الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الشفعة وشروطها > ثالثا: الشفعة في العلو والسفل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةثالِثًا: الشُّفعةُ في العُلوِّ والسُّفلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَت هناك بُيوتٌ في عِمارةٍ مَثلًا، أو بَيتٌ فيه أسفَلُ وأَعلى، وأَرادَ أَحدُهما أنْ يَبيعَ بَيتَه، فهل لصاحِبِ العُلوِّ أو السُّفلِ منها حَقُّ الشُّفعةِ أو لا؟
قالَ الحَنفيةُ: إذا كانَ سُفلٌ لرَجلٍ وفَوقَه عُلوٌّ لغيرِه فباعَ صاحِبُ السُّفلِ سُفلَه فلصاحِبِ العُلوِّ الشُّفعةُ، ولو باعَ صاحِبُ العُلوِّ عُلوَّه فلصاحِبِ السُّفلِ الشُّفعةُ، فبعدَ ذلك إنْ كانَ طَريقُ العُلوِّ في السُّفلِ كانَ حَقُّ الشُّفعةِ بسَببِ الشَّركةِ في الطَّريقِ، وإنْ كانَ طَريقُ العُلوِّ في السِّكةِ العُظمى كانَ حَقُّ الشُّفعةِ بسَببِ الجِوارِ؛ إذِ الجِوارُ إنَّما يُعرَفُ بالاتِّصالِ، والاتِّصالُ بينَ المِلكَينِ ثابِتٌ.
فإنْ لم يأخُذْ صاحِبُ العُلوِّ السُّفلَ بالشُّفعةِ حتى انهَدَم العُلوُّ، فعَلى قَولِ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ: تَبطُلُ شُفعتُه، وعلى قَولِ مُحمدٍ: لا تَبطُلُ.
فوَجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ: أنَّ الشُّفعةَ ههنا إنَّما تَثبُتُ بالجِوارِ وإنَّما يُعرفُ بالاتِّصالِ، وقد زالَ الاتِّصالُ قبلَ قَبضِ الأخذِ بالشُّفعةِ فزالَ الجِوارُ، فتَبطلُ شُفعتُه، كما لو باعَ الدارَ التي يَستحِقُّ بها الشُّفعةَ قبلَ الأخذِ بالشُّفعةِ.
وَجهُ قَولِ مُحمدٍ: أنَّ استِحقاقَ الأخذِ بالشُّفعةِ ههنا بسَببِ قَرارِ البِناءِ، لا بسَببِ عَينِ البِناءِ؛ لأنَّ البِناءَ مَنقولٌ، والشُّفعةُ لا تُستحَقُّ بالمَنقولِ، وحَقُّ القَرارِ ههنا باقٍ، فما يُستحَقُّ به الشُّفعةُ باقٍ.
ولو بِيعَ السُّفلُ والعُلوُّ مُتهدِّمٌ فعلى قَولِ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ: لا شُفعةَ لصاحِبِ العُلوِّ بِناءً على أنَّ عندَه حَقَّ الشُّفعةِ له بسَببِ البِناءِ.
وعلى قَولِ مُحمدٍ: له الشُّفعةُ؛ لأنَّ عندَه حَقَّ الشُّفعةِ له بسَببِ قَرارِ البِناءِ لا بسَببِ البِناءِ نَفسِه، وحَقُّ قَرارِ العُلوِّ باقٍ في البابِ الأولِ.
وإنْ كانَ السُّفلُ لرَجلٍ وعُلوُّه لآخَرَ فبِيعَت دارٌ بجَنبِها فالشُّفعةُ لهما، فإنِ انهَدَمت الدارُ قبلَ أخذِ الشُّفعةِ فالشُّفعةُ لصاحِبِ السُّفلِ عندَ أَبي يُوسفَ رحمة الله عليه تَعالى؛ لقيامِ ما يُستحَقُّ به الشُّفعةُ وهو الأرضُ، ولا شُفعةَ لصاحِبِ العُلوِّ؛ لزَوالِ ما كانَ يُستحَقُّ به الشُّفعةُ.
وقالَ مُحمدٌ رحمة الله عليه تَعالى: الشُّفعةُ لهما؛ لأنَّ حَقَّه قائِمٌ أيضًا، فإنَّه يَبني العُلوَّ إذا بَنى صاحِبُ السُّفلِ سُفلَه، وله أنْ يَبنيَ السُّفلَ بنَفسِه ثم يَبنيَ عليه العُلوَّ، ويَمنعَ صاحِبَ السُّفلِ عن الانتِفاعِ حتى يُعطيَه حَقَّه.
ولو كانَ سُفلٌ بينَ رَجلَينِ عليه عُلوٌّ لأَحدِهما مُشتَركٌ بينَه وبينَ آخَرَ فباعَ هو السُّفلَ والعُلوَّ كانَ العُلوُّ لشَريكِه في العُلوِّ والسُّفلِ لشَريكِه في السُّفلِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما شَريكٌ في المَبيعِ نَفسِه في حَقِّه، وجارٌ في حَقِّ الآخَرِ، أو شَريكٌ في الحَقِّ إذا كانَ طَريقُهما واحِدًا.
ولا شُفعةَ لشَريكِه في السُّفلِ في العُلوِّ، ولا لشَريكِه في العُلوِّ في السُّفلِ؛ لأنَّ شَريكَه في السُّفلِ جارُ العُلوِّ، وشَريكُه في حُقوقِ العُلوِّ، وإنْ كانَ طَريقُ العُلوِّ فيه ليسَ بشَريكٍ له في العُلوِّ، والشَّريكُ في عَينِ البُقعةِ أو ما هو في مَعنى البُقعةِ مُقدَّمٌ على الجارِ والشَّريكِ في الحُقوقِ، وشَريكُه في العُلوِّ جارٌ للسُّفلِ أو شَريكُه في الحُقوقِ إذا كانَ طَريقُ العُلوِّ في تلك الدارِ، ولا شَركةَ له في عَينِ البُقعةِ، فكانَ الشَّريكُ في عَينِ البُقعةِ أَولى (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا شُفعةَ لمَن له حِملٌ على جِدارٍ إذا بِيعَ؛ لأنَّه غيرُ شَريكٍ، ولا لصاحِبِ عُلوٍّ على سُفلٍ، ولا لصاحِبِ سُفلٍ على عُلوٍّ لعَدمِ الشَّركةِ.
فإذا باعَ أحدُ شُركاءِ العُلوِّ والسَّقفِ لصاحِبِ السُّفلِ فلا شُفعةَ؛ لأنَّه بِناءٌ مُجدَّدٌ، وإنْ كانَ السَّقفُ للعُلوِّ فلا شُفعةَ لصاحِبِ السُّفلِ؛ لأنَّه مُجاوِرٌ لا شَريكٌ.
وهل لشُركاءِ العُلوِّ الشُّفعةُ لأنَّ السَّقفَ على مِلكِهم أو لا تَثبُتُ لأنَّه ليس أرضًا؟ وَجهانِ لهم (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: لا شُفعةَ في عُلوٍّ بلا سُفلٍ ثابِتٍ كانَ باعَ شِقصًا من غُرفةٍ مَبنيةٍ على سَقفٍ لهما أو لأَحدِهما أو لغَيرِهما؛ إذْ لا قَرارَ له فهي كالمَنقولاتِ.
(١) «المبسوط» (١٤/ ١٣٢)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٩)، و «المحيط البرهاني» (٧/ ٤٩١)، و «البحر الرائق» (٨/ ١٤٥)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ١٦٤، ١٦٩).
(٢) «الذخيرة» (٧/ ٣١٣).
ولو كانَ السُّفلُ مُشتَركًا بينَ اثنَينِ والعُلوُّ لأَحدِهما فباعَ صاحِبُ العُلوِّ عُلوَّه مع نَصيبِه من السُّفلِ فالشُّفعةُ ثابِتةٌ في نَصيبِه من السُّفلِ فقط، لا في العُلوِّ؛ لأنَّ العُلوَّ لا شَركةَ فيه، ولا حَقَّ للشَّفيعِ فيه.
وكذا لو اشتَرَكا في أرضٍ فيها شَجرٌ لأَحدِهما فباعَه مع نَصيبِه منها، فالشُّفعةُ ثابِتةٌ في الأرضِ بحِصتِها من الثَّمنِ لا في الشَّجرِ لذلك (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ بِيعَت حِصةٌ من عُلوِّ دارٍ مُشتَركٍ -أي: العُلوِّ- وكانَ السَّقفُ الذي تحتَه لصاحِبِ السُّفلِ وَحدَه أو كانَ السَّقفُ لهما -أي: لصاحِبِ السُّفلِ والعُلوِّ- أو كانَ السَّقفُ لصاحِبِ العُلوِّ فلا شُفعةَ في العُلوِّ؛ لأنَّه بِناءٌ مُفردٌ، ولا شُفعةَ أيضًا في السَّقفِ؛ لأنَّه لا أرضَ له فهو كالأَبنيةِ المُفرَدةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: ويَحتمِلُ ثُبوتَ الشُّفعةِ؛ لأنَّ له قَرارًا فهو كالسُّفلِ.
وإنْ كانَ السُّفلُ مُشتَركًا بينَ اثنَينِ فأكثَرَ وكانَ العُلوُّ خالِصًا لأحدِ الشَّريكَينِ فباعَ رَبُّ العُلوِّ نَصيبَه من السُّفلِ فللشَّريكِ الشُّفعةُ في السُّفلِ فقط دونَ العُلوِّ؛ لعَدمِ الشَّركةِ فيه (٢).
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٦٩٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٢٤، ٢٢٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٢١)، و «الديباج» (٢/ ٤١١، ٤١٢)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ١٠٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٢٤).
(٢) «المغني» (٥/ ١٨٠)، و «الإنصاف» (٦/ ٢٥٩، ٢٦٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٧١، ١٧٢)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١١٠).
ارجع إلى أركان الشفعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.