الركن الرابع: الوديعة: العين المودعة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان عقد الوديعة > الركن الرابع: الوديعة: العين المودعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الركن الرابع: الوديعة: العين المودعة - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الرابِعُ: الوَديعةُ: العَينُ المُودَعةُ:

الأَصلُ أنَّه يَصحُّ إِيداعُ كلِّ عَينٍ يُمكنُ اقتناؤُها، وقد ذكَرَ الفُقهاءُ شُروطًا في العَينِ المُودَعةِ، بَيانُها على النَّحوِ التَّالي:

أ - اشتَرطَ فُقهاءُ الحَنفيةِ في العَينِ المُودَعةِ أنْ تَكونَ مالًا، وهذا المالُ يُشترطُ فيه أنْ يَكونَ قابِلًا لإِثباتِ اليدِ عليه ليَتمكَّنَ مِنْ حِفظِه؛ لأنَّ الإِيداعَ عَقدُ استِحفاظٍ، وحِفظُ الشَّيءِ بدونِ إِثباتِ اليدِ غيرُ مُتصوَّرٍ، فإِيداعُ الطَّيرِ في الهَواءِ والمالِ السَّاقطِ في البَحرِ والعَبدِ الآبقِ غيرُ صَحيحٍ (١).

ب - اشتَرطَ الشَّافِعيةُ والحَنابِلةُ لصِحةِ عَقدِ الوَديعةِ أنْ تَكونَ العَينُ المُودَعةُ مالًا مُحتَرمًا مُختصًّا، فعليه يَصحُّ إِيداعُ الخَمرِ المُحتَرمةِ وجِلدِ مَيتةٍ يَطهرُ بالدِّباغِ وزِبْلٍ وكَلبٍ مُعلَّمٍ؛ لأنَّه يَجوزُ اقتناؤُها، وأما الخَمرُ غيرُ المُحتَرمةِ والكَلبُ غيرُ المُعلَّمِ والنَّجسُ الذي لا يَجوزُ اقتناؤُه فلا يَجوزُ إِيداعُه (٢).

ج- نصَّ المالِكيةُ على صِحةِ إِيداعِ الصُّكوكِ والوَثائقِ بذِكرِ الحُقوقِ (٣).

(١) «العناية» (١٢/ ٢٠٧)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٧٣)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٣٨).
(٢) «مغني المحتاج» (٤/ ١٣١)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٢٩٩)، و «الديباج» (٣/ ١٠٦)، و «المبدع» (٥/ ٢٣٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٠٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٣٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٤٧، ١٤٨).
(٣) «الملخص الفقهي» (١٠/ ٤٣٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٥٧)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٢٢٥).

وإِيداعُ الوَثائقِ مما لا يَنبغي أنْ يَكونَ فيه خِلافٌ بينَ العُلماءِ، إلا أنَّني لمْ أَجدْ غيرَ المالِكيةِ قد نصُّوا على جَوازِ إِيداعِ الوَثائقِ بذِكرِ الحُقوقِ.

د- نصَّ الإِمامُ ابنُ عَرفةَ مِنْ المالِكيةِ على أنَّه يُشترطُ في العَينِ المُودَعةِ أنْ تَكونَ مما يُمكنُ نقلُها، وأما ما لا يُمكنُ نقلُه كالرَّبعِ -أي الأرضِ- فلا يَصحُّ إِيداعُه (١).

قالَ الدُّسوقِيُّ رحمة الله عليه: قَولُه (مالٌ وكلُّ … إلخ) دخَلَ في التَّعريفِ ذِكرُ الحُقوقِ؛ لأنَّ الوَثيقةَ مُتموَّلٌ يُرادُ حِفظُه لأَجلِ ما فيه.

وشمِلَ أيضًا العَقارَ إذا وُكِّلَ على حِفظِه، فيُسمَّى وَديعةً، وهو ما ارتَضاه الوانُّوغِيُّ وح قائلًا لمْ أرَ أَحدًا أخرَجَ العَقارَ عن أنْ يَكونَ وَديعةً، لكِنِ ابنُ عَرفةَ شرَطَ في الوَديعةِ أنْ تَكونَ مِما يُمكنُ نَقلُه، وحينَئذٍ فيَخرجُ العَقارُ (٢).

لكنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ -غيرُ ابنِ عَرفةَ- حتى المالِكيةُ لم يَتشرَّطوا أنْ تَكونَ العَينُ المُودعةُ مما يُنقلُ، بل يَصحُّ عندَهم رَهنُ ما يُنقلُ وما لا يُنقلُ كالعَقارِ (٣).

(١) «الملخص الفقهي» (١٠/ ٤٣٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٥٧)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٢٢٥).
(٢) «حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٠).
(٣) «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٤٩)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٧٦)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٧٣)، و «الملخص الفقهي» (١٠/ ٤٣٩)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٥٧)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٢٢٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١٣١)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٢٩٩)، و «الديباج» (٣/ ١٠٦)، و «المبدع» (٥/ ٢٣٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٠٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:

السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.

فَصْلٌ:

فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.

وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ:

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان

الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (وليس على مودع ضمان، إذا لم يتعد)

المُسْتَوْدَعُ رَدَّها على صاحِبِها، لَزِمَه قَبُولُها ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها ؛ فلا يَلْزَمُه التَّبَرُّعُ فى المُستقبَلِ.

١٠٦٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَى مُودَعٍ ضَمَانٌ، إذَا لَمْ يَتَعَدَّ)

وجملَتُه أَنَّ الوَدِيعةَ أمانةٌ، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْريطٍ من المُودَعِ، فليس عليه ضَمانٌ، سواءٌ ذَهَبَ معها شىءٌ من مالِ المُودَعِ أو لم يَذْهَبْ. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن أبى بُكَيْر، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وأبو الزِّنادِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعىُّ، والشَّافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ روايةٌ أخرى، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعةُ من بين مالِه غَرِمَها؛ لما رُوِىَ عن عمرَ بن الخطابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه ضَمّنَ أَنَسَ بن مالكٍ وَدِيعةً ذَهَبَتْ من بين مالِه . قال القاضى: والأُولَى أَصَحُّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى سَمَّاها أمانةً، والضَّمانُ يُنَافِى الأمانةَ. ويُرْوَى عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أَنَّ النّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْتَوْدَعِ ضَمانٌ" . ويُرْوَى عن الصَّحابةِ الذين ذكَرْناهِم. ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ، فلا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من غيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، كالذى ذهَبَ مع مالِه، ولأنَّ المُسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَظُها لصاحِبِها مُتَبَرِّعًا، من غير نَفْع يَرْجِعُ إليه فلو لَزِمَهُ الضَّمانُ لَامْتَنعَ الناسُ من قبَولِ الوَدائِعِ، وذلك مُضِرٌّ، لما بَيَّنَاه من الحاجةِ إليها، وما رُوِىَ عن عمرَ مَحْمولٌ على التَّفْريطِ من أَنَسٍ فى حِفْظِها، فلا يُنافِى ما ذكَرْناه. فأمَّا إن تَعَدَّى

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 54 - 55

ارجع إلى أركان عقد الوديعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله