الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الشفعة وشروطها > الحالة الثانية: أن يكون الثمن مؤجلا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ الثَّمنُ مُؤجَّلًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو باعَ الشَّريكُ نَصيبَه لآخَرَ بثَمنٍ مُؤجَّلٍ، فأَرادَ الشَّفيعُ أنْ يأخُذَ بالشُّفعةِ، هل يأخُذُه بالثَّمنِ نَفسِه حالًّا أو مُؤجَّلًا كما باعَه؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الشَّريكَ إذا باعَ بثَمنٍ مُؤجَّلٍ فإنَّ الشَّفيعَ يأخُذُه بذلك الأجَلِ إنْ كانَ مَليئًا، وإلا أَقامَ ضَمينًا مَليئًا وأخَذَ به؛ لأنَّ الشَّفيعَ تابِعٌ للمُشتَري في قَدرِ الثَّمنِ وصِفتِه، والتَّأجيلُ مِنْ صِفاتِه، ولأنَّ في الحُلولِ زِيادةً على التَّأجيلِ فلم يَلزَمِ الشَّفيعَ كزِيادةِ القَدرِ، فإنْ لم يَكُنِ الشَّفيعُ مَليئًا ولا أتى بضامِنٍ لا يأخُذِ الشِّقصَ حتى يُعجِّلَ الثَّمنَ (١).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٥٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٦٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢١٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٤٣٦)، و «المغني» (٥/ ٢٠٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٧١)، و «المبدع» (٥/ ٢٢٥)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٠١، ٣٠٢)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٩٦)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٣٨)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٥).
وجاءَ في «المُوطَّأِ»: قالَ مالِكٌ في رَجلٍ اشتَرى شِقصًا في أرضٍ مُشتَركةٍ بثَمنٍ إلى أَجلٍ فأَرادَ الشَّريكُ أنْ يأخُذَها بالشُّفعةِ، قالَ مالِكٌ: إنْ كانَ مَليئًا فله الشُّفعةُ بذلك الثَّمنِ إلى ذلك الأَجلِ، وإنْ كانَ مَخوفًا ألَّا يُؤدِّيَ الثَّمنَ إلى ذلك الأَجلِ فإذا جاءَهم بحَميلٍ ثِقةٍ مَليءٍ مِثلِ الذي اشتَرى منه الشِّقصَ في الأرضِ المُشتَركةِ فذلك له (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ إلى أنَّ المُشتَريَ إذا اشتَرى بثَمنٍ مُؤجَّلٍ فالشَّفيعُ بالخيارِ:
إنْ شاءَ أخَذَها بثَمنٍ حالٍّ، وإنْ شاءَ صبَرَ عن الأخْذِ بعدَ استِقرارِها بالإِشهادِ حتى يَنقَضيَ الأجلُ ثم يأخُذَها.
قالَ الحَنفيةُ: وليسَ له أنْ يأخُذَها في الحالِ بثَمنٍ مُؤجَّلٍ؛ لأنَّ الشَّفيعَ إنَّما يأخُذُ بما وجَبَ بالبَيعِ، والأَجلُ لم يَجِبْ بالبَيعِ، وإنَّما وجَبَ بالشَّرطِ، والشَّرطُ لم يُوجَدْ في حَقِّ الشَّفيعِ، وليسَ الرِّضا به في حَقِّ المُشتَري رِضاءً به في حَقِّ الشَّفيعِ لتَفاوُتِ الناسِ.
ولو اختارَ الشَّفيعُ أخَذَ الدارَ بثَمنٍ حالٍّ كانَ الثَّمنُ للبائِعِ على المُشتَري إلى أجَلِه كما كانَ؛ لأنَّ الأخْذَ من المُشتَري منه بمَنزِلةِ التَّملُّكِ المُبتَدأِ، كأنَّه اشتَرى منه فلا يُوجِبُ بُطلانَ البَيعِ الأولِ، فبَقيَ الأولُ على حالِه فكانَ الثَّمنُ على حالِه إلى أَجلِه (٢).
(١) «الموطأ» (٢/ ٧١٥).
(٢) «تحفة الفُقهاء» (٣/ ٦١)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٧)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤١٨)، و «اللباب» (١/ ٥٢١، ٥٢٢).
وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: لو اشتَرى بمُؤجَّلٍ أو بمُنجَّمٍ لا يأخُذُ الشَّفيعُ بمُؤجَّلٍ، بل هو مُخيَّرٌ بينَ:
أنْ يُعجِّلَ الثَّمنَ للمُشتَري ويأخُذَ الشِّقصَ في الحالِ.
أو أنْ يَصبِرَ إلى المَحلِّ ويأخُذَ بعدَ ذلك، وحَقُّه لا يَسقُطُ بتأخيرِه لعُذرِه؛ لأنَّا لو جَوَّزنا له الأَخذَ بالمُؤجَّلِ لأَضرَرْنا بالمُشتَري؛ لأنَّ الذِّممَ تَختلِفُ، وإنْ ألزَمْناه الأخْذَ في الحالِ بنَظيرِه من الحالِ أضرَرْنا بالشَّفيعِ؛ لأنَّ الأجَلَ يُقابِلُه قِسطٌ من الثَّمنِ، فكانَ ذلك دافِعًا للضَّررَينِ وجامِعًا لِلحقَّينِ.
ولو رَضيَ المُشتَري بذِمةِ الشَّفيعِ -أي: بدَفعِ الشِّقصِ وتأجيلِ الثَّمنِ إلى مَحلِّه- تعيَّنَ عليه الأخْذُ حالًّا، وإلا سقَطَ حقُّه.
والثاني مُقابِلُ الأظهَرِ: يأخُذُه بالمُؤجَّلِ تَنزيلًا له مَنزلةَ المُشتَري.
والثالِثُ: يأخُذُه بسِلعةٍ لو بِيعَت إلى ذلك الأَجلِ لبِيعَت بذلك القَدرِ، فيَأخذُه بعِوضٍ يُساوِي الثَّمنَ مُؤجَّلًا؛ لتَعذُّرِ أَخذِه بحالٍّ ومُؤجَّلٍ، فيَتعيَّنُ هذا؛ لأنَّه أقرَبُ إلى العَدلِ (١).
قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «وإنِ اشتَراها بثَمنٍ إلى أَجلٍ قيلَ للشَّفيعِ: إنْ شِئتَ فعَجِّلِ الثَّمنَ وتَعجَّلِ الشُّفعةَ، وإنْ شِئتَ فدَعْ حتى يَحِلَّ الأجَلُ».
(١) «كنز الراغبين» (٣/ ١١١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٣٦، ٢٣٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٢٨)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ١٣٠، ١٣١)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٣٤، ٢٣٥)، و «الديباج» (٢/ ٤١٧).
قالَ الماوَرديُّ: وصُورتُها في رَجلٍ اشتَرى شِقصًا بثَمنٍ مُؤجَّلٍ، وحضَرَ الشَّفيعُ مُطالِبًا، ففيه قَولانِ: أَحدُهما: وهو قَولُه في القَديمِ -وبه قالَ مالِكٌ-: إنَّ للشَّفيعِ أنْ يَتعجَّلَ أخْذَها، ويَكونَ الثَّمنُ في ذِمتِه إنْ كانَ ثِقةً، وإنْ كانَ غيرَ ثِقةٍ أَقامَ ضَمينًا ثِقةً، قالَ الشافِعيُّ رضي الله عنه: وهذا أشبَهُ بَصلاحِ الناسِ.
ووَجهُ هذا القَولِ شَيئانِ:
أَحدُهما: أنَّ الشَّفيعَ يَدخلُ مَدخلَ المُشتَري في قَدرِ الثَّمنِ وصِفاتِه، والأَجلِ وصِفاتِه، فاقتَضى أنْ يأخُذَ بمِثلِ الثَّمنِ وأَجلِه.
والثانِي: أنَّ تَعجيلَ المُؤجَّلِ زِيادةٌ في القَدرِ بتَفاضُلِ الأَثمانِ، وليسَ للمُشتَري أنْ يَستَزيدَ، وتأخيرُ الشَّفيعِ تَخَلٍّ له عن حَقِّه، وليسَ للمُشتَري دَفعُ الشَّفيعِ.
والقَولُ الثانِي: وبه قالَ في الجَديدِ -وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ-: إنَّ الشَّفيعَ لا يَتعجَّلُ الشِّقصَ بالثَّمنِ المُؤجَّلِ، ويُقالُ له: أنتَ مُخيَّرٌ بينَ أنْ تُعجِّلَ الثَّمنَ فتَتعجَّلَ أخْذَ الشِّقصِ وبينَ أنْ تَصبِرَ إلى حُلولِ الأجلِ فتَدفعَ الثَّمنَ وتأخُذَ الشِّقصَ، ووَجهُ هذا القَولِ شَيئانِ:
أَحدُهما: أنَّ أَخذَ الشُّفعةِ باستِحقاقِ الأَجلِ يَدخلُ في عُقودِ المُراضاةِ، ولا يَدخلُ في الاستِحقاقِ ما لم يَكُنْ مُراضاةً.
والثانِي: أنَّ رِضا البائِعِ بذِمةِ المُشتَري لا يُوجِبُ على المُشتَري أنْ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب إحياء الموات
باب ما يكون إحياء
باب ما يكون إحياءٌ
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَالْإِحْيَاءُ مَا عَرَفَهُ النَّاسُ إحياءٌ لِمِثْلِ الْمُحَيَّا إِنْ كَانَ مَسْكَنًا فَبِأَنْ يَبْنِيَ بِمِثْلِ مَا يَكُونُ مِثْلُهُ بِنَاءً وَإِنْ كَانَ لِلدَّوَابِّ فَبِأَنْ يَبْنِيَ مَحْظَرَةً وَأَقَلُّ عِمَارَةِ الزَّرْعِ الَّتِي تُمْلَكُ بِهَا الْأَرْضُ أَنْ يَجْمَعَ تُرَابًا يُحِيطُ بِهَا تَتَبَيَّنُ بِهِ الْأَرْضُ مِنْ غَيْرِهَا وَيَجْمَعَ حَرْثَهَا وَزَرْعَهَا وَإِنْ كَانَ لَهُ عَيْنُ ماءٍ أَوْ بئرٌ حَفَرَهَا أَوْ سَاقَهُ مِنْ نهرٍ إِلَيْهَا فَقَدْ أَحْيَاهَا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِنَّمَا أَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذِكْرَ الْإِحْيَاءَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا، لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِيهِ عُرْفًا وَكُلُّهُمْ إِلَيْهِ كَمَا أَطْلَقَ ذِكْرَ الْحِرْزِ فِي قَطْعِ السَّارِقِ وَالتَّفْرِيطِ فِي الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ، لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِيهِ عُرْفًا لِأَنَّ مَا لَمْ يَتَقَدَّرْ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ كَانَ تَقْدِيرُهُ مَأْخُوذًا مِنَ الْعُرْفِ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَعُرْفُ النَّاسِ فِي الْإِحْيَاءِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمُحَيَّا فَيُقَالُ لِلْمُحْيِي لِمَاذَا تريد إحياؤه؟ فإن قال أريد إحياؤه لِلسُّكْنَى قِيلَ فَأَقَلُّ الْإِحْيَاءِ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ مَالِكًا أَنْ تَبْنِيَ حِيطَانًا تَحْظُرُ، وَسَقْفًا يُورِي، فَإِذَا بَنَيْتَ الْحِيطَانَ وَالسَّقْفَ فَقَدْ أَحْيَيْتَهُ وَمَلَكْتَهُ، وَلَوْ بَنَيْتَ وَلَمْ تَسْقُفْ لَمْ يَكْمُلِ الْإِحْيَاءُ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْمِلْكُ، لِأَنَّ سُكْنَى مَا لَمْ يَسْقُفْ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الْعُرْفِ.
فَصْلٌ
ارجع إلى أركان الشفعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.