الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الشفعة وشروطها > البيع إذا كان فيه خيار
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةويُؤخذُ الشِّقصُ في الصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ بقيمَتِه، وعن دَمِ الخَطأِ بالدِّيةِ؛ لأنَّ الواجِبَ بالعَمدِ القَودُ، وإنَّما تَجبُ الدِّيةُ بالتَّراضي أو بتَعذُّرِ القَودِ، وليسَ كذلك الخَطأُ؛ لأنَّ الواجِبَ به الدِّيةُ، والشِّقصُ بَدلٌ منها (١).
وقالَ الشافِعيةُ: تَثبتُ الشُّفعةُ فيما مُلكَ بمُعاوَضةٍ مَحضةٍ كالبَيعِ نَصًّا، وغيرِ مَحضةٍ كمَهرٍ وعِوضِ خُلعٍ وعِوضِ صُلحِ دَمٍ في جِنايةِ العَمدِ، فإنْ كانَت خَطًا أو شِبهَ عَمدٍ فالواجِبُ فيها إنَّما هو الإبِلُ، والمُصالَحةُ عنها باطِلةٌ على الأصَحِّ؛ لجَهالةِ صِفاتِها.
وكذا الصُّلحُ عن المالِ، فإنَّه تَثبُتُ الشُّفعةُ فيه قَطعًا وكذا أُجرةٌ؛ لأنَّه يَصحُّ الاعتِياضٌ عنها، ورَأسُ مالِ سَلمٍ فإنَّه في مَعناه، فإنِ اشتَرى شِقصًا ثم قايَلَ البائِعَ فكما لو باعَه (٢).
البَيعُ إذا كانَ فيه خِيارٌ:
إذا كانَت دارٌ بينَ اثنَينِ فباعَ أَحدُهما نَصيبَه لآخَرَ بشَرطِ الخيارِ فقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الخيارَ إذا كانَ للبائِعِ وَحدَه أو للبائِعِ والمُشتَري مَعًا فلا تَجبُ الشُّفعةُ حتى يَجبَ البَيعُ، فليسَ للشَّريكِ أنْ يأخُذَ الشِّقصَ بالشُّفعةِ حتى يَنقَضيَ الخيارُ؛ لأنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ عندَ زَوالِ مِلكِ البائِعِ عن
(١) «المعونة» (٢/ ٢٣٠، ٢٣١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٣٧، ١٣٨)، رقم (٩٩٢).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٠٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٢٩، ٢٣٠)، و «كنز الراغبين» (٣/ ١٠٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٢٤)، و «الديباج» (٢/ ٤١٣)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ١١٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٢٧).
المَبيعِ، وخيارُه يَمنعُ زَوالَ المَبيعِ عن مِلكِه، إلا أنْ يُسقِطَ البائِعُ الخيارَ.
قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المَبيعَ الذي بالخيارِ أنَّه إذا كانَ الخيارُ فيه للبائِعِ أنَّ الشُّفعةَ لا تَجبُ حتى يَجبَ البَيعُ (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو كانَ الخيارُ للمُشتَري وَحدَه، هل تَثبُتُ الشُّفعةُ أو لا بدَّ من وُجوبِ البَيعِ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تَثبُتُ الشُّفعةُ قبلَ انقِضاءِ مُدةِ الخيارِ وقبلَ إِبرامِ العَقدِ؛ لأنَّه مَبيعٌ فيه الخيارُ فلم تَثبُتْ فيه الشُّفعةُ، كما لو كانَ الخيارُ للبائعِ، ولأنَّ العَقدَ لا يَتمُّ ما دامَ الخيارُ باقيًا، والشُّفعةُ إنَّما تَجبُ بعدَ تَمامِ البَيعِ، ولأنَّ أَحكامَ العَقدِ المُتضمِّنِ للخيارِ لا تَختلِفُ بكَونِه للبائِعِ أو للمُشتَري، بدَليلِ أنَّه لا يَستحِقُّ فيه النَّقدَ ولا يُمكنُ التَّصرفُ في أَحدِهما بغيرِ الاختِيارِ، وكذلك الشُّفعةُ.
ولأنَّ في الأخْذِ إِلزامَ المُشتَري بالعَقدِ قبلَ رِضاه بالتِزامِه وإِيجابِ العُهدةِ عليه وتَفويتِ حَقِّه من الرُّجوعِ في عَينِ الثَّمنِ (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في تَخريجٍ إلى أنَّ
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٥).
(٢) «المعونة» (٢/ ٢٣٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٥٥)، رقم (١٠٠٩)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٥)، و «الذخيرة» (٧/ ٣٠٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٦٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٧٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٢٤)، و «تحبير المختصر» (٤٤٤٤)، و «المغني» (٥/ ١٨٣، ١٨٤)، و «الكافي» (٢/ ٤٣٤)، و «المبدع» (٥/ ٢٢٩)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٠٨).
الشُّفعةَ تَثبُتُ إذا كانَ الخيارُ للمُشتَري؛ لخُروجِه عن مِلكِ البائِعِ، ووُجوبُ الشُّفعةِ يَنبَني عليه.
قالَ الحَنفيةُ: لو كانَ الخيارُ للمُشتَري تَجبُ الشُّفعةُ؛ لأنَّ خيارَه لا يَمنَعُ زَوالَ المَبيعِ عن مِلكِ البائِعِ، وحَقُّ الشُّفعةِ يَقفُ عليه (١).
وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: إنْ كانَ الخيارُ للمُشتَري وَحدَه فإنَّه يُؤخَذُ بالشُّفعةِ في الحالِ إنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ في زَمنِ الخيارِ للمُشتَري، وهو الراجِحُ من المَذهبِ.
وإلا بأنْ قُلنا: المِلكُ في زَمنِ الخيارِ للبائِعِ أو مَوقوفٌ، فلا يُؤخَذُ بالشُّفعةِ في الحالِ؛ لأنَّ مِلكَ البائِعِ غيرُ زائِلٍ على التَّقديرِ الأولِ، وغيرُ مَعلومِ الزَّوالِ على التَّقديرِ الثاني.
قالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كانَت دارٌ بينَ اثنَينِ، فباعَ أَحدُهما نَصيبَه بشَرطِ الخيارِ، فإنْ كانَ الخيارُ لهما أو للبائِعِ لم يَكُنْ للشَّفيعِ أنْ يَأخُذَه بالشُّفعةِ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى قَطعِ الخيارِ للبائِعِ.
وإنْ كانَ الخيارُ للمُشتَري وَحدَه وقلنا: إنَّ المِلكَ مَوقوفٌ، أو لا يَنتقِلُ إلى المُشتَري إلا بانقِضاءِ الخيارِ لم يَكُنْ للشَّفيعِ الأخْذُ بالشُّفعةِ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ؛ لأنَّ المِلكَ لم يَحصُلْ للمُشتَري، وإنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ يَنتقِلُ إلى
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٣)، و «الهداية» (٤/ ٣٦)، و «العناية» (١٣/ ٤٨٦)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٢٥٤)، و «البحر الرائق» (٨/ ١٥٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٠٣)، و «اللباب» (١/ ٥١٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٩٤)، و «المغني» (٥/ ١٨٣).
المُشتَري بالعَقدِ نَفسِه فهل يَستحِقُّ الشَّفيعُ الأخْذَ بالشُّفعةِ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ؟ فيه قَولانِ:
أَحدُهما: لا يَستحِقُّ، وهو اختِيارُ أَبي إِسحاقَ المَروَزيِّ؛ لأنَّه بَيعٌ فيه خيارٌ، فلم يَستَحقَّ الشَّفيعُ الأخْذَ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ، كما لو كانَ الخيارُ للبائِعِ، ولأنَّ المُشتَريَ شرَطَ الخيارَ لغَرضٍ قصَدَه، وفي أخْذِ الشَّفيعِ قَبلَ انقِضاءِ الخيارِ تَفويتٌ لغَرضِ المُشتَري، فلم يَجُزْ.
والثاني -وهو اختيارُ الشَّيخَينِ: أَبي حامِدٍ، وأَبي إِسحاقَ-: أنَّه يَستحِقُّ؛ لأنَّه إذا ملَكَ الأخْذَ بعدَ استِقرارِ حَقِّ المُشتَري بانقِضاءِ الخيارِ فلَأنْ يَملِكَ قبلَ ذلك أوْلى، ولأنَّ المُشتَريَ لو وجَدَ بالشِّقصِ عَيبًا فأَرادَ رَدَّه كانَ للشَّفيعِ أنْ يَأخُذَه، ويُبطِلَ ما ثبَتَ للمُشتَري من الرَّدِّ، فكذلك هذا مِثلُه.
وإنْ كانَ بينَ رَجلَينِ دارٌ، فباعَ أَحدُهما نَصيبَه فيه بشَرطِ الخيارِ له وللمُشتَري، أو له وَحدَه، ثم باعَ الشَّريكُ الثانِي نَصيبَه منها بغيرِ خيارٍ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ في البَيعِ الأولِ لم يَكُنْ للبائِعِ الثانِي شُفعةٌ؛ لأنَّ مِلكَه قد زالَ، ولا تَثبُتُ للمُشتَري فيه شُفعةٌ أيضًا؛ لأنَّه ملَكَه بعدَ البَيعِ الأولِ، ولمَن تَثبُتُ الشُّفعةُ في الشِّقصِ الثاني؟ يُبنَى على الأَقوالِ: إلى مَنْ يَنتقِلُ المَبيعُ في حالِ الخيارِ؟
فإنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ فيه للبائِعِ كانَت الشُّفعةُ فيه للبائِعِ؛ لأنَّ مِلكَ الشِّقصِ له في هذه الحالةِ.
فعلى هذا: إذا انقَضى الخيارُ ولم يُفسَخِ العَقدُ فإنَّ الشِّقصَ المَبيعَ أولًا لمُشتَريه، وإنَّ الشِّقصَ المَبيعَ ثانيًا لبائِعِ الشِّقصِ الأولِ؛ لأنَّه مِلكٌ أخَذَه بالبَيعِ الثاني، فلا يَسقطُ بعدَ ذلك.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الغصب
٨٦٢ - مسألة؛ قال: (ومن غصب أرضا، فغرسها، أخذ بقلع غرسه وأجرتها إلى وقت تسليمها، ومقدار نقص
كالبَيْعِ وكالنَّقْصِ. وقد قال أحمدُ، في رِوَايَةِ ابن مَنْصُورٍ: إذا كَسَرَ الحَلْىَ، يُصْلِحُه أَحَبُّ إلىَّ. قال القاضي: وهذا مَحْمُولٌ على أنَّهما تَرَاضَيا بذلك، لا أنَّه على طَرِيقِ الوُجُوبِ. وهذا فيما إذا كانت الصِّنَاعَةُ مُبَاحَةً، فإن كانت مُحَرَّمَةً كالأَوَانِي وحَلْىِ الرِّجَالِ، لم يَجزْ ضَمَانُه بأَكْثَرَ من وَزْنِه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصِّنَاعَةَ لا قِيمَةَ لها شَرْعًا، فهى كالمَعْدُومَةِ.
٨٦٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فغَرَسَها، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِه وأُجْرَتِهَا إلى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا، ومِقْدَارِ نُقْصَانِهَا، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الغَرْسُ) .
ارجع إلى أركان الشفعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.