الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > هل التعريف يكون على الفور أم التراخي؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةهل التَّعريفُ يَكونُ على الفَورِ أم التَّراخِي؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في التَّعريفِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ على الفَورِ أم الواجِبُ هو تَعريفُ سَنةٍ أيًّا كانَت؟
فذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في الأَصحِّ إلى أنَّه يَجبُ تَعريفُ اللُّقطةِ سَنةً، ولا يُشترطُ أنْ تَكونَ عُقيبَ الالتِقاطِ، فمتى عرَّفَها ولو بعدَ سَنةٍ مِنْ التِقاطِها صَحَّ.
وذهَبَ المالِكيةُ في القَولِ الثانِي والشافِعيةُ في مُقابلِ الصحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجبُ تَعريفُها مِنْ وَقتِ الالتِقاطِ ولا يَجوزُ تَأخيرُ التَّعريفِ، فإنْ أُخِّرَ فتلِفَت ضمَنَها وبَيانُه على هذا التَّفصيلِ.
قالَ المالِكيةُ: يَجبُ تَعريفُ اللُّقطةِ سَنةً، إلا أنَّهم اختلَفُوا على قَولينِ فيما لو أخَّرَ التَّعريفَ، فقالَ بَعضُهم: يَجبُ التَّعريفُ عُقيبَ الالتِقاطِ، فلو أخَّرَ التَّعريفَ ضمِنَ؛ لأنَّ ذلك داعِيةٌ إلى إِياسِ ربِّها فلا يَتعرضُ إلى طَلبِها، فإنْ ترَكَ تَعريفَها حتى طالَ ضمِنَها.
وفي «مُعين الحُكامِ»: فَرعٌ: وإذا أمسَكَ المُلتقِطُ اللُّقطةَ سَنةً ولَم يُعرِّفْها ثُم عرَّفَها في الثانِيةِ فهلَكَت ضمِنَها، وكذلك إنْ هلَكَت في السَّنةِ الأُولَى ضمِنَها إذا تبيَّنَ أنَّ صاحِبَها مِنْ المَوضعِ الذي وُجدَت فيه، وإن كانَ مِنْ غيرِه فغابَ بُقربِ ضَياعِها ولَم يَقدمْ في الوَقتِ الذي ضاعَت فيه لَم يَضمنْ. انتهى
والثانِي: أنَّه إنْ أخَّرَ التَّعريفَ سَنةً ثُم عرَّفه بعدَ ذلك فهلَكَ ضمِنَها؛ لأنَّ الضَّمانَ إذا ضاعَت حالَ التَّعريفِ إنَّما يَكونُ إذا أخَّرَه سَنةً، وأمَّا إنْ أخَّرَه أَقلَ مِنْ سَنةٍ ثُم شرَعَ في التَّعريفِ فضاعَت فلا ضَمانَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: المُبادَرةُ بالتَّعريفِ عَقبَ الالتِقاطِ لا تَجبُ على الأَصحِّ، بل المُعتبَرُ تَعريفُ سَنةٍ متى كانَ.
قالَ البَلقينيُّ: مَحلُّ جَوازِ التَّأخيرِ ما لَم يَغلبْ على ظنِّ المُلتقِطِ أنَّه يُفوتُ مَعرفةَ المالِكِ بالتَّأخيرِ، فإنْ غلَبَ على ظنِّه ذلك وجَبَ البِدارُ ولَم يَتعرَّضُوا له.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وهذا ظاهِرٌ، وإذا لَم يُوجبْ المُبادرةَ يَنبغِي كما قالَ بَعضُ المُتأخِّرينَ أنْ يُؤرِّخَ وُجدانَ اللُّقطةِ في تَعريفِه ويُسندَه إلى وَقتِه، حتى يَكونَ ذلك في مُعاوضةِ ما جَرى منَ التَّأخيرِ المَنسيِّ (٢).
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ التَّعريفَ يَجبُ حَولًا مِنْ حينِ التقَطَها فيُعرِّفُها عُقيبَ الالتِقاطِ في السَنةِ وتَكونُ مُتواليةً في نَفسِها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بتَعريفِها حينَ سُئلَ عنها، والأَمرُ يَقتضي الفَورَ، ولأنَّ القَصدَ بالتَّعريفِ وُصولُ الخبَرِ إلى صاحِبِها، وذلك يَحصلُ بالتَّعريفِ عُقيبَ ضَياعِها مُتواليًا؛
(١) «مواهب الجليل» (٨/ ٣٢)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٢٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٢٧).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٥١٤)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢١٦).
لأنَّ صاحِبَها في الغالِبِ إنَّما يَتوقَّعُها ويَطلبُها عُقيبَ ضَياعِها، فيَجبُ تَخصيصُ التَّعريفِ به (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ رحمة الله عليه: إذا أَخرَ التَّعريفَ عن الحَولِ الأوَّلِ معَ إِمكانِه أَثمَ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ به فيه والأَمرُ يَقتضي الوُجوبَ، وقالَ في حَديثِ عِياضِ بنِ حِمارٍ: «لا تَكتمْ ولا تُغيِّبْ». ولأنَّ ذلك وَسيلةٌ إلى أنْ لا يَعرفَها صاحِبُها، فإنَّ الظاهِرَ أنَّه بعدَ الحَولِ يَيأَسُ مِنها ويَسلُو عنها ويَتركَ طلَبَها.
ويَسقُطُ التَّعريفُ بتَأخيرِه عن الحَولِ الأَولِ في المَنصوصِ عن أَحمدَ؛ لأنَّ حِكمةَ التَّعريفِ لا تَحصلُ بعدَ الحَولِ الأَولِ، وإنْ ترَكَه في بعضِ الحَولِ عرَّفَ بَقيتَه.
ويَتخرَّج أنْ لا يَسقطَ التَّعريفُ لتَأخرِه؛ لأنَّه واجِبٌ فلا يَسقطُ بتَأخيرِه عن وَقتِه كالعِباداتِ وسائِرِ الواجِباتِ، ولأنَّ التَّعريفَ في الحَولِ الثانِي يَحصلُ به المَقصودُ على نوعٍ مِنْ القُصورِ فيَجبُ الإِتيانُ به؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «إذا أمَرتُكم بأَمرٍ فأتُوا مِنه ما استَطَعتُم». فعلى هذا إنْ أخَّرَ التَّعريفَ بعضَ الحَولِ أَتى بالتَّعريفِ في بَقيتِه وأَتمَّه مِنْ الحَولِ الثانِي، وعلى كلا القَولينِ لا يَملكُها بالتَّعريفِ فيما عدا الحَولَ الأوَّلَ؛ لأنَّ شَرطَ المُلكِ التَّعريفُ في الحَولِ الأوَّلِ ولَم يُوجدْ.
(١) «المغني» (٦/ ٤)، و «الكافي» (٢/ ٣٥٣)، و «المبدع» (٥/ ٢٨١)، و «الروض المربع» (٢/ ١٦١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الغصب
٨٧٠ - مسألة؛ قال: (من أتلف لذمي خمرا أو خنزيرا، فلا غرم عليه، وينهى عن التعرض لهم فيما لا
بِقِيمَةٍ أُخْرَى، لأنَّ القِيمَةَ التي أخَذَها اسْتُحِقّتْ بِسَبَبٍ كان في يَدِ الغاصِبِ، فكانتْ من ضَمَانِه. ولو كان العَبْدُ وَدِيعَةً، فجَنَى جِنَايةً اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَهُ، ثم إن المُودِعَ قَتَلَه بعدَ ذلك، وَجَبَتْ عليه قِيمَتُه، وتَعَلَّقَ بها أَرْشُ الجِنَايَةِ، فإذا أخَذَها وَلِيُّ الجِنَايةِ، لم يَرْجِعْ على المُودعِ؛ لأنَّه جَنَى، وهو غيرُ مَضْمُونٍ عليه. ولو أنَّ العَبْدَ جَنَى في يَدِ سَيِّدِه جِنَايةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ، ثم غَصَبَهُ غاصِبٌ، فجَنَى في يَدِه جِنَايةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، بِيعَ في الجِنَايَتَيْنِ، وقُسِمَ ثَمَنُه بينهما، ورَجَعَ صاحِبُ العَبْدِ على الغاصِبِ بما أَخَذَه الثانِى منهما؛ لأنَّ الجِنَايَةَ كانتْ في يَدِه، وكان لِلْمَجْنِيِّ عليه أوَّلا أن يَأْخُذَه دُونَ الثاني؛ لأنَّ الذي يَأْخُذُه المالِكُ من الغاصِبِ هو عِوَضُ ما أخَذَه المَجْنِيُّ عليه ثانِيًا، فلا يَتَعَلَّقُ به حَقُّهُ، ويَتَعَلَّقُ به حَقُّ الأَوَّلِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن قِيمَةِ الجانِى لا يُزاحمُ فيه، فإن ماتَ هذا العَبْدُ في يَدِ الغاصِبِ، فعليه قِيمَتُه تُقْسَمُ بينهما، ويَرْجِعُ المالِكُ على الغاصِبِ بِنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للجِنَايَةِ الثانِيَةِ، ويكونُ لِلْمَجْنِىِّ عليه أَوَّلًا أن يَأْخُذَه؛ لما ذَكَرْنَاهُ.
٨٧٠ - مسألة؛ قال: (مَنْ أَتْلَفَ لِذِمِّيٍّ خمْرًا أو خِنْزِيرًا، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، ويُنْهَى عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا لَا يُظْهِرُونَهُ)
ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.