الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > قليل اللقطة هل يعرف سنة ككثيرها؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةوالتَّأويلُ الثانِي: أنَّه ذكَرَ ذلك لَفظًا فقالَ: «عرِّفْها حَولًا»، «عرِّفْها حَولًا»، «عرِّفْها حولًا»، لا أنَّه كرَّرَ الأَحوالَ.
والثالِثُ: أنَّه أمَرَه بتَعريفِها حَولًا، فأَتاه في بعضِ الحَولِ، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» أي: تمِّمْ الحَولَ، ثُم أَتاه قبلَ إِتمامِه أيضًا، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» أي: تمِّمْ الحَولَ (١).
قَليلُ اللُّقطةِ هل يُعرَّفُ سَنةً ككَثيرِها؟
اللُّقطةُ إذا كانَت يَسيرةً لا تَتبعُها النَّفسُ كالتَّمرةِ والكِسرةِ والخِرقةِ وما لا خَطرَ له فلا بَأسَ بأَخذِه والانتِفاعِ به مِنْ غيرِ تَعريفٍ؛ لمَا رُويَ عن جابِرِ ابنِ عبدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قالَ: «رخَّصَ لنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ في العصَا والسَّوطِ والحَبلِ وأَشباهِه يَلتقطُه الرَّجلُ يَنتفعُ به» (٢).
ولمَا رَواه أَنسُ رضي الله عنه أنَّه قالَ: مرَّ النبِيُّ ﷺ بتَمرةٍ في الطَّريقِ قالَ: «لولا أنِّي أَخافُ أنْ تكونَ مِنْ الصَّدقةِ لأكَلتُها» (٣). فدلَّ هذا الحَديثُ على إِباحةِ الشيءِ التافِهِ المُلتقَطِ، وأنَّه مَعفوٌّ عنه وخارِجٌ مِنْ حُكمِ اللُّقطةِ؛ لأنَّ صاحِبَه لا يَطلبُه، فلذلك استَحلَّ النبِيُّ ﷺ أَكلَ التَّمرةِ لولا شُبهةُ الصَّدقةِ.
(١) «البيان» (٧/ ٥٢٦).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (١٧١٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٩٩)، ومسلم (١٠٧١).
قالَ ابنُ قدامةَ رحمة الله عليه: ولا نَعلمُ خِلافًا بينَ أَهلِ العِلمِ في إِباحةِ أَخذِ اليَسيرِ والانتِفاعِ به، وقد رُويَ ذلك عن عُمرَ وعَليٍّ وابنِ عُمرَ وعائِشةَ، وبه قالَ عَطاءٌ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وطاوُسٌ والنَّخَعيُّ ويَحيى بنُ أَبي كَثيرٍ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرَّأيِ (١).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وفيه -أي الحَديثُ- أنَّ التَمرةَ ونحوَها مِنْ مُحقَّراتِ الأَموالِ لا يَجبُ تَعريفُها، بل يُباحُ أَكلُها والتَّصرفُ فيها في الحالِ؛ لأنَّه ﷺ إنَّما ترَكَها خَشيةَ أنْ تَكونَ مِنْ الصَّدقةِ لا لكَونِها لُقطةً، وهذا الحُكمُ مُتفَقٌ عليه، وعلَّلَه أَصحابُنا وغيرُهم بأنَّ صاحِبَها في العادَةِ لا يَطلبُها ولا يَبقى له فيها مَطمعٌ واللهُ أَعلمُ (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وإنْ كانَت اللُّقطةُ شيئًا يُعلَمُ أنَّ صاحِبَها لا يَطلبُه كالنَّواةِ وقُشورِ الرُّمانِ يَكونُ إِلقاؤُه إِباحةً، فيَجوزُ الانتِفاعُ بها للواجِدِ بلا تَعريفٍ، وعنه ﷺ أنَّه رَأى تَمرةً في الطَّريقِ فقالَ: «لَولا أَخشى أنْ تَكونَ مِنْ تَمرِ الصَّدقةِ لأكَلتُها». ولا يُعلَمُ فيه خِلافٌ بينَ العُلماءِ، ولكنْ تَبقى على مِلكِ مالِكِها حتى إذا وجَدَها في يدِه له أَخذُها؛ لأنَّ الإِباحةَ لا تُخرِجُه عن مُلكِ مالِكِه، وإنَّما إِلقاؤُها إِباحةٌ لا تَمليكٌ؛ لأنَّ التَّمليكَ مِنْ المَجهولِ لا يَصحُّ (٣).
(١) «المغني» (٦/ ٦).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٧/ ١٧٧، ١٧٨).
(٣) «شرح فتح القدير» (٦/ ١٢٢)، ويُنْظَر: «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٠٤)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٥٥٥)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣١)، و «المهذب» (١/ ٤٣٠).
وقالَ الإِمامُ أَبو بكرِ بنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: واختلَفُوا فيما يُفعلُ باللُّقطةِ اليَسيرةِ.
فرخَّصَت فِرقةٌ في أَخذِها والانتِفاعِ بها، فمِمَّن رَوَينا ذلك عنه عُمرُ بنُ الخَطابِ وعليُّ بنُ أَبي طالِبٍ وابنُ عُمرَ وعائِشةُ رضي الله عنهم، وعطاءُ بنُ أَبي رباحٍ وطاوُسٌ وجابِرُ بنُ زَيدٍ والنُّخَعيُّ ويَحيى بنُ أَبي كَثيرٍ.
وقالَ الحَسنُ بنُ صالِحٍ: تُعرَّفُ العَشرةُ الدَّراهمُ السَّنةَ، وما دونَ العَشرةِ يُعرِّفُها ثَلاثةَ أَيامٍ.
وقالَ الثَّوريُّ في الدَّراهمِ: يُعرِّفُه أَربعًا.
وقالَ أَحمدُ: يُعرِّفُه سَنةً.
وقالَ إِسحاقُ: ما دُونَ الدِّينارِ يُعرِّفُه جمعةً أو نحوَها.
وأَوجَبَت طائِفةٌ تَعريفَ قَليلِ اللُّقطةِ وكَثيرِها، هذا قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ.
وقالَ أَحمدُ: يُعرَّفُ كلُّ شيءٍ إلا ما لا قِيمةَ له، وبه قالَ إِسحاقُ، وهذا اختِلافٌ مِنْ قَولِ إِسحاقَ.
وقالَ مالِكٌ في الفَلسِ والقُرصِ والجَوزةِ: يَتصدَّقُ به مِنْ يَومِه.
قالَ أَبو بَكرٍ: يُعرَّفُ قَليلُ اللُّقطةِ وكَثيرُها على ظاهِرِ قَولِ النبِيِّ ﷺ: «عرِّفْها سَنةً». ولا يَجوزُ أنْ يَستثنيَ مِنْ أَخبارِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلا بخَبرٍ مِثلِه.
وقد رَأى رَسولُ اللهِ ﷺ تَمرةً فقالَ: «لَولا أنْ تَكونَ صَدقةً لأكَلتُها» فالتَّمرةُ مُستثناةٌ مِنْ جُملةِ اللُّقطةِ، وما كانِ في مَعناها.
ونَستعمِلُ في سَائرِ اللُّقطةِ ما سنَّه رَسولُ اللهِ ﷺ (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا في تَحديدِ اليَسيرِ الذي لا يُعرَّفُ أو الذي يُعرَّفُ مُدةً أَقلَ مِنْ سَنةٍ.
فقالَ الحَنفيةُ: تَعريفُ اللُّقطةِ يَختلفُ بقَدرِها، فإنْ كانَ شيئًا له قِيمةٌ تَبلغُ عَشرةَ دَراهمَ عرَّفَه حَولًا كما تقدَّمَ.
وإنْ كانَ شيئًا أَقلَ مِنْ عَشرةِ دراهمَ يُعرِّفُه أَيامًا على قَدرِ ما يَرى المُلتقِطُ بحيثُ يَغلبُ على ظنِّه أنَّ صاحِبَها لا يَطلبُها بَعدَها، وهذه رِوايةٌ عن أَبي حَنيفةَ.
ورَوى الحَسن بنُ زِيادٍ عن أَبي حَنيفةَ أنَّه قالَ: التَّعريفُ على خَطرِ المالِ إنْ كانَ مِائةً ونَحوَها عرَّفَها سَنةً، وإنْ كانَ عَشرةً ونحوَها عرَّفَها شَهرًا، وإنْ كانَ ثَلاثةً ونحوَها عرَّفَها جمُعةً -أو قالَ: عَشرةً-، وإنْ كانَ دِرهمًا ونحوَه عرَّفَه ثَلاثةَ أَيامٍ، وإنْ كانَ دانقًا ونحوَه عرَّفَه يَومًا، وإنْ كانَ تَمرةً أو كِسرةً تصدَّقَ بها.
وقيلَ: إنَّ هذه المَقاديرَ كلَّها ليسَت بلازِمةٍ، وإنَّما يُعرِّفُها مُدةً يَقعُ بها التَّعريفُ بأنْ يَغلبَ على ظنِّه أنَّ صاحِبَها لا يَطلبُها بعدَ ذلك وعليه الفَتوَى (٢).
(١) «الإشراف» (٦/ ٣٦٩، ٣٧٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٠٢)، و «الهداية» (٢/ ١٧٥)، و «الاختيار» (٣/ ٣٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٩٠، ١٩١)، و «اللباب» (١/ ٦٦٢).
وقالَ المالِكيةُ: المالُ المُلتقَطُ ثَلاثةُ أَنواعٍ:
١ - إما تافِهٌ وهو ما دونَ الدِّرهمِ فهذا لا يُعرَّفُ أَصلًا.
٢ - وإما كَثيرٌ له بالٌ وهو ما فَوقَ الدِّينارِ فهذا يُعرَّفُ سَنةً.
٣ - وإما فَوقَ التافِهِ ودُونَ الكَثيرِ الذي له بالٌ وهو الدِّينارُ فأَقلُّ إلى الدِّرهمِ فهذا يُعرَّفُ أَيامًا حتى يَغلبَ على الظنِّ أنَّ صاحِبَه ترَكَه، وللمُلتقِطِ التَّصرفُ فيه بعدَ تلك الأَيامِ لا على بَعدِ سَنةٍ، وقيلَ: يُعرَّفُ هذا سَنةً أيضًا، والأَولُ الرَّاجحُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ: المالُ الحَقيرُ أي القَليلُ المُتموَّلُ ولا يُقدَّرُ بشيءٍ في الأَصحِّ بل ما هو ما يَغلبُ على الظنِّ أنَّ فاقِدَه لا يُكثرُ أَسفُه عليه ولا يَطولُ طَلبُه له غالبًا؛ لأنَّ ذلك دَليلٌ على حَقارتِه، وقُدِّرَ بالدِّينارٍ وقُدِّرَ بالدِّرهمِ، والأَصحُّ أنَّه لا يُقدَّرُ بشيءٍ لا يُعرَّفُ سَنةً؛ لأنَّ فاقِدَه لا يَدومُ على طلبِه سَنةً بخِلافِ الخَطيرِ، بل الأَصحُّ أنَّه لا يَلزمُه أنْ يُعرِّفَه إلا زَمنًا يُظَنُّ أنَّ فاقِدَه يُعرضُ عنه بعدَه غالبًا، فإذا غلَبَ على الظنِّ إِعراضُه سقَطَ تَعريفُه، ويَختلفُ ذلك باختِلافِ المالِ، فدَانقُ الفِضةِ يُعرَّفُ في الحالِ، ودَانقُ الذَّهبِ ثَلاثةَ أَيامٍ.
(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٣٥، ٣٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٢٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٢٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٦)، و «حاشية الصاوي» (٢/ ٢٥٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣١).
والثانِي مُقابلُ الأَصحِّ يُعرَّفُ سَنةً؛ لعُمومِ الأَخبارِ، ولأنَّها جِهةٌ مِنْ جِهاتِ التَّملكِ فاستَوَى فيها القَليلُ والكَثيرُ (١).
أمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وليسَ عن أَحمدَ وأَكثرَ مَنْ ذكَرْنا تَحديدُ اليَسيرِ الذي يُباحُ، وقالَ مالِكٌ وأَبو حَنيفةَ: لا يَجبُ تَعريفُ ما لا يُقطَعُ به السارِقُ وهو رُبعُ دِينارٍ عندَ مالِكٍ وعَشرةُ دَراهمَ عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ ما دونَ ذلك تافِهٌ فلا يَجبُ تَعريفُه كالكِسرةِ والتَّمرةِ؛ والدَّليلُ على أنَّه تافهٌ قولُ عائِشةَ رضي الله عنها: «كانُوا لا يَقطعونَ في الشيءِ التافِهِ». ورُويَ عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه وجَدَ دِينارًا فتصرَّفَ فيه، ورَوى الجَوزجانِيُّ عن سَلمى بنتِ كَعبٍ قالَت: «وجَدتُ خاتِمًا مِنْ ذَهبٍ في طَريقِ مَكةَ فسأَلتُ عائِشةَ عنه فقالَت: تَمتَّعي به».
ورَوى أَبو داودُ بإِسنادِه عن جابِرٍ قالَ: «رخَّصَ لنا رَسولُ اللهِ ﷺ في العَصاءِ والسَّوطِ والحَبلِ وأَشباهِه يَلتقطُه الرَّجلُ يَنتفعُ به». والحَبلُ قد تَكونُ قيمَتُه دَراهمَ.
وعن ابنِ ماجَه بإِسنادِه عن سُويدِ بنِ غَفَلةٍ قالَ: «خرَجتُ معَ سَلمانَ بنِ رَبيعةَ وزَيدِ بنِ صَوحانَ حتى إذا كُنا بالعذَيبِ التقَطتُ سَوطًا فقالَا لي: أَلقِه، فأبَيتُ، حتى قدِمْنا المَدينةَ أتَيتُ أُبيَّ بنَ كَعبٍ فذكَرتُ ذلك له فقالَ: أصَبتَ»، قالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، وللشافِعيةُ ثَلاثةُ أَوجهٍ كالمَذاهبِ الثَّلاثةِ.
(١) «المهذب» (١/ ٤٣٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢١٩)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥١٤)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٦٣٢)، و «الديباج» (٢/ ٥٦٢٥).
ولَنا: على إِبطالِ تَحديدِه بما ذكَرُوه أنَّ حَديثَ زَيدِ بنِ خالِدٍ عامٌّ في كلِّ لُقطةٍ فيَجبُ إِبقاؤُه على عُمومِه إلا ما خرَجَ مِنه بالدَّليلِ، ولَم يَردْ بما ذكَرُوه نَصٌّ ولا هو في مَعنى ما ورَدَ النصُّ به، ولأنَّ التَّحديدَ والتَّقديرَ لا يُعرَفُ بالقِياسِ وإنَّما يُؤخَذُ مِنْ نصٍّ أو إِجماعٍ، وليسَ فيما ذكَرُوه نصٌّ ولا إِجماعٌّ، وأمَّا حَديثُ عليٍّ فهو ضَعيفٌ رَواه أَبو داودَ وقالَ: طُرقُه كلُّها مُضطرِبةٌ، ثُم هو مُخالِفٌ لمَذهبِهم ولسائِرِ المَذاهبِ فتَعينَ حَملُه على وجهٍ مِنْ الوُجوهِ غيرِ اللُّقطةِ، إمَّا لكونِه مُضطرًّا إليه أو غيرِ ذلك.
وحَديثُ عائِشةَ قَضيةٌ في عَينِ لا يُدرى كم قَدرُ الخاتَمِ، ثُم هو قَولُ صَحابيٍّ وكذا حَديثُ عَليٍّ، وهم لا يَرونَ ذلك حُجةً، وسائِرُ الأَحاديثِ ليسَ فيها تَقديرٌ، لكنْ يُباحُ أَخذُ ما ذكَرَه النبِيُّ ﷺ، وخصَّ في أَخذِه مِنْ السَّوطِ والعَصا والحَبلِ وما في قيمَةِ ذلك، وقدَّرَه الشَّيخُ أَبو الفَرجِ في كِتابِه بما دُونَ القِيراطِ، ولا يَصحُّ تَحديدُه لمَا ذكَرْنا (١).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ: وفي المُغنِي: ليسَ عن أَحمدَ تَحديدُ اليَسيرِ الذي يُباحُ والمَعروفُ في المَذهبِ تَقييدُه بما لا تَتبعُه هِمةُ أَوساطِ النَّاسِ ولو كثُرَ، ونصَّ في رِوايةِ أَبي بكرِ بنِ صَدقةَ أنَّه يُعرِّفُ الدِّرهمَ، وقالَ ابنُ عَقيلَ: لا يَجبُ تَعريفُ الدانِقِ، وحمَلَه في التَّلخيصِ على دانِقِ الذَّهبِ نَظرًا لعُرفِ العِراقِ، وعنه يَلزمُه تَعريفُ اليَسيرِ، وقيلَ مُدةَ يُظنُّ طَلبُ ربِّه له، ولا يَلزمُه دَفعُ بَدلِه خِلافًا للتَّبصرةِ، وقيلَ لأَحمدَ في الثَّمرةِ يَجدُها أو يُلقيها عُصفورٌ
(١) «المغني» (٦/ ٦).
أيَأكلُها؟ قالَ: لا، قالَ: يَتصدَّقُ؟ قالَ: لا يَعرِضُ لها، نقَلَه أَبو طالِبٍ، واختارَه عبدُ الوَهابِ الورَّاقُ (١).
وقالَ المَرداويُّ رحمة الله عليه: ما لا تَتبعُه الهِمةُ يَعني هِمةَ أَوساطِ النَّاسِ ولو كثُرَ، وهذا المَذهبُ وعليه جَماهيرُ الأَصحابِ، وجزَمَ به في «الوَجيز» وغيرِه، وقدَّمَه في «الفُروع» وغيرِه، ومثَّلَه المُصنَّفُ بالسَّوطِ والشَّسْعِ والرَّغيفِ.
ومثَّلَه في «الإِرشاد و «تَذكِرة ابنِ عَقيلٍ» و «الهِداية» و «المُذهَب» و «المُستوعِب» وجَماعةٌ بالتَّمرةِ والكِسرةِ وشِسْعِ النَّعلِ وما أَشبهَه.
ومثَّله في «المُغني» بالعَصا والحَبلِ وما قِيمتُه كقِيمةِ ذلك.
قالَ الحارِثيُّ: ما لا تَتبعُه الهِمةُ، نصَّ الإِمامُ أَحمدُ رحمة الله عليه في رِوايةِ عبدِ اللهِ وحَنبلٍ أنَّه ما كانَ مِثلَ التَّمرةِ والكِسرةِ والخِرقةِ وما لا خَطرَ له فلا بَأسَ.
وقالَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: الذي يُعرَّفُ مِنْ اللُّقطةِ كلُّ شيءٍ إلا ما لا قِيمةَ له.
وسُئلَ الإِمامُ أَحمدُ رحمة الله عليه في رِوايةِ حَربٍ: الرَّجلُ يُصيبُ الشِّسعَ في الطَّريقِ أيَأخذُه؟ قالَ: إذا كانَ جَيدًا مما لا يُطرَحُ مثلُه فلا يُعجبُني أنْ يَأخذَه، وإنْ كانَ رَديئًا قد طرَحَه صاحِبُه فلا بَأسَ.
قالَ الحارِثيُّ: فكَلامُ الإِمامِ أَحمدَ رحمة الله عليه لا يُوافِقُ ما قالَ في المُغني، ولا شكَّ أنَّ الحَبلَ والسَّوطَ والرَّغيفَ يَزيدُ على التَّمرةِ والكِسرةِ، قالَ:
(١) «المبدع» (٥/ ٢٧٤)، و «منار السبيل» (٢/ ١٥٥).
وسائرُ الأَصحابِ على ما قالَ الإِمامُ أَحمدُ رحمة الله عليه في ذلك كلِّه، ولا أَعلمُ أَحدًا وافَقَ المُصنفَ إلا أَبا الخَطابِ في الشِّسعِ فقط. انتَهى.
وقيلَ: هو ما دُونَ نِصابِ السَّرقةِ.
قالَ في الكافِي: ويُحتمِلُ أنْ لا يَجبَ تَعريفُ ما لا يُقطَعُ فيه السارِقُ.
وقيلَ: هو ما دُونَ قِيراطٍ مِنْ عَينٍ أو وَرِقِ، اختارَه أَبو الفَرجِ في المبهجِ والإِيضاحِ، وردَّه المُصنِّفُ، وذكَرَ القاضِي وابنُ عَقيلٍ: لا يَجبُ تَعريفُ الدانِقِ.
قالَ الحارِثيُّ: والظاهِرُ أنَّه عَنى دانِقًا مِنْ ذَهبٍ، وكذا قالَ صاحِبُ التَّلخيصِ.
قالَ في «الرِّعاية»: وقيلَ بل ما فَوقَ دانِقِ ذَهبٍ، وقالَ أيضًا: وعنه يُعرِّفُ الدِّرهمُ فأَكثرُ.
فائِدةٌ: لو وجَدَ كَناسٌ أو نَخالٌ أو مُقلِّشٌ قِطعًا صِغارًا مُتفرِّقةً ملَكَها بلا تَعريفٍ وإنْ كَثرَت.
قولُه: فيَملكُ بأَخذِه بلا تَعريفٍ؛ هذا المَذهبُ وعليه الأَصحابُ، ونصَّ عليه الإِمامُ أَحمدُ رحمة الله عليه.
وعنه: يَلزمُه تَعريفُه، ذكَرَها أَبو الحُسينِ.
وقيلَ: يَلزمُه تَعريفُه مُدةَ يُظنُّ طَلبُ ربِّه له، اختارَه في الرِّعايةِ (١).
(١) «الإنصاف» (٦/ ٣٩٩، ٤٠١).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب اللقطة
مسألة:
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذَكَرَهُ لَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ فَلَمْ يُعْرَفْ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرُمَهُ.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ مَا رَوَيْنَا فَاللُّقَطَةُ وَالضَّوَالُّ مُخْتَلِفَانِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ. فَالضَّوَالُّ الْحَيَوَانُ لِأَنَّهُ يَضِلُّ بِنَفْسِهِ وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَاللُّقَطَةُ غَيْرُ الْحَيَوَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهَا لَهَا وَلَهَا حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنْ تُوجَدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إِذَا ادَّعَاهَا.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ فَعَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خَرَابٍ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ.
وَقَوْلُهُ فِي طَرِيقٍ مَيْتَاءَ يَعْنِي مَمْلُوكَةً قَدِيمَةً سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا وَرُوِيَ فِي طَرِيقٍ مَأْتَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِتْيَانِ النَّاسِ إِلَيْهَا.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللقطة
٩٣٩ - مسألة؛ قال: (ومن وجد لقطة، عرفها سنة في الأسواق، وأبواب المساجد)
٩٣٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، عَرَّفَها سَنَةً في الأسْواقِ، وأبْوابِ الْمَسَاجِدِ)
وجُمْلَتُه أنَّ في التَّعْرِيفِ سِتَّةَ فُصُولٍ؛ في وُجُوبِه، وقَدْرِه، وزَمَانِه، ومَكَانِه، وكَيْفيَّتِه، ومن يَتَوَلَّاهُ. أمَّا وُجُوبُه، فإنَّه واجِبٌ على كلِّ مُلْتَقِطٍ، سواءٌ أرادَ تَمَلُّكَها أو حِفْظَها لِصَاحِبِها. وقال الشافِعِيُّ: لا تَجِبُ على من أرَادَ حِفْظَها لِصَاحِبِها. ولَنا، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ به زَيْدَ بن خالِدٍ ، وأُبَيَّ بن كَعْبٍ ، ولم يُفَرِّقْ، ولأنَّ حِفْظَها لِصَاحِبِها إنَّما يُقَيَّدُ بإيصَالِها إليه. وطَريقُه التَّعْريفُ ، أما بَقَاؤُها في يَدِ المُلْتَقِطِ من غيرِ وُصُولِها إلى صاحِبِها، فهو وهَلَاكُها سِيَّان، ولأنَّ إمْساكَها من غيرِ تَعْرِيفٍ، تَضْيِيعٌ لها عن صاحِبِها، فلم يَجُزْ، كَرَدِّها إلى مَوْضِعِها، أو إلْقائِها في غيرِه، ولأنَّه لو لم يَجِب التَّعْرِيفُ، لما جازَ الالْتِقَاطُ؛ لأنَّ بَقَاءَها في مَكانِها إذًا أقْرَبُ إلى وُصُولِها إلى صَاحِبِها، إمَّا بأن يَطْلُبَها في المَوْضِعِ الذي ضاعَتْ فيه فيَجِدَها، وإمَّا بأن يَجِدَها مَن يَعْرِفُها، وأَخْذُ هذا لها يُفَوِّتُ الأمْرَيْنِ، فيَحْرُمُ، فلما جازَ الالْتِقاطُ وَجَبَ التَّعْرِيفُ، كيلا يَحْصُلَ هذا الضَّرَرُ. ولأنَّ التَّعْرِيفَ واجِبٌ على مَن أرادَ تَمَلُّكَهَا، فكذلك على مَن أرادَ حِفْظَها، فإنَّ التَّملُّكَ غيرُ واجِبٍ، فلا تَجِبُ الوَسِيلَةُ إليه، فيَلْزَمُ أن يكونَ الوُجُوبُ في المَحَلِّ المُتَّفَقِ عليه، لِصِيَانَتِها عن الضَّيَاعِ عن صَاحِبِها، وهذا مَوْجُودٌ في مَحَلِّ النِّزَاعِ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللقطة
الجملة الثانية في أحكام اللقطة
والثَّانِي: لَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا منْشِدٌ، فَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ أَنَّهَا لَا تُرْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يُنْشِدُهَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مَنْ يُنْشِدُهَا لِيُعَرِّفَ النَّاسَ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُعَرَّفُ هَاتَانِ اللُّقَطَتَانِ أَبَدًا
فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ: فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ.
وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا، وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الْإِبِلَ بِاتِّفَاقٍ.
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.