الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > تعريف اللقطة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةتَعريفُ اللُّقطةِ:
الكَلامُ في تَعريفِ اللُّقطةِ يَشملُ سِتةَ مَسائلَ:
المَسألةُ الأُولى: حُكمُ تَعريفِ اللُّقطةِ:
تَعريفُ اللُّقطةِ لا يَخلو مِنْ أَمرينِ:
الأَمرُ الأَولُ: أنْ يَلتقطَها للتَّملُّكِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ المُلتقِطَ إذا التَقطَ اللُّقطةَ للتَّملُّكِ وجَبَ عليه تَعريفُها؛ لما رواه مسلم عن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه عن رسول اللّهِ ﷺ أنَّهُ قال: «مَنْ آوى ضالَّةً فهُوَ ضالٌّ ما لم يُعرِّفْهَا» (١). فقُيِّدَ الضَّلالُ بعدَمِ التَّعريفِ، ولأنَّه إذا التَقطَها فلَم يُعرِّفْها فقد أَضرَّ بصاحِبِها وصارَ سببًا في تَضليلِه عنها فكانَ مُخطئًا ضالًّا عن الحقِّ (٢).
الأَمرُ الثانِي: أنْ يَلتقطَها ليَحفظَها على مالِكِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَعريفِ اللُّقطةِ إذا أخَذَها ليَحفظَها على صاحِبِها؛ هل يَجبُ عليه التَّعريفُ أم لا؟
(١) أخرجه مسلم (١٧٢٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٢)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٢٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٥١)، و «الاختيار» (٣/ ٣٨)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢٢٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٢٤)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٦٩)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٢٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢١٦)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥١٢)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٢٦)، و «الديباج» (٢/ ٥٨٥)، و «المغني» (٦/ ٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢١٣)، و «الروض المربع» (٢/ ١٦٠).
فذهَبَ الأَكثرونَ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّه إذا أخَذَها ليَحفظَها على ربِّها أبدًا ولا يَتملكَها لَم يَجبْ عليه التَّعريفُ؛ لأنَّ الشَّرعَ إنَّما أَوجَبَه لَمَّا جعَلَ له التَّملكَ بعدَه، ولأنَّ مالِكَها يَنشدُها فيَعلمُ به آخِذُها للحِفظِ.
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ رجَّحَه النَّوويُّ وغيرُه والحنابلةُ إلى أنَّه يَجبُ على المُلتقِطِ أنْ يُعرِّفَ اللُّقطةَ؛ لِما رَواه مُسلمٌ عن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ آوَى ضالةً فهو ضالٌّ ما لَم يُعرِّفْها» (١).
قالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذا دَليلٌ للمَذهَبِ المُختارِ أنَّه يَلزمُه تَعريفُ اللُّقطةِ مُطلقًا، سَواءٌ أرادَ تَملُّكَها أو حِفظَها على صاحِبِها، وهذا هو الصَّحيحُ (٢).
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بالتَّعريفِ ولَم يُفرِّقْ بينَ مَنْ أخَذَها ليَمتلكَها وبينَ مَنْ أخَذَها ليَحفظَها على صاحِبِها، ولأنَّ حِفظَها لصاحِبِها إنَّما يُقيَّدُ باتِّصالِها إليه وطَريقةِ التَّعريفِ، أمَّا بَقاؤُها في يدِ المُلتقِطِ مِنْ غيرِ وُصولِها إلى صاحِبِها فهو وهَلاكُها سِيانِ، ولأنَّ إِمساكَها مِنْ غيرِ تَعريفٍ تَضييعٌ لها عن صاحِبِها فلَم يَجزْ كردِّها إلى مَوضعِها أو إِلقائِها في غيرِه، ولأنَّه لو لَم يَجبِ التَّعريفُ لمَا جازَ الالتِقاطُ؛ لأنَّ بَقاءَها في مَكانِها إذًا أَقربُ إلى وُصولِها إلى صاحِبِها إمَّا بأنْ يَطلبَها في المَوضعِ الذي ضاعَت فيه
(١) أخرجه مسلم (١٧٢٥).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ٢٨).
فيَجدَها، وإمَّا بأنْ يَجدَها مَنْ يَعرفُها، وأَخذُه لها يُفوِّت الأَمرينَ فيَحرُمُ، فلمَّا جازَ الالتِقاطُ وجَبَ التَّعريفُ كيلا يَحصلَ هذا الضَّررُ، ولأنَّ التَّعريفَ واجِبٌ على مَنْ أَرادَ تَملُّكَها فكذلك على مَنْ أَرادَ حِفظَها، فإنَّ التَّمليكَ غيرُ واجبِ فلا تَجبُ الوَسيلةُ إليه، فيَلزمُ أنْ يَكونَ الوُجوبُ في المَحلِّ المُتفَقِّ عليه لصِيانتِها عن الضَّياعِ عن صاحِبِها، وهذا مَوجودٌ في مَحلِّ النِّزاعِ.
وأمَّا كَونُ مالِكُها ينَشدُها فيَعلمُ به آخِذُها للحفِظِ، فأُجيبَ عليه بأنَّها قد تَسقطُ مِنْ عابِرِ سَبيلٍ ومِمَّن لا يُمكنُه ذلك لعارِضِ مَرضٍ أو جُنونٍ أو حَبسٍ أو مَوتٍ أو غيرِها (١).
لكنْ يُستَثنى مِنْ التَّعريفِ ما لو كانَ السُّلطانُ ظالِمًا، بحيثُ يَعلمُ أو يَغلبُ على الظنِّ أنَّه إذا عرَّفَها أخَذَها، فلا يَجوزُ التَّعريفُ حينَئذٍ بل تَكونُ أَمانةً في يدِه، وهل يَتملكُها بعدَ السَّنةِ؟ فيه قَولانِ للشافِعيةِ (٢).
(١) يُنْظَر: «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٢)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٢٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٥١)، و «الاختيار» (٣/ ٣٨)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢٢٤)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٢٤)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٦٩)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٣٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٢٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٦) والبيان» (٧/ ٥٢٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢١٦، ٢١٧)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٢٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥١٢)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٢٦)، و «الديباج» (٢/ ٥٨٥)، و «المغني» (٦/ ٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢١٣)، و «الروض المربع» (٢/ ١٦٠).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٥١٣).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
مسألة:
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَهُ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرُمَهُ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ مَا رَوَيْنَا فَاللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ. فَالضَّوَالُّ الْحَيَوَانُ لِأَنَّهُ يَضِلُّ بِنَفْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَاللُّقَطَةُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهَا لَهَا وَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تُوجَدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إِذَا ادَّعَاهَا.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ فَعَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خَرَابٍ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.
وَقَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ يَعْنِي مَمْلُوكَةً قَدِيمَةً سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَرُوِيَ فِي طَرِيقٍ مَأْتَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب اللقطة
أنواع اللقطة
يَصِفْ أَحَدُهُمَا الْعَلَامَةَ يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ ابْنًا لَهُمَا إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ ابْنًا لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ وَهُوَ لِلثَّانِي مِنْهُمَا فَإِنْ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنْ رَجُلَيْنِ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ تُسْمَعُ مِنْ خَمْسَةٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مِنْ اثْنَيْنِ وَلَا تُسْمَعُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تُسْمَعُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَلَا تُسْمَعُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ هَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَادَّعَتْهُ أَنَّهُ ابْنُهَا فَإِنْ صَدَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ شَهِدَتْ لَهَا الْقَابِلَةُ أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ صَحَّتْ دَعْوَتُهَا وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ نَسَبِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ.
وَلَوْ ادَّعَاهُ امْرَأَتَانِ وَأَقَامَتْ إحْدَاهُمَا الْبَيِّنَةَ فَهِيَ أَوْلَى بِهِ وَإِنْ أَقَامَتَا جَمِيعًا فَهُوَ ابْنُهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَكُونُ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ يُجْعَلُ ابْنَهُمَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ لَا يُجْعَلُ ابْنَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا - وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ -.
كِتَابُ اللُّقَطَةِ
أَنْوَاع اللُّقَطَة
(كِتَابُ اللُّقَطَةِ)
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
الجملة الثانية في أحكام اللقطة
والثَّانِي: لَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا منْشِدٌ، فَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ أَنَّهَا لَا تُرْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يُنْشِدُهَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مَنْ يُنْشِدُهَا لِيُعَرِّفَ النَّاسَ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُعَرَّفُ هَاتَانِ اللُّقَطَتَانِ أَبَدًا
فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ: فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ.
وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا، وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الْإِبِلَ بِاتِّفَاقٍ.
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.