الركن الثاني: الآخذ: (أي: الشفيع الذي له حق الشفعة)

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الشفعة وشروطها > الركن الثاني: الآخذ: (أي: الشفيع الذي له حق الشفعة)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

الركن الثاني: الآخذ: (أي: الشفيع الذي له حق الشفعة) - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الثانِي: الآخِذُ: (أي: الشَّفيعُ الذي له حَقُّ الشُّفعةِ):

يُشتَرطُ في الشَّفيعِ الآخِذِ شُروطٌ ذكَرَها الفُقهاءُ، وهي:

أولاً: أنْ يَكونَ مالِكًا لما يَشفَعُ فيه:

اشتَرطَ الفُقهاءُ في الآخِذِ بالشُّفعةِ أنْ يَكونَ مالِكًا للعَقارِ المَشفوعِ به، فلا تَثبُتُ الشُّفعةُ إلا للشَّريكِ في رَقبةِ العَقارِ، فلا شُفعةَ للجارِ -عندَ الجُمهورِ كما تقدَّمَ- ولا للشَّريكِ في غيرِ رَقبةِ العَقارِ، كالشَّريكِ في المَنفعةِ فقط، وقد تقدَّمَ بَيانُ ذلك مُفصَّلًا كما في الرُّكنِ الأولِ.

ثانيًا: أنْ يَكونَ الشَّفيعُ مُسلمًا:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الشُّفعةَ تَجبُ للمُسلمِ على الذِّميِّ كوُجوبِها له على المُسلمِ، وتَجبُ للذِّميِّ على الذِّميِّ كوُجوبِها للمُسلمِ على المُسلمِ.

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا: هل تَثبُتُ الشُّفعةُ للذِّميِّ على المُسلمِ أو لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ المُسلمَ والذِّميَّ في استِحقاقِ الشُّفعةِ سَواءٌ، فالحُكمُ بالشُّفعةِ ليس خاصًّا بالمُسلمِ، بل للشَّريكِ مُطلَقًا ولو كانَ ذِميًّا، فإذا كانَ العَقارُ بينَ مُسلمٍ وذِميٍّ، فباعَ المُسلمُ حِصتَه لمُسلمٍ أو لذِميٍّ فلشَريكِه الذِّميِّ أنْ يأخُذَ بالشُّفعةِ؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ : «الشَّريكُ شَفيعٌ» (١) فعَمَّ، ولأنَّه حَقٌّ وُضعَ لإِزالةِ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١٣٧١).

الضَّررِ فاستَوى فيه المُسلمُ والكافِرُ كالرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّه مَعنًى يُستفادُ بالمِلكِ كالاستِخدامِ.

ولأنَّ ما جازَ أنْ يَملِكَ به المُسلمُ من المُعاوَضاتِ جازَ أنْ يَملكَ به الذِّميُّ كالبِياعاتِ، ولأنَّ مَنْ ملَكَ بالبَيعِ ملَكَ بالشُّفعةِ كالمُسلمِ، ولأنَّ الحُقوقَ المَوضوعةَ لدَفعِ الضَّررِ في العُقودِ يَستَوي فيها المُسلمُ والذِّميُّ كالرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّ ما تعلَّقَ بالشِّركِ مِنْ إِزالةِ المِلكِ استَوى فيه المُسلمُ والذِّميُّ قياسًا على عِتقِ الذِّميِّ شِركًا له في عَبدٍ (١).

وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَثبُتُ للذِّميِّ على المُسلمِ شُفعةٌ؛ لمَا رُويَ عن أَنسٍ رضي الله عنه مَرفوعًا: «لا شُفعةَ لنَصرانِيٍّ» (٢)، وهذا يَخصُّ عُمومَ ما احتَجُّوا به.

ولأنَّه مَعنًى يَختَصُّ بالعَقارِ فأشبَهَ الاستِعلاءَ في البُنيانِ، يُحقِّقُه أنَّ الشُّفعةَ إنَّما ثبَتَت للمُسلمِ دَفعًا للضَّررِ عن مِلكِه، فقُدِّم دَفعُ ضَررِه على دَفعِ

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٤/ ٢٤٤)، و «الهداية» (٤/ ٣٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٩٢)، و «اللباب» (١/ ٥٠٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٤٠، ١٤١)، رقم (٩٩٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٤٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٦٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٠٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٤٢٨)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٣٠٢، ٣٠٣)، و «البيان» (٧/ ١١١، ١١٢)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٤٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٢٢).
(٢) منكر: رواه الطبراني في «الصغير» (٥٦٩)، وابن عدي (٧/ ٥٦، ترجمة ١٩٨٥ نائل بن نجيح)، وقالَ: أحاديثُه مُظلمةٌ جدًّا. والبيهقي (٦/ ١٠٨).

ضَررِ المُشتَري، ولا يَلزمُ من تَقديمِ دَفعِ ضَررِ المُسلمِ على المُسلمِ تَقديمُ دَفعِ ضَررِ الذِّميِّ، فإنَّ حَقَّ المُسلمِ أرجَحُ، ورِعايَتَه أوْلى، ولأنَّ ثُبوتَ الشُّفعةِ في مَحلِّ الإِجماعِ على خِلافِ الأصلِ رِعايةً لحَقِّ الشَّريكِ المُسلمِ، وليس الذِّميُّ في مَعنى المُسلمِ، فيَبقَى فيه على مُقتَضى الأصلِ، وتَثبُتُ الشُّفعةُ للمُسلمِ على الذِّميِّ؛ لعُمومِ الأدِلةِ المُوجِبةِ؛ لأنَّها إذا ثبَتَت في حَقِّ المُسلمِ على المُسلمِ على عِظمِ حُرمتِه ورِعايةِ حَقِّه فلَأنْ تَثبُتَ على الذِّميِّ مع دَناءتِه أوْلى وأحرى.

قالَ ابنُ قُدامةَ: وتَثبُتُ للذِّميِّ على الذِّميِّ؛ لعُمومِ الأَخبارِ، ولأنَّهما تَساوَيا في الدِّينِ والحُرمةِ فتَثبُتُ لأَحدِهما على الآخَرِ كالمُسلمِ على المُسلمِ، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فَصلٌ: كُفارٌ مَمنوعونَ من الاستِيلاءِ على أَملاكِ المُسلِمينَ.

وحَقيقةُ الأمرِ أنَّ الكُفارَ مَمنوعونَ من الاستِيلاءِ على ما ثبَتَ للمُسلِمينَ فيه حَقٌّ من عَقارٍ أو رَقيقٍ أو زَوجةٍ مُسلِمةٍ أو إِحياءِ مَواتٍ أو تَملكٍ بشُفعةٍ من مُسلمٍ؛ لأنَّ مَقصودَ الدَّعوةِ أنْ تَكونَ كَلمةُ اللهِ هي العُليا، وإنَّما أقَرُّوا بالجِزيةِ للضَّرورةِ العارِضةِ، والحُكمُ المُقيَّدُ بالضَّرورةِ مُقدَّرٌ بقَدرِها، ولهذا لم يَثبُتْ عن واحِدٍ من السَّلفِ لهم حَقُّ شُفعةٍ على مُسلمٍ،

(١) «المغني» (٥/ ٢٢٤)، و «الكافي» (٢/ ٤٥٣)، و «المبدع» (٥/ ٢٣٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٠٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٦٧).

وأخَذَ بذلك الإِمامُ أَحمدُ، وهي من مُفرَداتِه التي برَزَ بها على الثَّلاثةِ؛ لأنَّ الشِّقصَ يَملِكُه المُسلمُ إذا أوجَبْنا فيه شُفعةً لذِميٍّ كُنا قد أوجَبْنا على المُسلمِ أنْ يَنقُلَ المِلكَ في عَقارِه إلى كافِرٍ بطَريقِ القَهرِ للمُسلمِ، وهذا خِلافُ الأُصولِ.

والشُّفعةُ في الأصلِ إنَّما هي من حُقوقِ أحدِ الشَّريكَينِ على الآخَرِ، بمَنزلةِ الحُقوقِ التي تَجبُ للمُسلمِ على المُسلمِ، كإِجابةِ الدَّعوةِ وعِيادةِ المَريضِ، وكمَنعِه أنْ يَبيعَ على بَيعِ أَخيه أو يَخطُبَ على خِطبَتِه.

قالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: سألتُ أَبي عن الذِّميِّ اليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ، لهم شُفعةٌ؟ قالَ: لا. قُلتُ: المَجوسيُّ؟ قالَ: ذاك أشَدُّ.

وقالَ حَربٌ: سألتُ أَحمدَ، قُلتُ: أَهلُ الذِّمةِ لهم شُفعةٌ؟ قالَ: لا.

وقالَ أَبو داودَ: سمِعتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسألُ، للذِّميِّ شُفعةٌ؟ قالَ: لا.

وذلك نَقلُ أَبي طالِبٍ وصالِحٍ وأَبي الحارِثِ والأثرَمِ كلِّهم عنه، ليسَ للذِّميِّ شُفعةٌ، زادَ أَبو الحارِثِ «مع المُسلمِ».

قالَ الأثرَمُ: قيلَ له: لِمَ؟ قالَ: لأنَّه ليسَ له مِثلُ حَقِّ المُسلمِ. واحتُجَّ فيه.

قالَ الأثرَمُ: ثنا ابنُ الطَّباعِ ثنا هُشَيمٌ أخبَرَنا الشَّيبانِيُّ عن الشَّعبيِّ أنَّه كانَ يَقولُ: ليسَ لذِميٍّ شُفعةٌ.

وقالَ سُفيانُ عن حُمَيدٍ عن أَبيه: إنَّما الشُّفعةُ لمُسلمٍ، ولا شُفعةَ لذِميٍّ.

وقالَ أَحمدُ: حدَّثَنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ عن حَمَّادِ بنِ زَيدٍ عن لَيثٍ عن مُجاهدٍ أنَّه قالَ: ليسَ ليَهوديٍّ ولا لنَصرانِيٍّ شُفعةٌ.

وقالَ الخَلَّالُ: أخبَرَني مُحمدُ بنُ الحَسنِ بنِ هارونَ قالَ: سُئلَ أَبو عبدِ اللهِ وأنا أَسمعُ عن الشُّفعةِ للذِّميِّ، قالَ: ليسَ للذِّميِّ شُفعةٌ، ليس له حَقُّ المُسلمِ.

أخبَرَني عِصمةُ بنُ عِصامٍ حدَّثَنا حَنبَلٌ قالَ: سمِعتُ أَبا عبدِ اللهِ قالَ: ليسَ ليَهوديٍّ ولا لنَصرانِيٍّ شُفعةٌ، إنَّما ذلك للمُسلِمينَ بينَهم.

وقالَ في رِوايةِ إِسحاقَ بنِ مَنصورٍ: ليسَ لليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ شُفعةٌ. قيلَ: ولِمَ؟ قالَ: لأنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا يَجتمِعُ دِينانِ في جَزيرةِ العَربِ».

وهذا مَذهبُ شُرَيحٍ والحَسنِ والشَّعبيِّ.

واحتَجَّ الإِمامُ أَحمدُ بثَلاثِ حُججٍ.

إِحداها: أنَّ الشُّفعةَ من حُقوقِ المُسلِمينَ بعضِهم على بعضٍ، فلا حَقَّ للذِّميِّ فيها، ونُكتةُ هذا الاستِدلالِ أنَّ الشُّفعةَ من حَقِّ المالِكِ لا من حَقِّ المِلكِ.

الحُجةُ الثانيةُ: قَولُ النَّبيِّ : «لا تَبدَؤوا اليَهودَ والنَّصارى بالسَّلامِ، وإذا لَقيتُموهم في طَريقٍ فاضطَرُّوهم إلى أَضيَقِه» (١).

(١) أخرجه مسلم (٢١٦٧).

وتَقريرُ الاستِدلالِ من هذا أنَّه لم يَجعَلْ له حَقًّا في الطَّريقِ المُشتَركِ عندَ تَزاحُمِهم مع المُسلِمينَ، فكيف يجعَلُ لهم حَقًّا إلى انتِزاعِ مِلكِ المُسلمِ منه قَهرًا؟ بل هذا تَنبيهٌ على المَنعِ من انتِزاعِ الأرضِ من يَدِ المُسلمِ وإخراجِه منها لحَقِّ الكافِرِ لنَفيِ ضَررِ الشَّركةِ عنه، وضَررُ الشَّركةِ على الكافِرِ أهوَنُ عندَ اللهِ من تَسليطِه على إِزالةِ مِلكِ المُسلمِ عنه قَهرًا.

الدَّليلُ الثالِثُ: قَولُه : «لا يَجتمِعُ دِينانِ في جَزيرةِ العَربِ» (١).

ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا أنَّ النَّبيَّ حكَمَ بإِخراجِهم من أرضِهم وبنَقلِها إلى المُسلِمينَ؛ لتَكونَ كَلمةُ اللهِ هي العُليا، ويَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ ، فكيفَ نُسلِّطُهم على انتِزاعِ أَراضي المُسلِمينَ منهم قَهرًا وإِخراجِهم منها.

وأيضًا فالشُّفعةُ حَقٌّ يَختَصُّ بالعَقارِ، فلا يُساوي الذِّميُّ فيه المُسلمَ كالاستِعلاءِ في البُنيانِ، يُوضِّحُه أنَّ الاستِعلاءَ تَصرُّفٌ في هَواءِ مِلكِه المُختصِّ به، فإذا مُنعَ منه فكيف يُسلَّطُ على انتِزاعِ مِلكِ المُسلمِ به قَهرًا وهو مَمنوعٌ من التَّصرفِ في هَوائِه تَصرُّفًا يَستَعلي فيه على المُسلمِ؟ فأينَ هذا الاستِعلاءُ من استِعلائِه عليه بإِخراجِه من مِلكِه قَهرًا؟

وأيضًا فالشُّفعةُ وجَبَت لإِزالةِ الضَّررِ عن الشَّفيعِ وإنْ كانَ فيها ضَررٌ بالمُشتَري، فإذا كانَ المُشتَري مُسلِمًا فسلَّطَ الذِّميَّ على انتِزاعِ مِلكِه منه قَهرًا كانَ فيه تَقديمُ حقٍّ للذِّميِّ على حَقِّ المُسلمِ، وهذا مُمتنِعٌ.

(١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» موقوفًا ومرفوعًا (١٥٨٤).

وأيضًا: فإنَّه يَتضمَّنُ مع إِضرارِه بالمُسلمِ إِضرارًا بالدِّينِ، وتَملُّكَ دارِ المُسلِمينَ منهم قَهرًا وشَغلَها بما يُسخِطُ اللهَ بدَلَ ما يُرضيه، وهذا خِلافُ قَواعدِ الشَّرعِ.

ولذلك حرَّمَ عليهم نِكاحَ المُسلِماتِ؛ إذْ كانَ فيه نَوعُ استِعلاءٍ عليهِنَّ، ولذلك لم يَجُزِ القِصاصُ بينَهم وبينَ المُسلِمينَ، ولا حَدُّ القَذفِ، ولا يُمكَّنونَ من تَملُّكِ رَقيقٍ مُسلِمٍ، وقد قالَ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)[النساء: ١٤١]، ومن أعظَمِ السَّبيلِ تَسليطُ الكافِرِ على انتِزاعِ أَملاكِ المُسلِمينَ منهم وإِخراجِهم منها قَهرًا، وقد قالَ تَعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، وهذا يَقتَضي مُطلَقَ المُساواةِ بينَ المُسلمِ والكافِرِ، لا نَفيَ المُساواةِ المُطلَقةِ، فإنَّها مُنتفيةٌ عن كلِّ شَيئَينِ وإنْ تَماثَلا، وبهذه الآيةِ احتَجَّ من نَفى القِصاصَ بينَهم وبينَ المُسلِمينَ.

وأيضًا: فالذِّميُّ تَبَعٌ لنا في الدارِ، وليسَ بأصلٍ من أهلِ الدارِ، ولهذا عندَ الشافِعيِّ يُؤدِّي الجِزيةَ أُجرةً لمَكانِ السُّكنَى والتَّبسُّطِ في دارِ الإِسلامِ، ولهذا متى نقَضَ العَهدَ أُلحِقَ بمَأمَنِه وأُخرِجَ من دارِنا وأُلحِقَ بدارِه، فهو في دارِ الإِسلامِ أُجريَ مُجرَى الساكِنِ المُنتفِعِ لا مُجرى الساكِنِ الحَقيقيِّ، وحَقُّ السُّكنَى لا يَقوَى على انتِزاعِ الشِّقصِ من يَدِ مالِكِه، وقد قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)[الأنبياء: ١٠٥]، وقالَ النَّبيُّ لليَهودِ: «اعلَموا أنَّ الأرضَ للهِ ورَسولِه» فعِبادُه الصالِحونَ هُمْ وارِثوها، وهُم المُلَّاكُ لها على الحَقيقةِ،

والكُفارُ فيها تَبعٌ يَنتَفِعونَ بها لضَرورةِ إِبقائِهم بالجِزيةِ، فلا يُساوونَ المالِكينَ حَقيقةً، ولهذا منَعَهم كَثيرٌ من الأئِمةِ من شِراءِ الأرضِ العُشريةِ؛ لمَا في ذلك من إِسقاطِ حَقِّ المُسلمِ من العُشرِ الذي يَجبُ، فكيفَ يُسلَّطونَ على انتِزاعِ أرضِ المُسلمِ وعَقارِه منه قَهرًا.

وأيضًا: فلو كانوا مالِكينَ حَقيقةً مَا أَوصى النَّبيُّ بإِخراجِهم من جَزيرةِ العَربِ وقالَ: «لئِنْ عِشتُ لأُخرِجنَّ اليَهودَ والنَّصارَى من جَزيرةِ العَربِ» هذا مع بَقائِهم على عَهدِهم وعَدمِ نَقضِهم له، فلو كانوا مالِكينَ لدُورِهم حَقيقةً لمَا أخرَجَهم منها ولم يَنقُضوا عَهدًا.

ولهذا احتَجَّ الإِمامُ أَحمدُ بذلك على أنَّه لا شُفعةَ لهم على مُسلمٍ، وهذا من ألطَفِ ما يَكونُ من الفَهمِ وأدَقِّ ما يَكونُ من الفِقهِ.

وأيضًا: الشُّفعةُ تَقفُ على مِلكٍ ومالِكٍ، فإذا اختَصَّت الشُّفعةُ بمِلكٍ دونَ مالِكٍ وهو العَقارُ دونَ غيرِه فأوْلى أنْ تَختصَّ بمالِكٍ دونَ مالِكٍ، وهو المُسلمُ دونَ غيرِه، وهذا على أصلِ مَنْ يَقولُ: «الشُّفعةُ تَثبُتُ على خِلافِ القياسِ» ظاهِرٌ جِدًّا، فإنَّها تَسليطٌ على انتِزاعِ مِلكِ الغيرِ منه قَهرًا لمَصلَحةِ الشَّفيعِ، فيَجبُ أنْ يَقتصِرَ بها على ما قامَ عليه الدَّليلُ وثبَتَ به الإِجماعُ دونَ غيرِه.

وأمَّا نحن فليسَت الشُّفعةُ عندَنا على خِلافِ القِياسِ، ولكنَّ حِكمةَ الشارِعِ وقياسَ أُصولِه أوجَباها دَفعًا لضَررِ الشَّركةِ بحَسبِ الإِمكانِ، وإذا كانَ البائِعُ قد رغِبَ عن الشِّقصِ ورَضيَ بالثَّمنِ فرَغبَتُه عنه لشَريكِه ليَدفعَ

عنه ضَررَ الشَّريكِ الدَّخيلِ أوْلى، وهو يأخُذُ منه الثَّمنَ الذي يأخُذُه من الشَّريكِ ولا يَفوتُ عليه شَيءٌ.

فهذا مَحضُ قياسِ الأُصولِ، ولكنَّ هذا حَقٌّ للمُسلمِ على المُسلمِ، فلا حَقَّ للذِّميِّ فيه كسائِرِ الحُقوقِ التي لأهلِ الإِسلامِ بعضِهم على بعضٍ، وإذا كانَ كَثيرٌ من الفُقهاءِ يَمنَعونَ الذِّميَّ من التَّملُّكِ بالإِحياءِ كعبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ والشافِعيِّ وأَحمدَ في رِوايةٍ وكَثيرٍ من المالِكيةِ -مع أنَّ الإِحياءَ لا يَتضمَّنُ انتِزاعَ مِلكِ مُسلمٍ منه- فلَأنْ يُمنعَ من انتِزاعِ أرضِ المُسلمِ وعَقارِه منه قَهرًا أَولى وأَحرى.

وأيضًا: فإذا مُنعَ من مُشاركةِ المُسلمِ في تَجديدِ المِلكِ فيما هو مُشتَركٌ وفيه عِمارةٌ لدارِ الإِسلامِ فأحرى أنْ يُمنعَ من انتِزاعِ عَقارٍ ثَبَت عليه مِلكُ المُسلمِ واختَصَّ به، فإنَّ إِزالةَ المِلكِ الخاصِّ وانتِزاعَه من المُسلمِ قَهرًا أشَدُّ ضَررًا من المُشاركةِ فيما هو مُشتَركٌ بينَ العُمومِ.

وليسَ مع المُوجِبينَ للشُّفعةِ نَصٌّ من كِتابِ اللهِ ولا من سُنةِ رَسولِ اللهِ ولا من إِجماعِ الأُمةِ، وغايةُ ما معهم إِطلاقاتٌ وعُموماتٌ، كقَولِه: «قَضى رَسولُ اللهِ فيما لم يُقسَمْ»، وقَولِه: «مَنْ كانَ له شَريكٌ في رَبعةٍ أو حائِطٍ فلا يَحلُّ أنْ يَبيعَ حتى يُؤذِنَ شَريكَه»، ونَحوِ ذلك ممَّا لا يُعرَضُ فيه للمُستحِقِّ، وإنَّما سِيقَت لأَحكامِ الأَملاكِ لا لعُمومِ الأَملاكِ من أهلِ المِلةِ وغيرِها.

وليس معهم قياسٌ استَوى فيه الأَصلُ والفَرعُ في المُقتَضي للحُكمِ، فإنَّ قياسَ الكافِرِ على المُسلمِ من أفسَدِ القياسِ، وكذلك قياسُ بعضِهم من تَجبُ له الشُّفعةُ بمَن تَجبُ عليه من أفسَدِ القياسِ أيضًا، فإنَّ الذِّميَّ يَستحِقُّ عليه القِصاصَ ولا يَستحِقُّه هو على المُسلمِ، ويُستحَقُّ عليه حَدُّ القَذفِ ولا يَستحِقُّه، وكذلك المُطلِّقُ في مَرضِ المَوتِ يُستحَقُّ عليه المِيراثُ ولا يَستحِقُّه، وكذلك المُسلمُ يَستحِقُّ تَعليةَ البُنيانِ على الذِّميِّ ولا يَستحِقُّه الذِّميُّ عليه، والمُسلمُ يَستحِقُّ نِكاحَ الكافِرةِ وشِراءَ الرَّقيقِ الكافِرِ ولا يَستحِقُّ الذِّميُّ نِكاحَ المُسلمةِ ولا شِراءَ الرَّقيقِ المُسلمِ، والمُسلمُ يَستأجرُ الكافِرَ للخِدمةِ دونَ العَكسِ.

وكذلك قياسُ بعضِهم الأَخذَ بالشُّفعةِ على الرَّدِّ بالعَيبِ من هذا النَّمطِ، فإنَّ الرَّد بالعَيبِ من بابِ استِدراكِ الظُّلامةِ وأخْذِ الجُزءِ الفائِتِ الذي يُتركُ على الثَّمنِ في مُقابَلتِه، فأينَ ذلك من تَسليطِه على انتِزاعِ مِلكِ المُسلمِ منه قَهرًا واستِيلائِه عليه؟

وكذلك قِياسُ بعضِهم ذلك على ثُبوتِ الخيارِ في البَيعِ هو مِنْ هذا الضَّربِ، فإنَّ الخيارَ إنْ كانَ خيارَ شَرطٍ فهو شَرطُه له على نَفسِه، وإنْ كانَ خيارَ مَجلسٍ فمَن لا يُثبِتُه كيفَ يَحتجُّ به؟ وإنْ ألزَمَ به مَنْ يُثبتُه فهو يَفتَرِقُ عنه بأنَّ خيارَ المَجلسِ هو مُوجبُ العَقدِ شَرعًا، فلا يَتخلَّفُ عن العَقدِ، كالحُلولِ والتَّقابُضِ والسَّلامةِ، وكذلك قياسُ بَعضِهم الأخْذَ بالشُّفعةِ على التَّملُّكِ بالإِحياءِ، مع أنَّه تَملُّكٌ بغيرِ عِوضٍ يَرجعُ إلى المُسلِمينَ، فيُقالُ: مَنْ

الذي سلَّمَ الحُكمَ في هذه المَسألةِ وقد تنازَعَ فيها الفُقهاءُ قَديمًا وحَديثًا على أَحوالٍ أربَعةٍ؟

والمَقصودُ أنَّا إنْ قُلنا: لا يَملِكُ الذِّميُّ بالإِحياءِ، بطَلَ الاستِدلالُ به، وإنْ قُلنا: يَملكُ به، فالفَرقُ بينَه وبينَ تَملُّكِه بالشُّفعةِ من وُجوهٍ ثَلاثةٍ:

أَحدُها: أنَّه بالإِحياءِ لا يُنتزَعُ مِلكُ مُسلمٍ منه، بل يُحيِي مَواتًا لا حَقَّ فيه لأحَدٍ يَنتفِعُ به فهو كتَملُّكِ المُباحاتِ من الحَطبِ والحَشيشِ والمَعادنِ وغيرِها.

الثانِي: أنَّه ليسَ في إِحيائِه ضَررٌ على المُسلمِ ولا قَهرٌ وإِذلالٌ له، بخِلافِ تَسليطِه على إِخراجِه من دارِه وأَرضِه واستِيلائِه هو عليها.

الثالِثُ: أنَّه بالإِحياءِ عامِرٌ للأَرضِ المَواتِ، وفي ذلك نَفعٌ له وللإِسلامِ، بخِلافِ قَهرِه للمُسلمِ وأخْذِ أرضِه ودارِه منه وإِخراجِه منها، فقياسُ الأخْذِ بالشُّفعةِ على الإِحياءِ باطِلٌ.

وعلى هذا يُجابُ عن هذا القياسِ بالجَوابِ المُركَّبِ أنَّه إنْ لم يَكُنْ بينَ الإِحياءِ والأخذِ بالشُّفعةِ فَرقٌ فالحُكمُ فيهما واحِدٌ، وهو عَدمُ المِلكِ بهما، وإنْ كانَ بينَهما فَرقٌ بطَلَ الالتِزامُ به، واللهُ أعلَمُ (١).

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٨٦، ٦٠٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة

لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.

(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 594 - 604

ارجع إلى أركان الشفعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله