هل يجوز له أكل ضالة الغنم

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الالتقاط > هل يجوز له أكل ضالة الغنم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

هل يجوز له أكل ضالة الغنم - الأقوال والأدلة

واستَدلَّ جَماهيرُ أَهلِ العِلمِ على جَوازِ التِقاطِ ضالَّةِ الغَنمِ بخبَرِ الصَّحيحينِ عن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنيِّ رضي الله عنه قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ فسأَلَه عن اللُّقطةِ فقالَ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فشَأنَك بها». قالَ: فضالَّةُ الغَنمِ؟ قالَ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ». قالَ فضالَّةُ الإِبلِ؟ قالَ: «ما لك ولها، معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتأكُلُ الشَّجرَ حتى يَلقاها ربُّها» (١).

والفَرقُ بينَها وبينَ ضالَّةِ الإِبلِ أنَّ الإِبلَ تَحفظُ نَفسَها مِنْ الوَحشِ إنْ أَرادَها، وتَعيشُ بنفسِها وتَقدرُ على الشُّربِ مِنْ الغَدِرِ (٢) والأَكلِ مِنْ الشَّجرِ، فيَبعدُ خَوفُ الهَلاكِ عليها، وربَّما يَجيءُ صاحِبُها فيَجدُها، وليسَ كذلك ضالَّةُ الغَنمِ؛ لأنَّها لا تَعيشُ بنفسِها ولا تَقدرُ على الشُّربِ مِنْ الغدِرِ ولا تَمتنعُ مِنْ الوَحشِ والحَيوانِ المُفترسِ، وكانَ الغالِبُ هَلاكَها حتى لَم تُؤخذْ (٣).

هل يَجوزُ له أَكلُ ضالَّةِ الغَنمِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ ضالَّةِ الغَنمِ إذا وجَدَها مُلتقِطُها في المَوضعِ المَخوفِ أنَّ له أَكلَها.

قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: أجمَعُوا على أنَّ مُلتقِطَ ضالَّةِ الغنَمِ في المَوضعِ المَخوفِ عليها له أَكلُها (٤).

(١) أخرجه البخاري (٢٢٩٧)، ومسلم (١٧٢٢).
(٢) الغدرُ: القِطعةُ من الماءِ يُغادِرُها السيلُ. «القاموس المحيط» (٢/ ١٠٠).
(٣) «المعونة» (٢/ ٢٢٥).
(٤) «الإفصاح» (٢/ ٦٠).

وقالَ ابنُ رشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا ضالَّةُ الغَنمِ فإنَّ العُلماءَ اتَّفقوا على أنَّ لواجدِ ضالَّةِ الغَنمِ في المَكانِ القفرِ البَعيدِ مِنْ العُمرانِ أنْ يَأكلَها؛ لقَولِه عليه الصلاة والسلام في الشَّاةِ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» (١).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأَجمَعوا على أنَّ ضالَّةَ الغَنمِ في المَوضعِ المَخوفِ عليها له أكلُها (٢).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وكذلك الحُكمُ في كلِّ حَيوانٍ لا يَمتنعُ بنفسِه مِنْ صِغارِ السِّباعِ، وهي الثَّعلبُ وابنُ آوى والذِّئبُ ووَلدُ الأَسدِ ونحوُها، فما لا يَمتنعُ مِنها كفُصلانِ الإبلِ وعُجولِ البَقرِ وأَفلاءِ الخَيلِ-أولادُها- والدَّجاجِ والإِوزِّ ونحوِها يَجوزُ التِقاطُه (٣).

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا، هل هذا الحُكمُ خاصٌّ بمَن يَجدُها في الفلاةِ والصَّحراءِ والمَواضعِ المُهلِكةِ؟ أم هو عامٌّ مُطلقًا سَواءٌ كانَ في المِصرِ والعُمرانِ أو في الصَّحراءِ؟

فذهَبَ الإِمامُ مالِكٌ وأَبو عُبيدٍ وابنُ المُنذرِ إلى أنَّ هذا الحُكمَ خاصٌّ بمَن وجَدَها في مَهلكةٍ، أمَّا مَنْ وجَدَها في المِصرِ أو إلى جَنبِ قَريةٍ أو مَوضعٍ يُمكنُ ضَمُّها إليه لَم يَجزْ له أَخذُها؛ لأنَّه يَصلُ إلى حِفظِها على صاحِبِها مِنْ غيرِ مَشقةٍ عليه، فلَم يَجزْ إِتلافُها، ولها قِيمةٌ في المَوضعِ الذي

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٠، ٢٣١).
(٢) «التمهيد» (٣/ ١٠٨)، و «الاستذكار» (٧/ ٢٤٥).
(٣) «المغني» (٦/ ٢٨).

وجَدَها به، ولأنَّ النَّبيَّ قالَ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» والذِّئبُ لا يَكونُ في المِصرِ.

وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: (قُلتُ): أرأَيتَ مَنْ التَقطَ شاةً في فَيافي الأَرضِ أو فيما بينَ المَنازلِ؟ (قالَ): سَألتُ مالِكًا عن ضالَّةِ الغَنمِ يَجدُها الرَّجلُ (قالَ): قالَ مالِكٌ: أمَّا ما كانَ قُربَ القُرى فلا يَأكلُها، وليَضمَّها إلى أَقربِ القُرى إليها يُعرِّفُها فيها. (قالَ): وأما ما كانَ في فَلواتِ الأَرضِ والمَهامِهِ فإنَّ تلك يَأكلُها ولا يُعرِّفُها، فإنْ جاءَ صاحِبُها فليسَ له عليه مِنْ ثَمنِها قَليلٌ ولا كَثيرٌ، وكذلك قالَ مالِكٌ، قالَ: ألا تَرى أنَّ النَّبيَّ قالَ في الحَديثِ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ»؟ (١)

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ أنْ يَجدَها بمِصرٍ أو بمَهلَكةٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ قالَ: «خُذْها»، ولَم يُفرقْ ولَم يَستفصلْ، ولو افتَرقَ الحالُ لسأَلَ أو استفصَلَ، ولأنَّها لُقطةٌ فاستَوَى فيها المِصرُ والصَّحراءُ كسائِرِ اللُّقطاتِ، إلا أنَّ الحَنفيةَ قَيَّدُوا ذلك بما إذا خافَ عليها التَّلفَ أو الضَّياعَ مثلَ أنْ يَكونَ البَلدُ فيها الأَسدُ أو اللُّصوصُ، أمَّا إذا كانَت مَأمونةَ التَلفِ فلا يَأخذُها (٢).

قالَ ابنُ قُدامةَ: وقَولُهم إنَّ الذِّئبَ لا يَكونُ إلا في الصَّحراءِ، قُلنا: كَونُها للذِّئبِ في الصَّحراءِ لا يَمنعُ كَونَها لغيرِه في المِصرِ.

(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٧٥)، و «المعونة» (٢/ ٢٢٥).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٩٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥١٠)، و «المغني» (٦/ ٢٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللقطة
٩٤٨ - مسألة؛ قال: (وإذا وجد الشاة بمصر، أو بمهلكة، فهى لقطة)

مَلَكَها. وذَكَرَ القاضي، وأبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، رِوَايةً أخرى، أنَّه لا يَمْلِكُها. ولعلَّها الرِّوَايةُ التي مَنَعَ من الْتِقَاطِها فيها. ولَنا، قولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هِىَ لَكَ أو لأَخِيكَ" . فأضَافَها إليه بلَامِ التَّملُّكِ ، ولأنَّها يُبَاحُ الْتِقَاطُها، فمُلِكَتْ بالتَّعْرِيفِ، كالأَثْمانِ، ولأنَّ ذلك إجْمَاعٌ، حكاه ابنُ عبد البَرِّ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 299 - 301

ارجع إلى أركان الالتقاط للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله