الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الشفعة وشروطها > رابعا: الشفعة في العروض والمنقول والحيوان
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةرابِعًا: الشُّفعةُ في العُروضِ والمَنقولِ والحَيوانِ:
ذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشُّفعةَ لا تَثبتُ في العُروضِ كالمَنقولِ والحَيوانِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا شُفعةَ إلا في رَبعٍ أو حائِطٍ» ولأنَّ الشُّفعةَ إنَّما وجَبَت لدَفعِ ضَررِ سُوءِ الجِوارِ على الدَّوامِ، والمِلكُ في المَنقولِ لا يَدومُ حسَبَ دَوامِه في العَقارِ، فلا يَلحَقُ به، فإذا كانَ هناك عَرضٌ أو طَعامٌ أو حَيوانٌ بينَ اثنَينِ باعَ أَحدُهما حِصَّتَه لأجنَبيٍّ فإنَّ البَيعَ يَمضي للأجنَبيِّ، وليسَ للشَّريكِ أنْ يأخُذَ منه بالشُّفعةِ؛ إذْ لا شُفعةَ له فيه (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: واختَلَفوا في الشُّفعةِ في العُروضِ والحَيوانِ.
فقالَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ: لا شُفعةَ فيه. هذا قَولُ عَطاءٍ، والحَسنِ البَصريِّ، وبه قالَ مالِكٌ، والثَّوريُّ، والأَوزاعيُّ، وعبدُ اللهِ بنُ الحَسنِ، وقَتادةُ، ورَبيعةُ، والشافِعيُّ، وأَحمدُ، وإِسحاقُ، وأَصحابُ الرأيِ.
وقالَ الحَكمُ وحَمَّادٌ: لا شُفعةَ في العَبدِ.
وقالَ عَطاءٌ مَرةً: الشُّفعةُ في كلِّ شَيءٍ حتى في الثَّوبِ، وقد اختُلفَ فيه عنه.
(١) «الهداية» (٤/ ٣٤)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٩١، ٣٩٢)، و «اللباب» (١/ ٥٠٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٢٢).
قالَ أَبو بَكرٍ: بالقَولِ الأوَّلِ أَقولُ، وليسَ في البابِ حَديثٌ صَحيحٌ يَجبُ القَولُ به (١).
قالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ رحمة الله عليه: وأمَّا بَيعُ العُروضِ مَشاعًا فأكثَرُ العُلماءِ على أنَّه لا شُفعةَ فيها، وإنَّما الشُّفعةُ في الدُّورِ والأرضِ خاصَّةً، هذا قَولُ عَطاءٍ والحَسنِ ورَبيعةَ والحَكمِ وحَمَّادٍ، وبه قالَ مالِكٌ والثَّوريُّ والكُوفيُّونَ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وأَحمدُ وإِسحاقُ، ورُويَ عن عَطاءٍ أنَّه قالَ: الشُّفعةُ في كلِّ شَيءٍ حتى في الثَّوبِ. وإذا اختَلفَ فيها قَولُ عَطاءٍ فكأنَّه لم يَأتِ عنه فيها شَيءٌ، فهو كالإِجماعِ أنَّه لا شُفعةَ في العُروضِ والحَيوانِ، قالَه ابنُ المُنذرِ (٢).
وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: لا شُفعةَ في العُروضِ والحَيوانِ، خِلافًا لمَن يُحكى عنه ذلك؛ لقَولِه ﷺ: «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ»، وقَولُه: «إذا ضُرِبت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ»، ولأنَّه ممَّا يُنقلُ ويُحوَّلُ كالذَّهبِ والفِضةِ (٣).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى» ما لا تَقعُ فيه الشُّفعةُ:
(قُلتُ): أرَأيتَ ما سِوى الدُّورِ والأَرضينَ والنَّخلِ والشَّجرِ أفيه الشُّفعةُ في قَولِ مالِكٍ؟
(١) «الإشراف» (٦/ ١٥٤، ١٥٥).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٣٣٥).
(٣) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٤١، ١٤٢)، رقم (٩٩٥).
(قالَ): قالَ مالِكٌ: لا شُفعةَ إلا في الدُّورِ والأَرضينَ والنَّخلِ والشَّجرِ. (قيلَ): والشَّجرُ؟ (قالَ) الشَّجرُ بمَنزِلةِ النَّخلِ. (قالَ): وجعَلَ مالِكٌ في الثَّمرِ الشُّفعةَ؟ (قُلتُ): ولا شُفعةَ في دَينٍ ولا حَيوانٍ ولا سُفنٍ ولا بَزٍّ ولا طَعامٍ ولا في شَيءٍ من العُروضِ، ولا ساريةٍ ولا حَجرٍ ولا في شَيءٍ من الأَشياءِ سِوى ما ذَكَرتَ لي، كانَ ممَّا يُقسَمُ أو مما لا يُقسَمُ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعم لا شُفعةَ في ذلك، ولا شُفعةَ إلا فيما ذَكَرت لك (١).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّه لا شُفعةَ في الحَيوانِ والثِّيابِ والأَمتِعةِ وسائِرِ المَنقولِ، قالَ القاضِي: وشَذَّ بعضُ الناسِ فأثبَتَ الشُّفعةَ في العُروضِ، وهي رِوايةٌ عن عَطاءٍ، وتَثبُتُ في كلِّ شَيءٍ حتى في الثَّوبِ، وكذا حَكاها عنه ابنُ المُنذرِ، وعن أَحمدَ رِوايةٌ أنَّها تَثبُتُ في الحَيوانِ والبِناءِ المُنفرِدِ (٢).
وقالَ القاضِي العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: الأَشياءُ في الشُّفعةِ على ثَلاثةِ أَضرُبٍ، كما يَلي: ضَربٌ ثَبتَت فيه الشُّفعةُ، سَواءٌ بِيعَ مُنفرِدًا، أو مع غيرِه، وضَربٌ لا تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ بحالٍ، وضَربٌ تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ تَبعًا لغيرِه، ولا تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ إذا بِيعَ مُنفرِدًا.
فأمَّا الضَّربُ الأولُ -وهو ما تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ إذا بِيعَ مُنفرِدًا، أو مع غيرِه-: فهو العِراصُ، مِثلَ: عَرصةِ الأرضِ والدارِ، فإذا باعَ أحدُ الشَّريكَينِ
(١) «المدونة الكبرى» (١٤/ ٤٠٢).
(٢) شرح صحيح مسلم» (١١/ ٤٥، ٤٦).
نَصيبَه فيها ثبَتَت لشَريكِه الشُّفعةُ فيه، وهو قَولُ عامةِ العُلماءِ، إلا الأصَمَّ، فإنَّه قالَ: لا تَثبُتُ الشُّفعةُ بحالٍ؛ لأنَّ في ذلك إِضرارًا بأَربابِ الأَملاكِ؛ لأنَّ المُشتَريَ متى علِمَ بأنَّه يُؤخَذُ منه لم يَرغَبْ في الشِّراءِ، فيُؤدِّي ذلك إلى الضَّررِ بالبائِعِ، وربَّما تقاعَدَ شَريكُه عن الشِّراءِ منه.
ودَليلُنا عليه: ما ذَكَرناه من الأَخبارِ، وما ذَكَره فغيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّا نُشاهِدُ الأَشقاصَ تُشتَرى مع عِلمِ المُشتَري باستِحقاقِ الشُّفعةِ عليه.
وأمَّا الضَّربُ الثانِي -وهو ما لا تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ بحالٍ-: فهو كلُّ ما يُنقَلُ ويُحوَّلُ، مِثلَ: الطَّعامِ والثِّيابِ والعَبيدِ، فإذا باعَ أحدُ الشَّريكَينِ نَصيبَه في ذلك لم تَثبُتْ لشَريكِه فيه الشُّفعةُ، وبه قالَ عامةُ أهلِ العِلمِ.
وقالَ مالِكٌ: (تَثبُتُ الشُّفعةُ في جَميعِ ذلك) (١).
دَليلُنا قَولُه ﷺ: «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ، وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ» وهذا لا يَتناوَلُ ما يَنتقِلُ.
ورَوى جابِرٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا شُفعةَ إلا في رَبعٍ، أو حائِطٍ»، فنَفَى الشُّفعةَ عن غيرِهما (٢).
(١) هذا النَّقلُ عن الإمامِ مالكٍ غيرُ صَحيحٍ، فقد قالَ الدّميرِيُّ المالكيُّ في «تحبير المختصر» (٤/ ٤٤٢): قولُه: (لا عرضَ) أي: فإنَّه لا شُفعةَ فيه كالحَيوانِ، وحَكى بعضُ الشافِعيةِ عن مالكٍ الشُفعةَ فيها، وهو مُنكَرٌ.
(٢) «البيان» (٧/ ٩٩).
وقالَ المَواقُ المالِكيُّ: ابنُ حارِثٍ: اتَّفَقوا في إِسقاطِ الشُّفعةِ في العُروضِ والأَمتِعةِ وما يُشبهُ ذلك (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأمَّا ما بِيعَ مُفرَدًا من الأرضِ فلا شُفعةَ فيه، سَواءٌ كانَ ممَّا يُنقَلُ كالحَيوانِ والثِّيابِ والسُّفنِ والحِجارةِ والزَّرعِ والثِّمارِ أو لا يُنقَلُ كالبِناءِ والغِراسِ إذا بِيعَ مُفرَدًا، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ، ورُويَ عن الحَسنِ والثَّوريِّ والأَوزاعيِّ والعَنبَريِّ وقَتادةَ ورَبيعةَ وإِسحاقَ: لا شُفعةَ في المَنقولاتِ.
واختُلفَ عن مالِكٍ وعَطاءٍ، فقالا مَرةً كذلك، ومَرةً قالا: الشُّفعةُ في كلِّ شَيءٍ حتى في الثَّوبِ.
قالَ ابنُ أَبي موسى: وقد رُويَ عن أَبي عبدِ اللهِ رِوايةٌ أُخرى أنَّ الشُّفعةَ واجِبةٌ فيما لا يَنقسِمُ، كالحِجارةِ والسَّيفِ والحَيوانِ وما في مَعنى ذلك.
قالَ أَبو الخَطابِ: وعن أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى أنَّ الشُّفعةَ تَجبُ في البِناءِ والغِراسِ وإنْ بِيعَ مُفرَدًا، وهو قَولُ مالِكٍ؛ لعُمومِ قَولِه عليه السلام: «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ»، ولأنَّ الشُّفعةَ وُضِعت لدَفعِ الضَّررِ، وحُصولُ الضَّررِ بالشَّركةِ فيما لا يَنقسِمُ أبلَغُ منه فيما يَنقسِمُ، ولأنَّ ابنَ أَبي مُلَيكةَ رَوى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الشُّفعةُ في كلِّ شَيءٍ».
ولنا: أنَّ قَولَ النَّبيِّ ﷺ: «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت
(١) «التاج والإكليل» (٤/ ٣٥٩).
الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ» لا يَتناوَلُ إلا ما ذَكَرناه، وإنَّما أَرادَ ما لا يَنقسِمُ من الأرضِ بدَليلِ قَولِه: «فإذا وقَعَت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ»، ولأنَّ هذا ممَّا لا يَتَباقى على الدَّوامِ فلا تَجبُ فيه الشُّفعةُ كصُبرةِ الطَّعامِ، وحَديثُ ابنِ أَبي مُلَيكةَ مُرسَلٌ، لم يَرِدْ في الكُتبِ المَوثوقِ بها، والحُكمُ في الغَرَّافِ والدُّولابِ والناعُورةِ كالحُكمِ في البِناءِ، فأمَّا إنْ بِيعَت الشَّجرةُ مع قَرارِها من الأرضِ مُفرَدةً يَتخلَّلُها من الأرضِ فحُكمُها حُكمُ ما لا يَنقسِمُ من العَقارِ، ولأنَّ هذا ممَّا لا يَنقسِمُ على ما سنَذكُرُه، ويَحتملُ أنَّه لا تَجبُ الشُّفعةُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ القَرارَ تابِعٌ لها، إذا لم تَجبِ الشُّفعةُ فيها مُفرَدةً لم تَجِبْ في تَبعِها (١).
(١) «المغني» (٥/ ١٨٠).
ارجع إلى أركان الشفعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.