الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > ثانيا: إذا أتى صاحب اللقطة بعد الحول
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةعلى الواصِفِ بما غرِمَه وليسَ لمالِكِها تَضمينُ الواصِفِ؛ لأنَّ الذي قبَضَه إنَّما هو مالُ المُلتقِطِ لا مالَ صاحِبِ اللُّقطةِ، بخِلافِ ما إذا سلَّمَ العَينَ.
فأمَّا إنْ وصَفَها إِنسانٌ فأخَذَها ثُم جاءَ آخرُ فوصَفَها وادَّعاها لَم يَستحقَّ شيئًا؛ لأنَّ الأَولَّ استحَقَّها لوَصفِه إِياها وعَدمِ المَنازعِ فيها وثبَتَت يدُه عليها ولَم يوجَدْ ما يَقتَضي انتِزاعَها مِنه فوجَبَ إِبقاؤُها كسائِرِ مالِه (١).
ثانيًا: إذا أَتى صاحِبُ اللُّقطةِ بعدَ الحَولِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ صاحِبَ اللُّقطةِ إذا جاءَ بعدَ الحَولِ وعرَّفَ اللُّقطةَ وجَبَ دَفعُها إليه إنْ كانَت باقِيةً، وقِيمتُها إنِ استَهلكَها، واستَدلُّوا على ذلك بحَديثِ زَيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيَّ صاحبِ رَسولِ اللَّهِ أنَّه قالَ: سُئلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن اللُّقطةِ الذَّهبِ أو الوَرقِ، فقالَ: «اعرِفْ وِكاءَها وعِفاصَها ثُم عرِّفْها سَنةً فإنْ لَم تَعرفْ فاستَنفقْها، ولتَكنْ وَديعةً عندَك، فإنْ جاءَ طالِبُها يومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه … » (٢).
قالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قَولُه ﷺ: «ثُم عرِّفْها سَنةً فإنْ لَم يَجئْ صاحِبُها كانَت وَديعةً عندَك» وفي الرِّوايةِ الثانِيةِ: «ثُم عرِّفْها سَنةً فإنْ لَم تَعرفْ فاستَنفقْها ولتَكنْ وَديعةً عندَك، فإنْ جاءَ طالِبُها يومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه» مَعناه: تَكونُ أَمانةً عندَك بعدَ السَّنةِ ما لَم تَتملَّكْها، فإنْ تلِفَت بغيرِ
(١) «المغني» (٦/ ١٣، ١٤)، و «الكافي» (٢/ ٣٥٤)، و «المبدع» (٥/ ٢٨٨)، و «الإنصاف» (٦/ ٤٢٢، ٤٢٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٧٢٢).
تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليك، وليسَ مَعناه مَنعَه مِنْ تَملُّكِها، بل له تَملُّكُها على ما ذكَرْناه للأَحاديثِ الباقِيةِ الصَّريحةِ، وهي قَولُه ﷺ: «ثُم استَنفقَ بها فاستنفَقَها»، وقد أَشارَ ﷺ إلى هذا في الرِّوايةِ الثانِيةِ بقَولِه: «فإنْ لَم تَعرِفْ فاستَنفِقْها ولتَكنْ وَديعةً عندَك» أي لا يَنقطعُ حقُّ صاحِبِها، بل متى جاءَها فأدِّها إليه إنْ كانَت باقِيةً وإلا فبَدلُها، وهذا مَعنى قولِه ﷺ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها يومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه»، والمُرادُ أنَّه لا يَنقطعُ حقُّ صاحِبِها بالكُليةِ، وقد نقَلَ القاضِي وغيرُه إِجماعَ المُسلِمينَ على أنَّه إذا جاءَ صاحِبُها بعدَ التَّمليكِ ضمِنَها المُتملِّكُ، إلا دَاودَ فأسقَطَ الضَّمانَ، واللهُ أَعلمُ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: قولُه ﷺ في حَديثِ عِياضِ بنِ حِمارٍ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فهو أَحقُّ بها وإلا فهو مالُ اللهِ يُؤتِيه مَنْ يَشاءُ» وهذا مَعناه انطِلاقُ يدِ المُلتقِطِ وتَصرُّفُه فيها بعدَ الحَولِ، ولكنَّه يَضمنُها إنْ جاءَ صاحِبُها، واجِبٌ ذلك بإِجماعِ المُسلِمينَ؛ لأنَّه مُستهلِكٌ مالَ غيرِه، وقد أجمَعُوا أنَّ مَنْ استَهلكَ مالَ غيرِه وأنفَقَه بغيرِ إِذنِه غرِمَه وضمِنَه، ومَن استَهلكَ لغيرِه شيئًا مِنْ المالِ ضمِنَه بأيِّ وَجهٍ استَهلكَه، وهذا مالا خِلافَ فيه (٢).
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ٢٤، ٢٥).
(٢) «التمهيد» (٣/ ١١٩، ١٢٠).
وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: أجمَعَ أَئمةُ الفَتوى على أنَّ اللُّقطةَ إذا عرَّفَها سَنةً وانتَفعَ بها وأنفَقَها بعدَ السَّنةِ ثم جاءَ صاحِبُها أنَّه يرُدُّ عليه قِيمَتَها ويَضمنُها له، وليسَ قَولُه: (فشَأنَك بها) يُبيحُ له أَخذَها ويُسقِطُ عنه ضَمانَها؛ لمَا ثبَتَ عنه عليه السلام في اللُّقطةِ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها بعدَ السَّنةِ أدِّها إليه»؛ لأنَّها وَديعةٌ عندَ مُلتقِطِها، وخرَقَ الإِجماعَ رَجلٌ نُسبَ إلى العِلمِ يُعرَفُ بداودَ بنِ عليٍّ، فقالَ: إذا جاءَ صاحِبُها بعدَ السَّنةِ لَم يَضمنْها مُلتقِطُها؛ لأنَّ النَّبيَّ عليه السلام أطلَقَه على مُلكِها بقَولِه: (فشَأنَك بها) فلا ضَمانَ عليه، ولا سَلفَ له في ذلك إلا اتِّباعُ الهَوى والجُرأةُ على مُخالَفةِ الجَماعةِ التي لا يَجوزُ عليها تَحريفُ التَّأويلِ ولا الخَطأُ فيه، أَعاذَنا اللهُ مِنْ اتِّباعِ الهَوى والابتِداعِ في دِينِه مما لَم يَأذنْ فيه ﷿ (١).
وقالَ أيضًا: قولُه: بابُ إذا جاءَ صاحِبُ اللُّقطةِ بعدَ سَنةٍ ردَّها عليه؛ لأنَّها وَديعةٌ عندَه.
فيه: زَيدٌ أنَّ رَجلًا سأَلَ النَّبيَّ ﷺ عن اللُّقطةِ، فقالَ: «عرِّفْها سَنةً، ثُم اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، ثُم استَنفِقْ بها، فإنْ جاءَ ربُّها فأدِّها إليه … » الحَديثُ، أجمَعَ أَئمةَ الفَتوَى على أنَّ صاحِبَ اللُّقطةِ إذا جاءَ بعدَ الحَولِ أنَّ الذي وجَدَها يَلزمُه ردُّها إليه؛ لقَولِه عليه السلام: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فأدِّها إليه»، وقد ذكَرْنا قبلَ هذا أنَّ بعضَ مَنْ نُسبَ إلى العِلمِ وحظُّه مِنْ أنْ يوسَمَ بمُخالفَةِ الأَئمةِ خالَفَ إِجماعَهم في اتِّباعِ هذا الحَديثِ، وخالَفَ قَولَه
(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٥٥٢).
عليه السلام: «فأدِّها إليه»، وقالَ: لا يُؤدِّي إليه شيئًا بعدَ الحَولِ، استِدلالًا مِنه بقَولِه عليه السلام: «فشَأنَك بها»، قالَ: لأنَّ هذا إِطلاقٌ مِنه عليه السلام -على ملكِها فلا يَلزمُه تَأديتُها، وهذا قَولٌ يُؤدِّي إلى تَناقضِ السُّننِ، وقد جلَّ الرَّسولُ عن أنْ يَتناقضَ، وقولُه عليه السلام: «فأدِّها إليه» فيه بَيانٌ وتَفسيرٌ لقَولِه عليه السلام: «فشَأنَك بها»، ولو كانَ المُرادُ بقَولِه: «فشَأنَك بها» إِطلاقَ يدِه عليها وسُقوطَ ضَمانِها عنه لبطَلَت فائِدةُ قولهِ: «فأدِّها إليه»، واستِعمالُ الحَديثَينِ لفائِدَتينِ أَولى مِنْ إِسقاطِ أَحدِهما، هذه طَريقةُ العُلماءِ في التَّأليفِ بينَ الآثارِ، والقَضاءِ بالمُجملِ على المُفسِّرِ (١).
قالَ الإِمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: ليسَ في قَولِه ﷺ في اللُّقطةِ بعدَ التَّعريفِ: «فاستَمتِعْ بها» أو «فشَأنَك بها» أو «فهي لك» أو «فاستَنفِقْها» أو «ثُم كُلْها» أو «فهو مالُ اللهِ يُؤتِيه مَنْ يَشاءُ» على ما في صَحيحِ مُسلمٍ وغيرِه ما يَدلُّ على التَّمليكِ وسُقوطِ الضَّمانِ عن المُلتقِطِ إذا جاءَ ربُّها، فإنَّ في حَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنيِّ عن النَّبيِّ ﷺ: «فإنْ لَم تَعرِفْ فاستَنفِقْها ولتَكنْ وَديعةً عندَك، فإنْ جاءَ صاحِبُها يومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه» وفي رِوايةٍ: «ثُم كُلْها، فإنْ جاءَ صاحِبُها فأدِّها إليه» أخرَجَه البُخاريُّ ومُسلمٌ.
وأَجمعَ العُلماءُ على أنَّ صاحِبَها متى جاءَ فهو أَحقُّ بها، إلا ما ذهَبَ إليه داودُ مِنْ أنَّ المُلتقِطَ يَملكُ اللُّقطةَ بعدَ التَّعريفِ لتلك الظَّواهرِ، ولا التِفاتَ لقَولِه لمِخالَفةِ النَّاسِ ولقَولِه عليه السلام: «فأدِّها إليه» (٢).
(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٥٦٠، ٥٦١).
(٢) «تفسير القرطبي» (٩/ ١٣٧، ١٣٨).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
الجملة الثانية في أحكام اللقطة
والثَّانِي: لَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا منْشِدٌ، فَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ أَنَّهَا لَا تُرْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يُنْشِدُهَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مَنْ يُنْشِدُهَا لِيُعَرِّفَ النَّاسَ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُعَرَّفُ هَاتَانِ اللُّقَطَتَانِ أَبَدًا
فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ: فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ.
وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا، وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الْإِبِلَ بِاتِّفَاقٍ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
مسألة:
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَهُ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرُمَهُ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ مَا رَوَيْنَا فَاللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ. فَالضَّوَالُّ الْحَيَوَانُ لِأَنَّهُ يَضِلُّ بِنَفْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَاللُّقَطَةُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهَا لَهَا وَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تُوجَدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إِذَا ادَّعَاهَا.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ فَعَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خَرَابٍ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.
وَقَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ يَعْنِي مَمْلُوكَةً قَدِيمَةً سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَرُوِيَ فِي طَرِيقٍ مَأْتَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا.
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.