافُ عليها به مِثلُ أنْ يَجدَها بأَرضٍ مُسبعةٍ يَغلبُ على الظَّنِ أنَّ الأَسدَ يَفترسُها إنْ تُركَت به أو فَرسًا مِنْ دارِ الحَربِ يَخافُ عليها

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
الجملة الثانية في أحكام اللقطة

والثَّانِي: لَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا منْشِدٌ، فَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ أَنَّهَا لَا تُرْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يُنْشِدُهَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مَنْ يُنْشِدُهَا لِيُعَرِّفَ النَّاسَ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُعَرَّفُ هَاتَانِ اللُّقَطَتَانِ أَبَدًا

فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ: فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ.

وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا، وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الْإِبِلَ بِاتِّفَاقٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 313 - 320

ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده