إذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن بعد لزوم العقد

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الشفعة وشروطها > إذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن بعد لزوم العقد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

إذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن بعد لزوم العقد - الأقوال والأدلة

يَرضَى بذِمةِ الشَّفيعِ، ولذلك حَلَّ دَينُ المَيتِ؛ لأنَّ رِضا رَبِّه بذِمتِه لا يُوجِبُ عليه الرِّضا بذِمةِ وارِثِه (١).

إذا حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري بَعضَ الثَّمنِ بعدَ لُزومِ العَقدِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري بعضَ الثَّمنِ أو أبرَأه عن بعضِ الثَّمنِ بعدَ تَمامِ العَقدِ، هل يُحطُّ ذلك عن الشَّفيعِ أو لا؟

قالَ الحَنفيةُ: لو حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري أو أبرَأه عن بعضِ الثَّمنِ سقَطَ ذلك المَحطوطُ عن الشَّفيعِ، ويأخُذُ بما بَقيَ؛ لأنَّ حَطَّ بعضِ الثَّمنِ يَلتحِقُ بأصلِ العَقدِ ويَظهَرُ في حَقِّ الشَّفيعِ، كانَ العَقدُ ما ورَدَ إلا على هذا القَدرِ.

وإنْ حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري جَميعَ الثَّمنِ لم يَسقُطْ عن الشَّفيعِ منه شَيءٌ؛ لأنَّ حَطَّ الكلِّ لا يَلتحِقُ بأصلِ العَقدِ؛ لعَدمِ بَقاءِ ما يَكونُ ثَمنًا، ولأنَّ في تَصحيحِ الزِّيادةِ في الثَّمنِ في حَقِّ الشَّفيعِ ضَررًا به، ولا ضَررَ عليه في الحَطِّ، فيأخُذُ الشَّفيعُ بجَميعِ الثَّمنِ، ولأنَّه لو التحَقَ لبطَلَ البَيعُ؛ لأنَّه يَكونُ بَيعًا بلا ثَمنٍ، فلم يَصحَّ الحَطُّ في حَقِّ الشَّفيعِ، والتحَقَ في حَقِّه بالعَدمِ، فيأخُذُ بجَميعِ الثَّمنِ ولا يَسقطُ عنه شَيءٌ.

وإذا زادَ المُشتَري البائِعَ في الثَّمنِ لم تَلزَمْ تلك الزِّيادةُ الشَّفيعَ؛ لأنَّ في اعتِبارِ الزِّيادةِ ضَررًا بالشَّفيعِ؛ لاستِحقاقِه الأخْذَ بما دونَها بخِلافِ الحَطِّ؛

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٢٥٣، ٢٥٤).

لأنَّ فيه مَنفَعةً له، ونَظيرُ الزِّيادةِ إذا جدَّدَ العَقدَ بأكثَرَ من الثَّمنِ الأولِ لم يَلزَمِ الشَّفيعَ، حتى كانَ له أنْ يأخُذَها بالثَّمنِ الأولِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا حَطَّ البائِعُ عن المُبتاعِ بعضَ الثَّمنِ بعدَ لُزومِ العَقدِ نُظِر، فإنْ كانَ يَسيرًا يُشبهُ أنْ يَكونَ الباقي ثَمنًا للشِّقصِ حُطَّ عن الشَّفيعِ، وإنْ كانَ شَيئًا كَثيرًا لا يُبتاعُ بمِثلِه، كانَ ذلك هبةً للمُشتَري ولا يُحَطُّ عن الشَّفيعِ، وذلك لأنَّ الذي يَلزمُ الشَّفيعَ القَدرُ الذي بذَلَ المُشتَري في المُعاوَضةِ عن الشِّقصِ دونَ ما زادَ عليه، والذي بُذلَ هو ما بَقيَ بعدَ الحَطِّ، فوجَبَ أنْ يَكونَ ذلك هو الذي يَلزمُ الشَّفيعَ، ولا يَدخلُ عليه الحَطُّ الكَثيرُ الخارجُ على العادةِ؛ لأنَّ لذلك وَجهًا حُملَ عليه، وهو الهِبةُ دونَ قَصدِ المُشاحةِ في البَيعِ، ولأنَّ ذلك كأنَّه فَسخٌ للعَقدِ الأولِ بالعِوضِ الثاني.

ودَليلُنا على أنَّ الحَطَّ الكَثيرَ لا يَجبُ حَطُّه عن الشَّفيعِ أنَّه هِبةٌ فلم يَسقُطْ بها عن الشَّفيعِ فألزَمَه، كما لو وهَبَ له الثَّمنَ كلَّه بلَفظِ الهِبةِ، ولا يُشبهُ اليَسيرَ؛ لأنَّ الباقيَ لا يَخرجُ عن أنْ يَكونَ ثَمنًا، فيُحملُ الحَطُّ على أنَّه فَسخٌ للعَقدِ وبَيعٌ مُستأنَفٌ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٧)، و «الهداية» (٤/ ٣١)، و «الاختيار» (٢/ ٥٦)، و «العناية» (١٣/ ٤٦٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧)، و «اللباب» (١/ ٥١٥).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٥٣، ١٥٤)، رقم (١٠٠٨)، و «البيان والتحصيل» (١٢/ ٩٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 623 - 624

ارجع إلى أركان الشفعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله