الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > حكم اللقطة في يد الملتقط والإشهاد على الالتقاط
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 25 دقيقة قراءةذلك لَفظانِ، أحدُهما أنَّه لا تُرفَعُ لُقطتُها إلا لمُنشدٍ، والثانِي: لا يَرفعُ لُقطتُها إلا مُنشدٍ، فالمَعنى الوَاحدُ أنَّها لا تُرفَعُ إلا لمَن يُنشدُها، والمَعنى الثانِي لا يَلتقطُها إلا مَنْ يُنشدُها ليُعرِّفَ الناسَ.
وقالَ مالكٌ: تُعرَّفُ هاتانِ اللُّقطتانِ أبدًا (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: الأَرجحُ مِنْ مَذاهبِ العُلماءِ أنَّ ذلك يَختلفُ باختِلافِ الأَشخاصِ والأَحوالِ، فمتى رجَحَ أخذُها وجَبَ أو استُحِبَّ، ومتى رجَحَ تركُها حرُمَ أو كُرِهَ، وإلا فهو جائِزٌ (٢).
حُكمُ اللًّقطةِ في يدِ المُلتقِطِ والإِشهادِ على الالتِقاطِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ اللُّقطةَ أَمانةٌ في يدِ المُلتقِطِ كالوَديعةِ، ولا تُضمَنُ إلا بالتَّعدي أو التَّفريطِ أو بالمَنعِ عندَ الطَّلبِ، وإذا وجَدَ الإِنسانُ لُقطةً ولَم يشهَدْ عليها ولَم تَتلفْ ولا ضاعَت ثُم جاءَ صاحِبُها ودفَعَها المُلتقِطُ إليه فلا خِلافَ بينَ العُلماءِ في هذا، وأنَّه لا ضَمانَ ولا مُشكلةَ على المُلتقِطِ في هذا.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: اللُّقطةُ في الحَولِ أَمانةٌ في يدِ المُلتقِطِ، إنْ تلِفَت بغيرِ تَفريطِه أو نقَصَت فلا ضَمانَ عليه كالوَديعةِ، ومتى جاءَ صاحِبُها فوجَدَها أخَذَها بزِيادَتِها المُتصلةِ والمُنفصلةِ؛ لأنَّها نَماءُ مِلكِه، وإنْ أتلَفَها
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٢٩).
(٢) «فتح الباري» (٥/ ٩٢).
المُلتقِطُ أو تلِفَت بتَفريطِه ضمَنَها بمثلِها إنْ كانَت مِنْ ذَواتِ الأَمثالِ، وبقيمَتِها إنْ لَم يكنْ لها مِثلُ، لا أَعلمُ في هذا خِلافًا (١).
وكذا اتَّفقُوا على أنَّه إذا لَم يَجدْ مَنْ يُشهِدُه أو خافَ إذا أشهَدَه أنْ يَأخذَها الظَّلَمةُ فتَركَ الإِشهادَ لَم يَضمنْ إِجماعًا، ولا يُستحَبُّ له الإِشهادُ في هذه الحَالةِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو التقَطَ لُقطةً ثُم تلِفَت عنده من دونِ تَعدٍّ ولا تَفريطٍ، إلا أنَّه لَم يَشهدْ عليها حينَ التقَطَها وكانَ قادِرًا على الإِشهادِ، هل يَجبُ عليه ضَمانُها لأنَّ الإِشهادَ واجِبٌ عليه؟ أم لا يَجبُ عليه ضَمانُها لأنَّ الإِشهادَ مستحَبٌّ وليسَ بواجِبٍ؟
فذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ وزُفرُ (ومُحمدٌ في رِوايةٍ) والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجبُ الإِشهادُ على الالتِقاطِ، فمَن التَقطَ لُقطةً وجَبَ عليه الإِشهادُ أنَّه أخَذَها ليُعرِّفَها وليرُدَّها على صاحِبِها إذا جاءَ، فإنْ تلِفَت فلا ضَمانَ عليه، فإنْ لَم يَشهدْ وضاعَت وجَبَ عليه ضَمانُها؛ لأنَّ الأَصلَ أنَّ كلَّ مُتصرِّفٍ عاقِلٍ إنَّما يَتصرفُ لنفسِه، وقد اعتَرفَ بالأَخذِ الذي هو سَببُ الضَّمانِ، ثُم ادَّعى ما يُبرئُه فلا يُصدَّقُ إلا ببيِّنةٍ، ولأنَّ الإِشهادَ لِنفيِ التَّجاحدِ، حتى لو تَصادَقا أنَّه أخَذَها للمالِكِ ليرُدَّها عليه فلا ضَمانَ عليه وإنْ لَم يُشهِدْ؛ لأنَّ تَصادُقَهما كالبيِّنةِ، وإنْ أَقرَّ أنَّه أخَذَها لنفسِه وجَبَ عليه الضَّمانُ بالإِجماعِ لإِقرارِه.
فإنْ أخَذَها ولَم يُشهِدْ وتلِفَت، ثُم قالَ: أَخذتُها للمالِكِ، وكذَّبَه المالِكُ
(١) «المغني» (٦/ ١٤).
ضمِنَها؛ لأنَّه أَقرَّ بسَببِ الضَّمانِ -وهو الأَخذُ- وادَّعى ما يُبرِّئُه -وهو الأَخذُ لمالِكِه- فلا يَبرأُ.
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولأَبي حَنيفةَ رحمة الله عليه وَجهانِ: أَحدُهما أنَّ أَخذَ مالِ الغيرِ بغيرِ إِذنِه سببٌ لوُجوبِ الضَّمانِ في الأَصلِ، إلا أنَّه إذا كانَ الأَخذُ على سَبيلِ الأَمانةِ بأنْ أخَذَه لصاحِبِه فيَخرجُ مِنْ أنْ يَكونَ سببًا، وذلك إنَّما يُعرَفُ بالإِشهادِ، فإذا لَم يشهَدْ لَم يَعرفْ كونَ الأَخذِ لصاحِبِه، فبَقِي الأَخذُ سببًا في حقِّ وُجوبِ الضَّمانِ على الأَصلِ.
والثانِي أنَّ الأَصلَ أنَّ عَملَ كلِّ إِنسانٍ له لا لغيرِه بقَولِه ﷾: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وقَولِه تَعالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فكانَ أَخذُه اللُّقطةَ في الأَصلِ لنفسِه لا لصاحِبِها، وأَخذُ مالِ الغيرِ بغيرِ إِذنِه لنفسِه سببٌ لوُجوبِ الضَّمانِ؛ لأنَّه غَصبٌ، وإنَّما يُعرَفُ الأَخذُ لصاحِبِها بالإِشهادِ، فإذا لَم يوجَدْ تعيَّنَ أنَّ الأَخذَ لنفسِه، فيَجبُ عليه الضَّمانُ (١).
واستَدلُّوا على شَرطِ الإِشهادِ بما رُويَ عن عِياضِ بنِ حمارٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ وجَدَ لُقطةً فليَشهِدْ ذا عَدْلٍ -أو ذَوَي عَدْلٍ- ولا يَكتمْ ولا يُغيِّبْ، فإنْ وجَدَ صاحِبَها فليَردَّها عليه، وإلا فهو مالُ اللَّهِ ﷿ يؤتِيهِ مِنْ يَشَاءُ» (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠١).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٧٠٩)، وابن ماجه (٢٥٠٥)، والنسائي في «الكبرى» (٥٨٠٨)، وأحمد (١٨٣٦٩).
وكَيفيةُ الإِشهادِ أنْ يَقولَ: مَنْ رأَيتُموه يَنشدُ ضالَّةً فدلُّوه عليَّ، سَواءٌ كانَت اللُّقطةُ واحِدةً أو أَكثرَ.
فإذا قالَ هذا ثُم تلِفَت اللُّقطةُ فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه.
وهذا فيمَا إذا أَمكنَه الإِشهادُ ولَم يُشهِدْ، أمَّا إذا لَم يَجدْ مَنْ يُشهِدُه أو خافَ إذا أَشهَدَه أنْ يَأخذَها الظَّلَمةُ فترَكَ الإِشهادَ لَم يَضمنْ إِجماعًا كما تَقدمَ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أَبو يوسُفَ ومُحمدٌ في الرِّوايةِ الثَّانيةِ عنه والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الإِشهادَ على اللُّقطةِ مُستحَبٌّ وليسَ بواجِبٍ، فمَن وجَدَ لُقطةً ولَم يُشهِدْ عليها ثُم تلِفَت أو ضاعَت دونَ تَعدٍّ منه ولا تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه، ويَكونُ القَولُ قولَ المُلتقِطِ مع يَمينِه.
واستدَلُّوا على استِحبابِ الإِشهادِ على اللُّقطةِ بحَديثِ عِياضِ بنِ حِمَارٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ وجَدَ لُقطةً فليُشهدْ ذا عدْلٍ -أو ذوَي عدْلٍ- ولا يَكتمْ ولا يُغيِّبْ، فإنْ وجَدَ صاحِبَها فليَرُدَّها عليه، وإلا فهو مالُ اللَّهِ ﷿ يؤتِيه مَنْ يَشاءُ» (٢).
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥)، و «شرح مشكل الآثار» (٨/ ١٦٤، ١٦٥)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠١)، و «الاختيار» (٣/ ٣٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٨٨، ١٩٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٥١)، و «اللباب» (١/ ٦٦١، ٦٦٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٧٠٩)، وابن ماجه (٢٥٠٥) والنسائي في «الكبرى» (٥٨٠٨)، وأحمد (١٨٣٦٩).
وأمَّا عدمُ وُجوبِ الإِشهادِ فلأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يَذكرْه في حَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ وأُبيِّ بنِ كعبٍ رضي الله عنهما، فعن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنِيِّ رضي الله عنه قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فسأَلَه عن اللُّقطةِ فقالَ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنَةً، فَإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فَشأنَك بها»، قالَ: فضالَّةُ الغَنمِ؟ قالَ: «هي لك أو لأخِيك أو للذِّئبِ»، قالَ: فضالَّةُ الإِبلِ؟ قالَ: «ما لك ولها، معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَلقاها ربُّها» (١). وحَديثُ كَعبٍ السَّابقُ في أَولِ البَابِ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَهما بالتَّعريفِ دونَ الإِشهادِ، ولا يَجوزُ تَأخيرُ البَيانِ عن وَقتِ الحاجَةِ، فلو كانَ واجِبًا لبيَّنَه النبِيُّ ﷺ، وقد سُئلَ عن حُكمِ اللُّقطةِ فلَم يَكنْ ليُخِلَّ بذِكرِ الواجِبِ فيها، فيَتعيَّنُ حَملُ الأَمرِ في حَديثِ عِياضِ على النَّدبِ والاستِحبابِ، ولهذا خُيِّرَ بينَ العَدلِ والعَدلينِ، ولأنَّه أخَذَ أَمانةً فلَم يَفتقرْ إلى الإِشهادِ كالوَديعةِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه أخَذَها لا لنفسِه؛ لأنَّ الشَّرعَ إنَّما مكَّنَه من الأَخذِ بهذه الجِهةِ، فكانَ إِقدامُه على الأَخذِ دَليلًا على أنَّه أخَذَ بالوَجهِ المَشروعِ فكانَ الظاهِرُ شاهِدًا له، فكانَ القَولُ قولَه ولكنْ معَ الحَلفِ؛ لأنَّ القولَ قولُ الأَمينِ معَ اليَمينِ.
والمَعنى الذي ذكَرُوه غيرُ صَحيحٍ، فإنَّه إذا حفِظَها وعرِفَها فلَم يَأخذْها لنفسِه، وفائِدةُ الإِشهادِ صِيانةُ نفسِه عن الطَّمعِ فيها وكَتمِها وحِفظهِا مِنْ وَرَثتِه إنْ ماتَ ومِن غُرمائِه إنْ أفلَسَ.
(١) أخرجه البخاري (٢٢٩٧)، ومسلم» (١٧٢٢).
ولأنَّ العُلماءَ أَجمعُوا على أنَّ المَغصوباتِ لو أُشهِدَ الغاصِبُ على نفسِه أنَّه غصَبَها لَم يُدخِلْها إِشهادُه ذلك في حُكمِ الأَماناتِ، فكذلك تَرْكُ الإِشهادِ على الأَماناتِ لا يُدخِلُها في حُكمِ المَغصوباتِ، ولا خِلافَ أنَّ المُلتقِطُ أَمينٌ لا يُضمَنُ إلا بما تُضمَنُ به الأَماناتُ مِنْ التَّعدي والتَّضييعِ.
وقالَ الإِمامانِ ابنُ بطالٍ وابنُ عبدِ البَرِّ: وأمَّا حَديثُ عِياضِ بنِ حمارٍ فمَعناه أنَّ المُلتقِطَ إذا لَم يُعرِّفْ اللُّقطةَ ولَم يُشهدْها وكتَمَها ولَم يَسلُكْ بها سُنتَها مِنْ الإِشادةِ والإِعلانِ بها وغيَّبَ وكتَمَ ثُم قامَت عليه البيِّنةُ أنَّه وجَدَ لُقطةً وأنَّه أخَذَها وضَمَّها إلى بيِّنةٍ ثُم ادَّعى تَلفَها فإنَّه لا يُصدَّقُ ويَضمَنُ؛ لأنَّه بفِعلِه ذلك فيها خارِجٌ عن الأَمانةِ، فيَضمَنُ إلا أنْ يُقيمَ البيِّنةَ بتَلفِها.
وأمَّا إذا عرَّفَها وأعلَنَ أمرَها وسلَكَ فيها سُنتَها مِنْ الإِشادةِ في الأَسواقِ وأَبوابِ الجَوامعِ وشِبهِها وإنْ لَم يُشهِدْ فلا ضَمانَ عليه (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: وللإِشهادِ فائدَتانِ:
إِحدَاهما: أنَّه ربَّما طمِعَ فيها بعدَ ذلك، فإنْ أَشهدَ لَم يَقدِرْ على ذلك.
(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٥٦٥)، و «الاستذكار» (٢/ ٧٥١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣١)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٣٤٤، ٣٤٥)، و «شرح مشكل الآثار» (٨/ ١٦٤، ١٦٥)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠١)، و «الاختيار» (٣/ ٣٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٨٨، ١٩٠)، و «المهذب» (١/ ٤٣٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٠٢)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٨٧)، و «النجم الوهاج» (٦/ ١٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٠٥)، و «المغني» (٦/ ٧)، و «الكافي» (٢/ ٣٥٢).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
باب في اللقيط
وَأَمَّا إِذَا قَبَضَهَا مُغْتَالًا لَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا، وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ هَذَا الْوَجْهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، فَهُوَ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ ثَوْبًا فَيَأْخُذَهُ، وَهُوَ يَظُنُّهُ لِقَوْمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ، فَهَذَا إِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَلَا ادَّعَوْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَتَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا، وَهُوَ الْعَبْدُ يَسْتَهْلِكُ اللُّقَطَةَ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ إِمَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ سَيِّدُهُ فِيهَا، وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهَا، هَذَا إِذَا كَانَ اسْتِهْلَاكُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَإِنِ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ السَّيِّدُ فَهُوَ الضَّامِنُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا السَّيِّدُ كَانَتْ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى اللُّقَطَةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: مُلْتَقِطُ اللُّقَطَةِ مُتَطَوِّعٌ بِحِفْظِهَا فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ اللُّقَطَةِ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ عَنْ إِذْنِ الْحَاكِمِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مِنْ أَحْكَامِ الِالْتِقَاطِ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ بِحَسَبِ غَرَضِنَا فِي هَذَا الْبَابِ.
بَابٌ فِي اللَّقِيطِ
بَابٌ
فِي اللَّقِيطِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
مسألة:
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَهُ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرُمَهُ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ مَا رَوَيْنَا فَاللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ. فَالضَّوَالُّ الْحَيَوَانُ لِأَنَّهُ يَضِلُّ بِنَفْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَاللُّقَطَةُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهَا لَهَا وَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تُوجَدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إِذَا ادَّعَاهَا.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ فَعَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خَرَابٍ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.
وَقَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ يَعْنِي مَمْلُوكَةً قَدِيمَةً سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَرُوِيَ فِي طَرِيقٍ مَأْتَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللقطة
٩٤٢ - مسألة؛ قال: (فإن جاء ربها فوصفها له، دفعت إليه بلا بينة)
عَدْلٍ" . وهذا أمْرٌ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، ولأنَّه إذا لم يُشْهِدْ كان الظاهِرُ أنَّه أخَذَها لِنَفْسِه. ولَنا، خَبَرُ زَيْدِ بن خالِدٍ، وأُبَىِّ بن كَعْبٍ، فإنَّه أمَرَهُما بالتَّعْرِيفِ دون الإِشْهادِ، ولا يجوزُ تَأْخِيرُ البَيَانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، فلو كان واجِبًا لَبَيَّنَهُ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، سِيَّما وقد سُئِلَ عن حُكْمِ اللُّقَطَةِ فلم يكنْ لِيُخِلَّ بِذِكْرِ الواجِبِ فيها، فيَتَعَيَّن حَمْلُ الأمرِ في حَدِيثِ عِيَاضٍ على النَّدْبِ والاسْتِحْبابِ. ولأنَّه أخْذُ أمَانَةٍ، فلم يَفتَقِرْ إلى الإِشْهادِ، كالوَدِيعَةِ. والمَعْنَى الذي ذَكَرُوه غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّه إذا حَفِظَها وعَرَّفَها فلم يَأْخُذْها لِنَفْسِه، وفائِدَةُ الإِشْهادِ صِيَانَةُ نَفْسِه عن الطَّمَعِ فيها، وكَتْمُها وحِفْظُها من وَرَثَتِه إن ماتَ، ومن غُرَمَائِه إن أفْلَسَ. وإذا أشْهَدَ عليها، لَم يَذْكُرْ لِلشُّهُودِ صِفَاتِها، لئَلَّا يَنْتَشِرَ ذلك فيَدَّعِيها مَن لا يَسْتَحِقُّها، ويَذْكُرُ صِفَاتِها، كما قُلْنا في التَّعْرِيفِ، ولكنْ يَذْكُرُ لِلشُّهودِ ما يَذْكُرُه في التَّعْرِيفِ من الجِنْسِ والنَّوْعِ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ صالحٍ، وقد سَأَلَه: إذا أشْهَدَ عليها هل يُبَيِّنُ كم هي؟ قال: لا، ولكنْ يقول: قد أصَبْتُ لُقَطَةً. ويُسْتَحَبُّ أن يَكْتُبَ صِفَاتِها؛ ليكونَ أَثْبَتَ لها، مَخَافَةَ أن يَنْسَاهَا إن اقْتَصَر على حِفْظِها بِقَلْبِه، فإنَّ الإِنْسانَ عُرْضَة النِّسْيانِ.
٩٤٢ - مسألة؛ قال: (فَإنْ جَاءَ رَبُّها فَوَصَفَهَا لَهُ، دُفِعَتْ إلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ)
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.